مصر تدعم الكهرباء بـ100 مليار جنيه.. فكيف تضخّمت ديونها إلى 495 مليار؟

-- دقائق
اقتصاد

زيادة 12% تلامس معظم الأسر المصرية، في وقت رفع هجوم بطائرة مسيّرة على عوّامة غاز عائمة تكلفة إنتاج الكهرباء 46% خلال عامين

مصر تدعم الكهرباء بـ100 مليار جنيه.. فكيف تضخّمت ديونها إلى 495 مليار؟

خطوط نقل الطاقة الكهربائية ذات الجهد العالي على مشارف القاهرة (رويترز)

حين يعيد موظف إداري في جهة حكومية مصرية ترتيب أولويات ميزانية أسرته بسبب فاتورة كهرباء، فإن القصة لا تتعلق برقم إحصائي عابر، بل بأزمة طاقة عالمية تسللت إلى مطبخ كل بيت. رفعت مصر، الجمعة الماضية، أسعار الكهرباء للاستخدامات المنزلية بمتوسط 12% لجميع الشرائح باستثناء الشريحة الأولى (0-50 كيلوواط/ساعة شهرياً)، التي حافظت الحكومة على تثبيت سعرها لاعتبارات اجتماعية تخص نحو 14 مليون مواطن.

لكن الزيادة، التي تبدو في ظاهرها إجراءً تعريفياً روتينياً، تُخفي وراءها معادلة أعقد بكثير: فجوة تمويلية تتضخم أسرع من قدرة أي تحريك سعري تدريجي على سدها، في ظل حرب إقليمية أعادت رسم خريطة تكاليف الطاقة بالكامل.

12% متوسط الزيادة الجديدة على شرائح الاستهلاك المنزلي
495 مليار جنيه ديون وزارة الكهرباء لوزارة البترول (يوليو 2026)
3.25 جنيه تكلفة إنتاج الكيلوواط/ساعة — بزيادة 46% منذ 2024
100 مليار جنيه دعم حكومي سنوي مستمر للقطاع

من صيف حار إلى فاتورة أثقل

ليست هذه الزيادة الأولى، ولن تكون الأخيرة على الأرجح. فوفق وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، الذي تحدث لـ"الشرق بلومبيرج"، تُعد الزيادة الجديدة أول تحريك فعلي لشرائح الكهرباء المنزلية منذ عامين، مع استمرار الدولة في تحمّل الفارق بين التكلفة الفعلية للإنتاج وسعر البيع للمستهلكين بأكثر من 100 مليار جنيه سنوياً. وتزامن القرار مع رفع مخصصات دعم الكهرباء في موازنة العام المالي 2026-2027 بنسبة 33%، من 75 مليار جنيه إلى 100 مليار جنيه.

  • أغسطس 2024

    آخر زيادة شاملة لكل الشرائح

    تراوحت نسبتها بين 14% و40% على مختلف شرائح الاستهلاك المنزلي.

  • أبريل 2026

    تحريك انتقائي وسط تصاعد التوترات الإقليمية

    تثبيت الشرائح الست الأولى، ورفع الشريحة السابعة 16%-28%، والقطاع التجاري 20%-91%.

  • أغسطس 2026

    زيادة شاملة بمتوسط 12%

    تشمل جميع الشرائح المنزلية عدا الأولى، مع استمرار تثبيت العدادات الكودية المخالفة.

عوّامة غاز تحت النار.. حين تتحول الجغرافيا العسكرية إلى فاتورة كهرباء

ما لا يظهر في بيانات الوزارة الرسمية، لكنه يفسّر جزءاً جوهرياً من توقيت القرار، هو أن الزيادة الأخيرة جاءت في أعقاب هجوم بطائرة مسيّرة تسبب في أضرار بإحدى وحدات التخزين وإعادة التغويز العائمة الأربع (FSRU) التي تعتمد عليها مصر لاستيراد الغاز المسال. دفع هذا الهجوم الحكومة إلى التحول نحو استخدام زيت الوقود الأغلى ثمناً، في وقت بلغ فيه الطلب على الكهرباء ذروته الصيفية عند نحو 37 إلى 39 غيغاواط.

🚨

هجوم مسيّرة

يضرب عوّامة غاز عائمة

تحول قسري للوقود

اعتماد أكبر على زيت الوقود الأغلى

📈

ارتفاع تكلفة الإنتاج

3.25 جنيه لكل كيلوواط/ساعة

🧾

تحريك التعريفة

زيادة 12% على فاتورة المستهلك

يضاف إلى ذلك أن أزمة الطاقة العالمية المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران رفعت أسعار خام برنت إلى نحو 88 دولاراً للبرميل، مقابل 75 دولاراً معتمدة في موازنة الدولة، ما يعني فارقاً يتجاوز 15% يتحمله الاقتصاد المصري مباشرة عبر فاتورة استيراد الطاقة.

ديون بين وزارتين تكبر شهراً بعد شهر

ارتفعت مديونيات وزارة الكهرباء المستحقة لوزارة البترول إلى نحو 495 مليار جنيه بنهاية يوليو 2026، مقارنة بـ480 مليار جنيه في نهاية يونيو، بحسب مسؤول حكومي. والسبب في هذا الاتساع المستمر بسيط رياضياً: تسحب وزارة الكهرباء وقوداً بقيمة تقارب 24 مليار جنيه شهرياً لتشغيل محطات التوليد، بينما لا تسدد لوزارة البترول في المتوسط سوى نحو 12 مليار جنيه شهرياً فقط — أي نصف ما تستهلكه فقط.

نسب الزيادة في تعريفات الكهرباء حسب القطاع والتاريخ (2026)

نسب تقريبية لمنتصف المدى المعلن (التجاري تراوح بين 20% و91%، والسابعة بين 16% و28%) — المصدر: وزارة الكهرباء المصرية، الشرق بلومبيرج

من يتحمل الفرق؟ خريطة الدعم بحسب الاستهلاك

الحكومة تكرر أن الدعم مستمر، وهذا صحيح رقمياً، لكنه دعم متدرّج يتقلص كل ما ارتفع استهلاك الأسرة. فبحسب بيان وزارة الكهرباء، يدفع المستهلك عند 50 كيلوواط/ساعة شهرياً 25% فقط من تكلفة الفاتورة الفعلية، لترتفع مساهمته تدريجياً حتى يتحمل التكلفة كاملة دون أي دعم عند بلوغ الاستهلاك 2000 كيلوواط/ساعة.

الاستهلاك الشهري (كيلوواط/ساعة) نسبة ما يدفعه المستهلك من التكلفة الفعلية
5025%
300~50%
500 - 600~60%
700 - 100088%
2000100% (دون دعم)
"أنا مش بفكر أوفّر كهربا.. أنا بفكر أعّدي الشهر من غير ما أستلف." — أم محمد، أرملة تعول ثلاثة أبناء وتعتمد على عداد كهرباء بنظام الشرائح

هل التوقيت صحيح؟ جدل لم يُحسم

يرى خبراء اقتصاديون أن أزمة الطاقة هي المحرك الحقيقي وراء الزيادة، لا مجرد قرار إداري. فمتوسط تكلفة استيراد مليون وحدة حرارية بريطانية من الغاز الطبيعي (BTU) ارتفع إلى نحو 10.17 دولار خلال العام الحالي، مقابل 8.61 دولار في العام الماضي، بينما يستهلك قطاع الكهرباء وحده نحو 60% من إجمالي استهلاك مصر اليومي من الغاز، المقدر بنحو 6.5 مليار قدم مكعبة — في وقت تراجع الإنتاج المحلي إلى ما دون 4 مليارات قدم مكعبة يومياً خلال النصف الأول من 2026.

✅ حجج الحكومة

  • تثبيت الشريحة الأولى لحماية نحو 14 مليون مواطن
  • رفع مخصصات الدعم 33% إلى 100 مليار جنيه
  • عدم المساس بتعريفة العدادات الكودية المخالفة

⚠️ نقاط الانتقاد

  • التوقيت يتزامن مع ذروة استهلاك الصيف والتكييف
  • غياب المنافسة يصعّب التحقق من التكلفة الفعلية المعلنة
  • ترقب رفع أسعار البنزين قريباً قد يضاعف الأعباء المعيشية

وترى أستاذة الاقتصاد عالية المهدي أن الأفضل كان تأجيل القرار إلى نوفمبر، بعد انتهاء ذروة الاستهلاك الصيفي، بما كان سيخفف الضغط على الأسر التي تعتمد بصورة أكبر على أجهزة التكييف خلال الصيف.

⚠️

ما القادم؟

تجتمع لجنة تسعير المواد البترولية في سبتمبر المقبل لمناقشة تحريك أسعار الوقود، وسط استمرار ارتفاع خام برنت فوق 88 دولاراً للبرميل. ويرجّح محللون أن يأتي قرار البنزين منفصلاً عن الكهرباء تحديداً لتجنب صدمة تضخمية مزدوجة على الأسر.

سيناريوهات الأشهر المقبلة

السيناريوالشرطالمآل
تحريك أسعار البنزيناجتماع لجنة التسعير في سبتمبرضغط تضخمي إضافي منفصل عن الكهرباء
استمرار ارتفاع الغاز عالمياًبقاء الأسعار فوق 10 دولارات/mmBtuتجدد الضغط على تكلفة إنتاج الكهرباء
تعافي الإنتاج المحلي للغازالعودة لفوق 4 مليارات قدم مكعبة يومياًتخفيف تدريجي لفاتورة الاستيراد والديون

المفارقة الحقيقية في أزمة الكهرباء المصرية ليست في رقم الزيادة 12%، بل في أن كل زيادة تُقرَّر لتضييق الفجوة تجد نفسها متأخرة عن سباق تكلفة إنتاج تتسارع بفعل حرب إقليمية لا تتحكم القاهرة في توقيتها ولا في مدتها. فما دامت عوّامة غاز واحدة قادرة على رفع فاتورة وقود محطة كهرباء بين ليلة وضحاها، فإن السؤال الأهم لم يعد "كم ستزيد الأسعار؟" بل: هل يمكن لأي تحريك تعريفي تدريجي أن يلاحق فعلاً تكلفة طاقة تُصنع في ساحات حروب بعيدة؟

المصادر:

  1. الشرق بلومبيرج — لماذا لجأت مصر إلى رفع أسعار الكهرباء؟ (2 أغسطس 2026)
  2. الجزيرة نت (عن رويترز) — مصر ترفع شرائح الاستخدامات المنزلية الأعلى للكهرباء بـ12% (1 أغسطس 2026)
  3. موقع الطاقة (attaqa.net) — رفع أسعار الكهرباء في مصر 12% للمنازل (1 أغسطس 2026)

الوسوم

أسعار الكهرباء مصر | ديون وزارة الكهرباء | زيادة التعريفة 2026 | أزمة الطاقة المصرية | دعم الكهرباء

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

تجديد بطاقة الرقم القومي من بيتك: دليل شامل للخطوات والتكاليف

رويترز: الديزل الروسي يتجه إلى السعودية لإعادة تصديره

وظائف الوسيط الجمعة 7-8-2026 لكل المؤهلات والتخصصات بمصر والخارج