"انتهى" القتال — لكن الحرب لم تُحسم: كيف تتحايل واشنطن على الساعة القانونية لتمديد صراعها مع إيران؟
"لأغراض قانون صلاحيات الحرب" — عبارة واحدة تكشف الفجوة الكبيرة بين اللغة الدبلوماسية والواقع الميداني في الأزمة الأمريكية-الإيرانية
"انتهت" — لكن ماذا يعني هذا الإعلان فعلياً؟
في وقت متأخر من مساء الخميس، أطلّ مسؤول رفيع في إدارة ترامب — رافضاً الكشف عن هويته — ليُعلن أن الأعمال القتالية بين واشنطن وطهران قد "انتهت" لأغراض تطبيق قانون صلاحيات الحرب. التوقيت ليس مصادفة: كانت واشنطن تواجه الجمعة انتهاء مهلة الستين يوماً التي يفرضها القانون الأمريكي لوقف العمليات العسكرية أو استئذان الكونجرس لتمديدها. فهل أُعلنت نهاية الحرب فعلاً، أم أن ما جرى مجرد مناورة قانونية تُجمّد الساعة دون أن توقف الصراع؟
من نطنز إلى هرمز: ستة وثمانون يوماً لم تُنتج سلاماً
بدأت العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران في 28 فبراير الماضي، وشملت ضربات طالت منشآت نووية وعسكرية. في أبريل، قدّمت طهران مقترحاً من عشر نقاط أفضى إلى وقف إطلاق نار لأسبوعين ابتداءً من السابع من أبريل، جرى تمديده لاحقاً.
غير أن الهدنة لم تعنِ انتهاء الضغط. فإيران لا تزال تُحكم قبضتها على مضيق هرمز، بينما تواصل البحرية الأمريكية فرض حصار بحري يمنع ناقلات النفط الإيرانية من مغادرة المنطقة. المواجهة إذن تحوّلت من تبادل إطلاق النار إلى حرب خنق اقتصادي — الشكل يختلف، لكن جوهر الصراع باقٍ.
الورقة القانونية: سلاح البيت الأبيض لتجاوز الكونجرس
قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 صُمِّم أصلاً لتقليص هيمنة السلطة التنفيذية على قرار الحرب، إذ يُلزم الرئيس بسحب القوات خلال ستين يوماً ما لم يصدر تفويض من الكونجرس. غير أن إدارة ترامب قلبت المعادلة: فبإعلان أن الأعمال القتالية "انتهت" بفضل الهدنة، تزعم أن الساعة القانونية توقفت من تلقاء ذاتها.
وزير الدفاع بيت هيجسيث مضى في الاتجاه ذاته حين شهد أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ بأن وقف إطلاق النار يعني "إيقافاً مؤقتاً للحرب" وبالتالي تجميد العداد القانوني.
لكن خبيرة قوانين الحرب كاثرين يون إيبريت وصفت هذا التفسير بأنه تلاعب قانوني واسع النطاق، مشيرةً إلى أن نصّ القانون لا يحتوي على أي مادة تتيح وقف مهلة الستين يوماً بمجرد قيام هدنة مؤقتة. بعبارة أخرى: الإدارة تُعيد تعريف الحرب ليس لوقفها، بل لإفلات الرئاسة من رقابة التشريع.
الانقسام الحزبي يُعطّل الرقابة البرلمانية
المشهد في الكونجرس لا يُبشّر بأي توافق رقابي قريب. الديمقراطيون يضغطون لاستعادة صلاحيات الحرب الدستورية ووقف العمليات دون تفويض رسمي. في المقابل، يرى الجمهوريون أن توظيف القانون في هذا السياق محاولة حزبية لإضعاف ترامب سياسياً، لا رقابة دستورية أصيلة.
هذا الانسداد يعني عملياً أن إدارة ترامب تجد نفسها أمام مفترق طرق بين ثلاثة خيارات لا يبدو أن أياً منها مريح: تثبيت الهدنة الراهنة ومواصلة الحصار البحري، أو استئناف الضربات لحسم الصراع عسكرياً، أو الذهاب للكونجرس لطلب تفويض رسمي مع ما يعنيه ذلك من معركة سياسية داخلية. التكتيك الراهن — إعلان "الانتهاء" القانوني دون حل الجوهر — يُرجئ القرار، لكنه لا يُلغيه.
المصالح المتشابكة: من يريد ماذا حقاً؟
ثمة خيط يربط الأطراف الثلاثة الرئيسية — واشنطن وطهران وتل أبيب — وهو أن كلاً منها يُعلن رواية انتصار مختلفة.
البيت الأبيض يحتاج إلى صورة "النصر الكبير" التي روّج لها ترامب داخلياً، دون أن يُقحم نفسه في مستنقع برلماني. طهران تُقدّم وقف إطلاق النار على أنه انتصار تاريخي، معتبرةً أنها صمدت أمام أقوى منظومة عسكرية في العالم. أما إسرائيل، فيحذّر وزير دفاعها يسرائيل كاتس من أن الحرب لم تُحسم بعد وقد تستأنف قريباً، في تلميح إلى أن تل أبيب قد تتحرك منفردةً إن رأت أن الاتفاق يُكرّس خطراً نووياً إيرانياً.
والوسطاء الباكستانيون لا يزالون يتحركون بين الطرفين لصياغة تسوية تتعلق بإعادة فتح هرمز وفصل ملف المضيق عن الملف النووي — وهو مسار يبقى هشاً في ظل غياب الثقة المتبادلة.
كيف يُعيد هذا المشهد رسم خريطة الطاقة العالمية؟
مضيق هرمز الذي تعبر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية يظل محاصَراً وغير قابل للعبور بحرية. هذا يعني أن أسواق النفط العالمية ستبقى في حالة ترقّب، مع ضغوط تصاعدية على الأسعار لا سيما في ظل أي تصعيد مفاجئ. كما أن الحصار البحري يُكبّل الاقتصاد الإيراني الذي يُعاني أصلاً من أعباء العقوبات، مما قد يُعجّل في تليين الموقف التفاوضي الإيراني على المدى المتوسط — أو على النقيض تماماً، يدفع النظام نحو تشديد قبضته الداخلية ومقاومة أي تنازل.
بالنسبة لدول الخليج، فإن الجمود الراهن يزيد تعقيد حسابات العلاقات مع طهران: التطبيع الذي انطلق بصعوبة سيواجه ضغوطاً متزايدة في ظل استمرار الحصار وتهديدات استئناف الضربات.
ثلاثة سيناريوهات لمسرح يرفض أن يُسدل ستاره
الأرجح حالياً: استمرار الجمود الراهن — هدنة قائمة وحصار مستمر — مع محادثات باكستانية الوساطة تتمحور حول هرمز دون أن تُقرّ الملف النووي. هذا السيناريو يُريح الجانبين شكلاً، لكنه يُراكم توتراً قابلاً للانفجار في أي لحظة.
الأخطر: عودة الضربات العسكرية إذا ما انهارت المفاوضات أو تحرّكت إسرائيل منفردة. في هذه الحالة، سيكون الرد الإيراني المحتمل — إغلاق هرمز كلياً — كارثياً على أسواق الطاقة العالمية.
البديل الأقل احتمالاً والأهم للمتابعة: أن تصل المفاوضات إلى اتفاق شامل يُفضي إلى إعادة فتح المضيق مقابل ضمانات نووية قابلة للتحقق — وهو المسار الذي يُجسّد الطموح الدبلوماسي لكلا الطرفين، لكنه الأصعب تحقيقاً في ظل انعدام الثقة وتشابك الحسابات.
الفاتورة في النهاية لن يدفعها المفاوضون
بينما يتجادل المسؤولون حول "توقيت الساعة القانونية"، يعيش المدنيون الإيرانيون تبعات حصار يضرب الاستيراد ويُفاقم الغلاء. وأسواق الطاقة في آسيا وأوروبا تستيقظ كل صباح على نشرات تُحرّك الأسعار بناءً على تغريدة أو تصريح. قرارات الاستثمار في المنطقة معلّقة في الهواء ريثما تتضح المعالم.
المستفيد الأكبر الآن هو من يمتلك البديل: دول إنتاج النفط خارج نطاق هرمز كالسعودية والإمارات، التي تُصدّر بلا عوائق وتحقق عائدات مرتفعة في ظل ضيق العرض.
ساعة "انتهت" فيها الحرب — أم ساعة بدأ فيها الغموض؟
إعلان "انتهاء" الأعمال القتالية لأغراض قانون صلاحيات الحرب يكشف في جوهره عن مشكلة أعمق من تفسير قانوني: هو اعتراف ضمني بأن واشنطن لا تملك استراتيجية نهاية واضحة. النصر المُعلن لم يُنهِ الحصار، ولم يُفكّك المنظومة النووية الإيرانية، ولم يفتح هرمز.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح الآن ليس "متى انتهت الحرب؟" — بل: ما الذي تعتبره واشنطن نجاحاً في نهاية المطاف، وهل هي مستعدة لدفع ثمنه سياسياً وعسكرياً؟ ما لم تُجب الإدارة عن هذا السؤال بوضوح، فإن "الساعة القانونية" التي أوقفتها اليوم ستعود للدوران من جديد — في اللحظة الأقل توقعاً.
المصادر
[1] RT Arabic — مسؤول أمريكي: الأعمال القتالية بين أمريكا وإيران "انتهت"](https://rtarabic.com/world/1784377)
[2] RT Arabic — لحظة بلحظة: واشنطن تُعلن انتهاء الحرب وتُلوّح بضربة ختامية
[3] مصراوي — كيف تتحايل إدارة ترامب على القانون الأمريكي لتمديد حرب إيران؟
الوسوم
قانون صلاحيات الحرب | حرب إيران وأمريكا | مضيق هرمز | وقف إطلاق النار | ترامب وإيران

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار