مليارات إيران المجمدة بين روايتين: ترامب يريدها حكراً على منتجاته وطهران ترفض الإملاء

-- دقائق
جيوسياسة واقتصاد

خلاف علني ينفجر فور انتهاء محادثات بورجنشتوك — واشنطن تصر على حصر الإنفاق في السلع الأمريكية وطهران تؤكد أن النص لا يُلزمها بذلك

مليارات إيران المجمدة بين روايتين: ترامب يريدها حكراً على منتجاته وطهران ترفض الإملاءترامب في المكتب البيضاوي يوم الاثنين 22 يونيو 2026، حين أعلن أن الأموال الإيرانية المفرج عنها ستُنفَق حصراً على المنتجات الأمريكية 

لم تجفّ حبرُ مذكرة تفاهم إسلام آباد حتى انفجر أول تناقض جوهري بين واشنطن وطهران في العلن. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الاثنين الماضي أن الأموال الإيرانية المجمدة التي سيُفرَج عنها ستُستخدم حصراً لشراء مواد غذائية من المزارعين الأمريكيين، في حين ردّت طهران في اليوم ذاته على لسان محافظ بنكها المركزي عبد الناصر همتي بأن النص الموقع لا يتضمن أي إلزام بشراء المدخلات الزراعية من الولايات المتحدة تحديداً.

هذا الخلاف ليس خلافاً على التفاصيل — بل هو صراع روايات حول جوهر ما اتُّفق عليه في محادثات بورجنشتوك (Bürgenstock) السويسرية. وفي خلفيته نحو 100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة حول العالم، 12 مليار منها أُعلن قاليباف أن الاتفاق ينص على الإفراج عنها فوراً.

ما قاله ترامب وما ردّت به طهران

موقف واشنطن — ترامب

حكر أمريكي

الأموال المفرج عنها تُنفَق على الغذاء من المزارعين الأمريكيين — لا يجوز لإيران إعادة بناء جيشها بعائدات النفط

مقابل

موقف طهران — همتي

لا إلزام

المذكرات الموقعة لا تُلزم بشراء المدخلات الزراعية من أمريكا — إذا كانت الأسعار تنافسية فلا مانع، لكنه ليس شرطاً

الموقف الإيراني أكثر دقةً من مجرد الرفض. أوضح همتي أن الدفعة الأولى البالغة 6 مليارات دولار — التي كانت مجمدة في بنوك قطر منذ صفقة تبادل السجناء عام 2023 — تخضع لبنود ذلك الاتفاق القديم الذي يحصر الإنفاق في السلع الأساسية والأدوية. أما باقي الأموال المجمدة، ومنها دفعة ثانية من 6 مليارات وما وراءها، فيمكن توظيفها في شراء سلع غير خاضعة للعقوبات من أي مصدر. وأضاف المحافظ أن إيران تحتاج سنوياً إلى بضعة مليارات لاستيراد الغذاء والدواء، وأن مصدر التمويل لا يؤثر على وجهة الإنفاق — فإذا جاء من الأموال المجمدة أُعيد تعويضه من عائدات النفط.

"لا يوجد بموجب المذكرات الموقعة أي إلزام لشراء مدخلات زراعية من أمريكا. إذا كانت أسعار المنتجات الأمريكية وجودتها أفضل فلا يوجد ما يمنع شراءها — لكن لا اعتبارات سياسية في الأمر." — عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي الإيراني، 23 يونيو 2026 (وكالة تسنيم)

خريطة الأموال المجمدة: أرقام ومسارات

الأموال الإيرانية المجمدة — الدفعات المتفق على الإفراج عنها (مليار دولار)

المصادر: قاليباف، همتي، يورونيوز، الجزيرة نت — يونيو 2026

الأرقام تكشف حجم المعركة الحقيقية. من مجموع يُقدَّر بنحو 100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج — موزعة بين بنوك في الصين والعراق والهند وقطر وغيرها — جرى التفاوض حتى الآن على 12 مليار فقط. وقد رصدت صحيفة فايننشيال تايمز (Financial Times) أن الدفع سيكون تدريجياً خلال فترة وقف إطلاق النار البالغة 60 يوماً، مرتبطاً بمستوى التقدم في ملف مضيق هرمز ومسار المفاوضات النووية. بمعنى آخر: الأموال ورقة ضغط تُوزَّع بالقطارة لا منحة مفتوحة.

مذكرة إسلام آباد: ما تضمنته وما بقي غامضاً

  • 14 يونيو 2026

    الإعلان عن التفاهم من 14 بنداً

    أعلنت واشنطن وطهران التوصل إلى اتفاق من 14 بنداً بوساطة باكستانية وقطرية، يوقفُ المواجهة العسكرية ويفتح مسار مفاوضات لمدة 60 يوماً.

  • 18 يونيو 2026

    التوقيع الإلكتروني — ترامب وبزشكيان وقاليباف

    وقّع الاتفاق رقمياً كل من ترامب وفانس من الجانب الأمريكي، وبزشكيان وقاليباف من الجانب الإيراني، ليدخل حيز التنفيذ فورياً بخمسة بنود.

  • 19 يونيو 2026

    منتجع بورجنشتوك — انطلاق المحادثات الفنية

    اجتمع فانس وكوشنر وويتكوف مع قاليباف وعراقجي في المنتجع السويسري لبحث آليات تنفيذ المذكرة، خاصة ملف هرمز والملف النووي.

  • 22 يونيو 2026

    انتهاء المحادثات وسط خلاف حول الأموال

    أعلنت الخارجية الإيرانية اختتام جولة سويسرا وسط تضارب صريح في الروايتين حول شروط إنفاق الأموال المجمدة. الطرفان أكدا مواصلة المحادثات الفنية خلال الأيام المقبلة.

ما نشرته CNN وأكدت الإدارتان الأمريكية والإيرانية مضمونَه — وإن اختلفتا في التفاصيل — يتمحور حول ثلاثة محاور: وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، والالتزام الإيراني بعدم إنتاج سلاح نووي. لكن البنود المتعلقة بالأموال والعقوبات جاءت مبهمة بما يكفي ليقرأ كل طرف منها ما يريد — وهذا بالضبط ما حدث في بورجنشتوك.

ما يفسّر الخلاف: ترامب يريد انتصاراً اقتصادياً لمزارعيه

الموقف الأمريكي ليس مجرد اشتراط دبلوماسي. حين قال ترامب إن الأموال ستذهب إلى "مزارعينا الأمريكيين"، كان يتحدث بلغة قاعدته الانتخابية في الولايات الزراعية. نائبه فانس وصف الاتفاق بأنه "سيُثري الأمريكيين ويُطعم الإيرانيين" في صياغة تقول بوضوح إن واشنطن تنظر إلى الأموال المجمدة كفرصة تجارية للمنتجين الأمريكيين، لا مجرد تسهيل إنساني.

في المقابل، الموقف الإيراني براغماتي بامتياز. طهران تريد استرداد أموالها بأقل قدر من القيود الإضافية. فرق كبير بين أن تُلزَم بالشراء من سوق بعينها وأن تختار حسب السعر والجودة — وهو ما أكد عليه همتي حين قال إن مشتريات وزارة الجهاد الزراعي في السنوات الأخيرة تمت مع شركات أمريكية وأوروبية أصلاً عبر وسطاء، أي أن المنافسة لم تكن مشكلة، لكن الإلزام القانوني مسألة مختلفة تماساً تمس السيادة الاقتصادية.

خارطة طريق الـ60 يوماً — ما يعلو على خلاف الأموال

الملف الوضع الراهن الشرط الإيراني للمضي قُدُماً
مضيق هرمز مفتوح جزئياً — ناقلات أسمدة تعبر باتجاه الهند تنفيذ البنود 1 و4 و5 من المذكرة
لبنان ووقف إطلاق النار جارٍ — طهران طلبت ضمانات قبل سويسرا تنفيذ البندين 10 و11
الملف النووي محادثات فنية مقررة — تفتيش على المنشآت قيد النقاش رفعُ العقوبات أولاً ثم التفاوض
الأموال المجمدة 12 مليار متفق عليها — تدريجي خلال الـ60 يوماً رفض الاحتكار على البضائع الأمريكية

رخصة النفط: ورقة الضغط الأمريكية الأكثر وضوحاً

بالتوازي مع خلاف الأموال، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إصدار ترخيص عام مؤقت يُتيح إنتاج وبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية حتى 21 أغسطس المقبل. وأكد رئيس البرلمان قاليباف رفع العقوبات على بيع النفط والبتروكيماويات بصورة مؤقتة إلى حين التوصل لاتفاق نهائي.

هذا الترخيص المحدود زمنياً هو في جوهره رسالة ضغط لا هدية. واشنطن تقول لطهران: الأبواب مفتوحة طالما المفاوضات تتقدم — وستُغلق إذا توقفت. وترامب نفسه لم يتردد في توجيه التحذير الصريح: "سأقوم بما يجب القيام به إذا أساءت إيران التصرف".

الخلاف حول الأموال المجمدة ليس أزمة تُهدد الاتفاق بقدر ما هو مؤشر على طبيعته الحقيقية: مذكرة تفاهم تركت مساحات مقصودة للغموض كي يوقّعها الطرفان، ثم عادا لملء كل منهما هذا الغموض بما يخدم خطابه الداخلي. ترامب يحتاج انتصاراً اقتصادياً أمام مزارعيه، وطهران تحتاج إثبات أن استعادة الأموال لم تُكلفها سيادتها الاقتصادية. المشكلة أن كليهما على حق في روايته — وهذا بالضبط ما يجعل الـ60 يوماً القادمة أصعب مما تبدو عليه اليوم.

المصادر:

  1. الجزيرة نت — ترامب: الأموال الإيرانية المفرج عنها ستشترى بها سلع زراعية أمريكية (22 يونيو 2026)
  2. عكاظ — محادثات سويسرا تنتهي بغموض وخلاف حول المليارات المجمدة (23 يونيو 2026)
  3. يورونيوز — 6 مليارات دولار على الطاولة: خطة أمريكية قطرية لإتاحة أموال إيران المجمدة (20 يونيو 2026)
  4. مونت كارلو الدولية — واشنطن ستفرج عن 6 مليارات بشرط شراء بضائع أمريكية (19 يونيو 2026)
  5. CNN عربي — أمريكا تنشر الاتفاق الرسمي مع إيران: النص الكامل من 14 بنداً (17 يونيو 2026)

الوسوم

أموال إيران المجمدة | ترامب إيران اتفاق | مذكرة إسلام آباد | بورجنشتوك سويسرا | همتي البنك المركزي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

من فتح الأبواب المالية إلى "سور عظيم" جديد: لماذا تُغلق بكين على نفسها ما فتحته قبل أشهر؟

حرب إيران تُربك خريطة النمو العالمي: صندوق النقد يُعيد رسم أرقام 2026 من القاهرة إلى أبوجا

حين يُحرج الحليف حليفه علناً: ماذا يكشف وصف ترامب لنتنياهو بـ"غير العقلاني" عن ميزان القوى الجديد بين واشنطن وتل أبيب؟