هل تستعدّ واشنطن فعلاً لـ"كوبا التالية"؟ تشريح تهديد ترامب بين الحصار والغزو

-- دقائق

هل تستعدّ واشنطن فعلاً لـ"كوبا التالية"؟ تشريح تهديد ترامب بين الحصار والغزو

عندما يصبح "الفناء الخلفي" ساحة اختبار لعقيدة جديدة

في الثاني من مايو 2026، عاد ملف كوبا إلى صدارة المشهد الأمريكي بقرارٍ تنفيذي جديد. وقّع الرئيس دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يوسّع العقوبات الأمريكية على الحكومة الكوبية، وفقاً لمسؤولَين في البيت الأبيض تحدّثا لرويترز، في إطار سعيه لتشديد الضغط على هافانا بعد الإطاحة بزعيم فنزويلا. غير أن قراءة هذا التطور بوصفه مجرد جولة عقوبات إضافية تُفوّت جوهر اللحظة: واشنطن لم تعد تتعامل مع كوبا ضمن منطق الاحتواء الموروث منذ 1962، بل ضمن عقيدة تدخّل صاعدة جرى اختبارها للتو في كاراكاس وطهران.

السؤال المركزي إذن ليس ما إذا كان ترامب "يهدّد" كوبا — فهذا تكرّر منذ يناير — بل ما إذا كانت البنية الاستراتيجية والعسكرية تتحرك فعلياً نحو سيناريو تدخّل، وما الكلفة الإقليمية والدولية لذلك.

كيف انتقل الملف الكوبي من الحصار الاقتصادي إلى عتبة العمل العسكري

جذور التصعيد الراهن لا تبدأ من تصريحات الأسبوع الماضي، بل من الثالث من يناير 2026، حين نفّذت القوات الأمريكية عملية أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. في ديسمبر 2025، وفي إطار التصعيد الذي انتهى بالتدخل الأمريكي في فنزويلا، صادرت الولايات المتحدة ناقلات تحمل نفطاً فنزويلياً متجهاً إلى كوبا وأعلنت حصاراً على صادرات النفط الفنزويلي. بعد التدخل في فنزويلا الذي أدى إلى اعتقال مادورو، هدّد ترامب بعمل عسكري محتمل ضد عدة أقاليم بينها غرينلاند وكولومبيا وإيران وكوبا، وفي 29 يناير 2026 وُقِّع الأمر التنفيذي 14380 ودخل حيز التنفيذ في 30 يناير، معلناً حالة طوارئ وطنية ومُجيزاً فرض رسوم إضافية على واردات الدول التي تُورِّد النفط لكوبا بشكل مباشر أو غير مباشر.

النتيجة الميدانية كانت سريعة وقاسية. هدّد ترامب بفرض رسوم عقابية على أي دولة أخرى تُرسل النفط الخام إلى كوبا، ما دفع المكسيك — أحد كبار المورّدين — إلى وقف الشحنات، وأسهم نقص الوقود في انقطاعات وطنية للكهرباء ودفع شركات طيران أجنبية كثيرة إلى تعليق رحلاتها إلى الجزيرة. وفي 16 مارس، انهارت الشبكة الكهربائية الكوبية انهياراً كاملاً، وهو اليوم نفسه الذي اختار فيه ترامب التصعيد لفظياً، إذ قال إنه يستطيع "فعل ما يشاء" بكوبا واصفاً إياها بأنها "أمة موهنة جداً"، دون أن يصدر تعليق فوري من هافانا.

ما حدث، عملياً، هو إعادة إنتاج لمنطق "الحصار البحري" دون سفن حربية. على عكس أزمة صواريخ 1962، لا يوجد حصار بحري أمريكي رسمي، لكن الأثر العملي مماثل؛ فبعد الهجوم الأمريكي على فنزويلا وحملة الضغط على حكومة المكسيك، انقطع تدفق النفط من حلفاء هافانا المتبقين.

لماذا تختلف لحظة 2026 عن كل الحلقات السابقة

ثلاثة عوامل تجعل التهديد الراهن مختلفاً نوعياً عن بلاغة الرؤساء السابقين:

أولاً: التدخّل أصبح سابقة، لا فرضية. في ولايته الثانية، أمر ترامب بهجمات غير مسبوقة لإزاحة قادة فنزويلا وإيران من السلطة، وبإقراره الشخصي، فإن كوبا هي "التالية" — البلد الذي صمد عقوداً أمام العقوبات الاقتصادية الأمريكية. عندما تتحدث إدارة ترامب عن "كوبا التالية"، فإنها تتحدث من موقع منفّذ، لا متوعّد.

ثانياً: التحضيرات العسكرية تجاوزت الخطاب. يجري التخطيط العسكري لعملية محتملة بقيادة البنتاغون في كوبا بصمت متصاعد، تحسّباً لإصدار ترامب أمراً بالتدخّل. وتتقاطع هذه المعلومة مع تقارير أخرى، إذ يجري التفكير في اختطاف بعض أعضاء القيادة الكوبية في عملية شبيهة بتلك التي أطاحت بمادورو، ضمن النتيجة المفترضة لتحقيق وزارة العدل الواسع في قادة الحكومة الكوبية بشأن جرائم المخدرات والهجرة والاقتصاد والعنف، بهدف توجيه اتهامات سريعة، وفق ما أوردته نيويورك تايمز.

ثالثاً: الإطار القانوني للحصار يتمدّد. يُوسِّع الأمر التنفيذي العقوبات القائمة على كوبا لتشمل قيوداً جديدة بموجب قانون صلاحيات الطوارئ الاقتصادية الدولية، ويفرض عقوبات على الكيانات والأشخاص الذين يدعمون جهاز الأمن في النظام الكوبي، أو المتورطين في فساد حكومي أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أو الذين يعملون كوكلاء أو مسؤولين أو داعمين ماديين للحكومة الكوبية. هذه ليست لغة ضغط، بل لغة تفكيك.

أين تتقاطع المصالح وتبدأ الخلافات داخل واشنطن

من الخطأ التعامل مع إدارة ترامب بوصفها كتلة واحدة في الملف الكوبي. القراءة الميدانية تكشف انقساماً حقيقياً، إذ يقول بول هير، الذي شغل منصب السفير البريطاني في كوبا بين 2001 و2004، إن فصيلاً داخل الإدارة يفضّل الصفقة بينما يصرّ آخر على تغيير شامل للنظام، حيث يسعى الأول إلى مزيد من الوصول للأعمال وعودة الكوبيين الأمريكيين للاستثمار.

في قلب الفصيل الثاني يقف وزير الخارجية ماركو روبيو. روبيو، نجل المهاجرين الكوبيين، كان أكثر صراحةً بشأن الأهداف المحتملة للإدارة في كوبا، إذ شهد أمام الكونغرس في يناير قائلاً إنه يودّ أن يرى النظام يتغيّر، مضيفاً أن ذلك سيكون ذا "فائدة كبيرة" للولايات المتحدة، ثم قال بعد أسابيع إن كوبا يجب أن "تتغير جذرياً".

هذا الانقسام يفسّر التذبذب في الإشارات: تشديدٌ للعقوبات في الثاني من مايو، مع سماحٍ قبل أسابيع بمرور ناقلة روسية لاعتبارات إنسانية وفق ما أشار إليه ترامب بنفسه.

لماذا قد لا تكون كوبا "فنزويلا ثانية"

رغم البلاغة الترامبية الواثقة، تختلف المعادلة الكوبية بنيوياً عن الفنزويلية. يرى الخبراء في شؤون المنطقة أن تهديدات العمل العسكري في كوبا مجرد تبجّح في الوقت الراهن، ويقولون إن الأمر سيتطلب جهداً أكبر بكثير مما تطلّبه في فنزويلا.

ثلاث عقبات استراتيجية تواجه أي تدخّل:

  • الكلفة العسكرية والسياسية: حتى مع انشغال إدارة ترامب بـحرب غير شعبية ومكلفة وفتّاكة في إيران، يبدو أنها تُصعّد الاستعدادات لعمل عسكري في كوبا بعد أسابيع من الهدوء النسبي بين البلدين. الجبهة الإيرانية لم تُغلق، والاستنزاف يحدّ من هامش المغامرة.
  • المعادلة الإقليمية: التدخل الفنزويلي قوبل بإدانة لاتينية واسعة. جاءت تصريحات ترامب وسط احتجاج متصاعد على اختطاف مادورو، إذ أدانت البرازيل وتشيلي وكولومبيا والمكسيك والأوروغواي وإسبانيا الفعل الأمريكي بوصفه سابقة خطيرة على السلام والأمن الإقليمي.
  • العامل الروسي–الصيني: أعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن موسكو ستواصل دعم كوبا، مؤكداً أن الصين ستواصل المشاركة في هذا التعاون أيضاً. الحضور الروسي الرمزي عبر ناقلة نفط في 30 مارس كان رسالة بأن هافانا ليست معزولة كلياً.

كلفة الضغط على المدنيين: ما لا تقوله البيانات الرسمية

أيّ تحليل لهذه الأزمة دون استحضار الكلفة البشرية يكون ناقصاً. الانهيار ليس مفهوماً مجرداً، بل يومياً، إذ يُباع خزان الوقود بأكثر من 300 دولار في السوق السوداء — أكثر مما يكسبه معظم الكوبيين في عام، وأصبح منظر الناس يُفتّشون أكوام القمامة بحثاً عن الطعام مألوفاً، وأحياناً يكون المُفتّشون أطفالاً.

يأتي التهديد وسط انقطاع كامل للتيار الكهربائي على الجزيرة، إذ أعلنت "الاتحاد الوطني للكهرباء" (UNE) أن "الإطفاء التام للشبكة الوطنية" ترك الأمة البالغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة بلا كهرباء. ومع ذلك، يبقى الموقف الكوبي الرسمي متشدداً، إذ أكد الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل في مقابلة حديثة مع NBC أن الكوبيين سيكونون مستعدين للقتال في حال أي تدخل عسكري، مع دعوته في الوقت ذاته إلى الحوار لتجنّب الصراع.

السيناريوهات الثلاثة: من الصفقة إلى الاختطاف

السيناريو الأرجح — "خنق ناعم" بلا تدخّل مباشر: تستمر إدارة ترامب في تشديد العقوبات وتوسيع نطاقها، مع إبقاء التهديد العسكري ورقة ضغط دون تنفيذ. تتطلع إدارة ترامب إلى مغادرة الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل السلطة فيما تواصل واشنطن التفاوض مع الحكومة الكوبية حول مستقبل الجزيرة، وفق ما أوردته أسوشيتد برس نقلاً عن مسؤول أمريكي ومصدر مطلع. الهدف: انهيار داخلي لا اجتياح خارجي.

السيناريو الأخطر — عملية "اختطاف هدفي": استنساخ نموذج كاراكاس بحجم أصغر، عبر استهداف عناصر بعينها من القيادة الكوبية بناءً على لوائح اتهام أمريكية، دون حملة برية شاملة. هذا السيناريو هو الأقل كلفةً عسكرياً والأعلى كلفةً إقليمياً، إذ سيُرسّخ "سابقة الاختطاف" بوصفها أداة سياسة خارجية أمريكية معتمدة في نصف الكرة الغربي.

السيناريو البديل — صفقة تفاوضية محدودة: يميل الفصيل البراجماتي داخل الإدارة إلى تسوية تفتح الجزيرة للاستثمار الكوبي–الأمريكي مقابل إصلاحات اقتصادية، دون اشتراط تغيير شامل للنظام. وقد دعا ترامب كوبا إلى "عقد صفقة قبل فوات الأوان" دون تحديد شروط، وقال في الأول من فبراير إن الولايات المتحدة تتفاوض مع "أعلى المستويات في كوبا"، رغم أن "Drop Site News" أفادت بعدم وجود مفاوضات رفيعة المستوى. هذا التناقض في الرواية يُضعف ترجيح هذا المسار قصير المدى.

ماذا يعني هذا للقارئ خارج هافانا وواشنطن؟

البُعد الذي نتجاهله كثير من التحليلات هو أن هذه الأزمة ليست محلية. أي عملية أمريكية ضد كوبا — حتى لو كانت "اختطافاً انتقائياً" — ستضع الدول العربية والمنخرطة في علاقات مع أمريكا اللاتينية أمام معضلة موقف، وستُعيد تشكيل قواعد اللعبة في ملفات أخرى: من اليمن إلى السودان إلى قضية تجميد الأصول السيادية.

الأهم: المبدأ الذي يُختبر الآن في الكاريبي — وهو أحقية واشنطن في إسقاط حكومة عبر اقتصاد العقوبات ثم تكميل المهمة بعملية موضعية — هو مبدأ قابل للتصدير. ووفقاً لنيويورك تايمز، يُعدّ ما يجري أول حصار فعّال للولايات المتحدة على كوبا منذ أزمة الصواريخ. وفي عالمٍ صار فيه استخدام النظام المالي الدولي سلاحاً، فإن ما يحدث لكوبا ليس استثناءً بقدر ما هو نموذج.

ليس الغزو هو الخبر… بل ما بعده

التهديد بـ"غزو كوبا" ليس الخبر الحقيقي. الخبر الحقيقي أن واشنطن، بعد كاراكاس وطهران، باتت تمتلك ثقة استراتيجية — قد تكون مفرطة — بأن باستطاعتها هندسة سقوط الأنظمة عبر مزيج من الحصار الموضعي والعملية الجراحية. السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس "هل سيغزو ترامب كوبا؟"، بل: ما هي الحدود التي تبقى أمام هذا النموذج، ومن سيرسم تلك الحدود — قانون دولي مُنهَك، أم خصم استراتيجي قادر على رفع الكلفة؟

إجابة هذا السؤال لن تتحدد في هافانا. ستتحدد في موسكو وبكين وبرازيليا، وفي قدرة الكونغرس الأمريكي ذاته على لجم سلطة تنفيذية وسّعت تعريف "الطوارئ الوطنية" إلى أبعد مما تخيّله مُشرّعو 1977.

المصادر

الوسوم

تهديد ترامب لكوبا | الحصار الأمريكي على كوبا | عقوبات كوبا 2026 | غزو كوبا المحتمل | أزمة كوبا والنفط الفنزويلي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد