بعد "الهزيمة العسكرية" المُعلَنة.. هل يصمد الملف النووي الإيراني أمام منطق الانتصار الأمريكي؟
ترامب يُعلن النصر ويرفع السقف التفاوضي، وطهران تراهن على فصل هرمز عن اليورانيوم — لكن واشنطن لا تفصل
"هزمناهم عسكرياً" — تصريح يحمل أكثر من معنى
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال مأدبة عشاء في البيت الأبيض حضرها الملك تشارلز الثالث، إن الولايات المتحدة "هزمت ذلك العدو" في إشارة إلى إيران، مؤكداً أن أمريكا لن تتركها تحصل على سلاح نووي. Masrawy
التوقيت ليس بريئاً. ترامب لم يُطلق هذا التصريح من على منصة عسكرية أو في خضم المعارك، بل في حضرة رمز الدبلوماسية الغربية — ملك بريطانيا. الرسالة مزدوجة: داخلياً هي تثبيت لصورة المنتصر، وخارجياً هي رفع لسقف المطالب التفاوضية في لحظة تبدو فيها طهران في موضع ضعف.
لكن الهزيمة العسكرية شيء، والحسم النووي شيء آخر تماماً.
من المعركة إلى طاولة التفاوض — جمود بطعم الانتصار
أكد ترامب أن القوات الإيرانية المسلحة هُزمت بالكامل، وأن بحريتها وسلاحها الجوي دُمرا تماماً، مضيفاً أن ما تبقى من البحرية الإيرانية لا يعدو "بعض الزوارق الصغيرة". Masrawy هذا الواقع العسكري كان يفترض أن يُسرّع المفاوضات، لكن ما يجري على أرض الدبلوماسية يقول عكس ذلك.
قضية تخصيب اليورانيوم لا تزال تشكّل العقبة الأساسية في المفاوضات، إذ رفض ترامب عرضاً إيرانياً بتعليق التخصيب خمس سنوات لأنه يتمسك بتجميده لفترة لا تقل عن عشرين عاماً، فيما لم تغلق طهران باب التفاوض حول مستوى ونوع التخصيب لكنها ترفض التخلي الكامل عنه. Al Jazeera
الفجوة بين "عشرين عاماً" و"خمس سنوات" ليست مجرد رقمية — إنها تعكس فارق الرؤية الاستراتيجية الكامل.
مناورة هرمز — ورقة طهران الأخيرة
في مواجهة الجمود، اختارت إيران تحريك ورقة جغرافية.
كشفت مصادر أن وزير الخارجية الإيراني عراقجي طرح خلال اجتماعاته مع وسطاء من باكستان ومصر وتركيا وقطر فكرة تجاوز الخلاف حول الملف النووي في المرحلة الحالية، مشيراً إلى غياب توافق داخل القيادة الإيرانية بشأن كيفية الاستجابة للمطالب الأمريكية، التي تشمل تعليق تخصيب اليورانيوم وإخراج المخزون المخصب من البلاد. EuroNews
المنطق الإيراني في هذا المقترح واضح: يقوم المقترح الجديد على فصل الملفات — إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز أولاً، وتأجيل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة. Ajnet بمعنى: تحييد ورقة الضغط الاقتصادي الفوري مقابل شراء الوقت على الجبهة النووية.
غير أن واشنطن ترى في هذا الفصل خطورة استراتيجية بالغة.
لماذا يرفض ترامب فصل الملفين؟
يرى مراقبون أن إنهاء الحرب ورفع القيود عن صادرات النفط الإيرانية قد يُقلصان من أوراق الضغط التي تسعى واشنطن لاستخدامها في أي مفاوضات مستقبلية، خصوصاً فيما يتعلق بإجبار طهران على تقليص مخزونها من اليورانيوم المخصب وتعليق أنشطة التخصيب. Alwatanpress
وفي سياق متصل، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال أن ترامب أصدر تعليماته لمساعديه بالاستعداد لحصار طويل على إيران، مستنتجاً أن استئناف القصف أو الانسحاب ينطوي على مخاطر تفوق الإبقاء على الحصار. Masrawy
إذن الخيار الأمريكي بات حصاراً مطولاً لا معركة مفتوحة — استنزاف اقتصادي منهجي حتى تتشقق القيادة الإيرانية من الداخل.
القنبلة النووية — السباق مع الزمن
ما يمنح هذا الصراع الدبلوماسي أبعاداً وجودية هو حجم المخزون النووي الإيراني المتراكم.
أفاد معهد العلوم والأمن الدولي بأن إيران قادرة على تخصيب ما يكفي من اليورانيوم لصنع قنبلة نووية واحدة في أسبوع واحد فقط، وتجميع ما يكفي لصنع سبع قنابل في غضون شهر. وصرّح مسؤولون إيرانيون بأن البلاد تمتلك القدرة التقنية على تطوير أسلحة نووية، مع إشارة إلى أن الفتوى الدينية الحالية التي تحرمها قد تتغير. Wikipedia
هذا الرقم يفسر لماذا يتمسك ترامب بعشرين عاماً وليس خمساً. فترة خمس سنوات تمنح إيران إمكانية العودة الفورية إلى العتبة النووية فور انتهاء أي اتفاق.
من يربح من الوقت؟
قالت سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينجز والخبيرة في الشؤون الإيرانية، إن إيران "غير قابلة للتغيير على الإطلاق بشأن مسألة تخصيب الوقود النووي"، مضيفةً أنها مستعدة لقبول تنازلات في الجداول الزمنية ومستوى التخصيب، لكنها لن تتخلى عن التخصيب ببساطة. Smanews
هنا تقاطع مصالح متناقض: إيران تريد الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية وإعادة تشغيل اقتصادها، وأمريكا تريد الوقت لتعميق الاستنزاف حتى تقبل طهران شروط الإذعان. كلاهما يراهن على أن الطرف الآخر سيتفكك أولاً.
السيناريوهات الثلاثة — والأخطرها تجاهله
السيناريو الأرجح: يستمر الحصار الأمريكي مع مفاوضات هشة عبر وسطاء، دون اختراق حقيقي لأشهر مقبلة. إيران تقدم تنازلات جزئية في الشكل دون المساس بجوهر التخصيب، وواشنطن تبقى على موقفها العشريني.
السيناريو الأخطر — وإن كان يُتجنب الحديث عنه: انتهاء وقف إطلاق النار دون اتفاق يعيد الأطراف إلى خيار عسكري في ظل قدرات إيرانية أقل لكنها غير معدومة. ترامب أكد أن الولايات المتحدة ستنهي الحرب مع إيران عسكرياً إذا لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق، مشدداً على أن بلاده تمتلك سيطرة كاملة على مضيق هرمز. Emaratalyoum
السيناريو البديل — الأقل احتمالاً والأكثر أهمية: تنجح إيران في فصل ملف هرمز عن النووي، وتقبل واشنطن صفقة مرحلية تحت ضغط أسواق النفط والحلفاء الأوروبيين — مما يمنح طهران نفس استراحياً تستثمره في تعزيز موقفها التفاوضي على الملف النووي لاحقاً.
ما الذي يعنيه كل هذا لمنطقتنا؟
حذّر ترامب صراحةً من أنه إذا لم يُتوصل إلى اتفاق، فلن تتبقى لإيران "محطات طاقة أو جسور"، في إشارة إلى استمرار ضربات تستهدف البنية التحتية. Voiceofemirates هذا السيناريو إذا تحقق يعني اضطراباً في أسواق النفط الخليجية، وتداعيات على سلاسل الإمداد العابرة لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
دول الخليج المُصدِّرة للنفط تجد نفسها في موقف مركّب: انتصار أمريكي يوقف التمدد الإيراني يخدم أمنها، لكن أسعار النفط المرتفعة جراء إغلاق هرمز تملأ خزائنها. التقاطع بين الأمن والاقتصاد نادراً ما يكون هذا المباشر.
الرهان الحقيقي ليس على النووي — بل على الهوية
تصريح ترامب "هزمناهم عسكرياً" يكشف عن معادلة أعمق: المفاوضات الحالية ليست فقط عن اليورانيوم، بل عن السؤال الوجودي لإيران ما بعد الهزيمة — هل تقبل إيران الجديدة، بقيادتها الصراعية وفق تعبير ترامب، أن تُعرَّف دولياً من خلال ما لا تملكه لا مما تمتلكه؟
جوهر الخلاف ليس عشرين عاماً مقابل خمس. بل هو: هل يحق لإيران أن تبقى دولة ذات "قدرة نووية كامنة"، أم يجب إرجاعها إلى ما قبل العتبة النووية بلا رجعة؟ واشنطن تريد الثانية. طهران لن تقبل بها — مهما بلغت الهزيمة العسكرية.
هذا التناقض هو الذي سيحدد شكل الشرق الأوسط في السنوات القادمة، لا نتيجة جولة التفاوض المقبلة في إسلام آباد.
المصادر:
-
الجزيرة نت — عقدة تخصيب اليورانيوم في المفاوضات الأمريكية الإيرانية
-
يورونيوز عربي — المقترح الإيراني الجديد: هرمز أولاً والنووي لاحقاً
الوسوم
البرنامج النووي الإيراني | مفاوضات أمريكا وإيران | مضيق هرمز | تخصيب اليورانيوم | ترامب وإيران

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار