الركود التضخمي يطرق أبواب الاقتصاد العالمي مجدداً: لماذا يخشاه صنّاع القرار هذه المرة؟

-- دقائق
صدمة هرمز تُعيد إنتاج كوابيس السبعينيات.. لكن بأدوات نقدية أضعف وديون أثقل
الركود التضخمي يطرق أبواب الاقتصاد العالمي مجدداً: لماذا يخشاه صنّاع القرار هذه المرة؟
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز وسط أجواء مشحونة.. ممرٌّ مائي ضيّق يتحكم في إيقاع الاقتصاد العالمي ويُعيد رسم خرائط التضخم والنمو

حين يحذّر الرئيس التنفيذي لأكبر بنك أميركي من أن "أسوأ السيناريوهات ما زالت مطروحة"، فإن المسألة تتجاوز نوبة قلق عابرة في الأسواق إلى إعادة قراءة جدية لخريطة المخاطر العالمية. فمع دخول حرب إيران شهرها الثالث وإغلاق مضيق هرمز، عاد مصطلح "الركود التضخمي" ليتصدّر تقارير المؤسسات المالية الكبرى، حاملاً معه سؤالاً جوهرياً: هل يملك العالم اليوم ما يكفي من الأدوات لتفادي تكرار سيناريو السبعينيات؟

حين يلتقي شُحّ النفط بضعف النمو في معادلة واحدة

الركود التضخمي ليس مجرد ركود عابر، بل مزيج خبيث يجمع نقيضين اقتصاديين: تباطؤ النشاط مع ارتفاع الأسعار في الوقت ذاته. ومع استمرار إغلاق هرمز، تتزايد التحذيرات من عودة شبح الركود التضخمي إلى الاقتصاد العالمي، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو وازدياد الضغوط على المستهلكين والبنوك المركزية، وفق تحليلات مؤسسات مالية دولية تُشير إلى أن العالم يواجه مزيجاً معقداً يخشاه صناع القرار منذ أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي.

الفارق الجوهري بين أزمة اليوم وما سبقها أن البنوك المركزية تدخل المعركة وهي مُنهَكة بالفعل من جولات رفع الفائدة السابقة، فيما تتجاوز الديون السيادية في الاقتصادات الكبرى مستويات قياسية. أي صدمة طاقة جديدة تعني عملياً اختياراً قاسياً بين كبح التضخم أو إنقاذ النمو.

أوروبا في خط النار الأول.. والأرقام تتحدث

البيانات الأخيرة تكشف هشاشة الكتلة الأوروبية أمام صدمة الطاقة الراهنة. فقد رفع معهد "آي إم كي" IMK الألماني نسبة احتمال دخول الاقتصاد الألماني في ركود خلال الربع الثاني من 2026 إلى نحو 33.5%، بعد أن كانت 11.6% فقط في مطلع مارس[[1]]، وهو ارتفاع حاد يعكس تحوّلاً نوعياً في تقييم المخاطر داخل أكبر اقتصاد أوروبي.

📊 قفزة احتمال الركود في ألمانيا قبل وبعد حرب إيران

11.6%
20.3%
28.0%
33.5%
مارس 2026
(قبل الحرب)
فبراير 2026
يناير 2026
أبريل 2026
(بعد هرمز)

المصدر: مؤشر IMK الألماني للظروف الاقتصادية – مؤسسة Hans-Böckler

كما حذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار اضطرابات هرمز لشهر إضافي قد يدفع منطقة اليورو إلى "ركود تقني"، وهو مصطلح يشير عادة إلى تسجيل الاقتصاد انكماشاً لربعين متتاليين. صندوق النقد الدولي خفض توقعات النمو في منطقة اليورو إلى 1.1% في 2026 من 1.4% في 2025[[2]]، فيما امتصت ألمانيا الضربة الأكبر بخفض توقعات نموها لعامي 2026 و2027 بمقدار 0.3 نقطة مئوية لكل عام[[3]].

لماذا تبدو واشنطن أقل قلقاً من بروكسل وبرلين؟

رغم أن الولايات المتحدة تواجه ضغوطاً تضخمية متزايدة، فإن تأثير صدمة الطاقة على النمو يبدو أقل مقارنة بأوروبا، بسبب انخفاض اعتمادها على واردات النفط عبر مضيق هرمز. ثورة النفط الصخري التي استثمرت فيها واشنطن طوال العقد الماضي تتحوّل اليوم إلى وسادة استراتيجية، تمنح الإدارة الأميركية هامش مناورة لا يتوفر لشركائها الأوروبيين.

لكن المخاوف لا تزال قائمة، خاصة مع توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن يصل التضخم العام في الولايات المتحدة إلى 4.2% في 2026، أي أعلى بـ 1.2 نقطة مئوية من التوقعات السابقة[[4]]. والرئيس التنفيذي لبنك "جيه بي مورغان" جيمي ديمون لخّص المشهد بتأكيده أن أسوأ سيناريوهات الركود التضخمي ما زالت مطروحة.

آسيا.. الحلقة الأضعف رغم أنها الأبعد عن النار

المفارقة أن القارة الأبعد جغرافياً عن مسرح العمليات هي الأكثر هشاشة اقتصادياً. فآسيا تتحمل العبء الأكبر بسبب اعتمادها الواسع على النفط والغاز الخليجيين، إذ تستحوذ عادة على نحو 80% من صادرات النفط الخليجية و90% من شحنات الغاز الطبيعي المسال.

هذه الأرقام تعني أن أي اضطراب في هرمز يضرب مباشرة المصانع الصينية والمصافي اليابانية والكورية والهندية، وينعكس عبر سلاسل الإمداد العالمية إلى أرفف المتاجر في أوروبا وأميركا. العولمة هنا ليست شعاراً، بل قناة عدوى اقتصادية بامتياز.

🌍 خريطة الانكشاف على صدمة هرمز
المنطقة درجة التعرّض المؤشر الأبرز
آسيامرتفعة جداً80% نفط خليجي / 90% غاز مسال
منطقة اليورومرتفعةاحتمال ركود ألماني 33.5%
الولايات المتحدةمتوسطةتضخم متوقع 4.2% في 2026

هل نحن فعلاً أمام تكرار لسيناريو السبعينيات؟

المقارنة مع 1973 مغرية لكنها ناقصة. فقد عادت التحذيرات من الركود التضخمي خلال جائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، إلا أن الاقتصاد العالمي تجنّب حتى الآن الدخول في موجة ركود تضخمي واسعة النطاق مشابهة لما حدث في السبعينيات.

وفي السياق ذاته، قلّل الأمين العام لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ماتياس كورمان، من احتمالات دخول الاقتصاد العالمي في حالة ركود تضخمي بسبب الحرب في إيران، مؤكداً أن سيناريو الركود التضخمي ليس السيناريو الأساسي لدى المنظمة[[5]]، مشيراً إلى أن التضخم الحالي مدفوع أساساً بصدمة عرض محددة في أسعار الطاقة وليس بطلب واسع[[6]]. لكن قراءة "السيناريو الأساسي" لا تعني نفي السيناريوهات البديلة، بل ترجيح أحدها فحسب.

ثلاثة سيناريوهات تحدد ملامح الأشهر المقبلة

السيناريو الأرجح: أزمة طاقة محدودة زمنياً تنتهي بتسوية جزئية في هرمز، مع موجة تضخم ثانية تُجبر البنوك المركزية على تأجيل خفض الفائدة، فينمو العالم ببطء دون انكماش حقيقي.

السيناريو الأخطر: إغلاق هرمز لأكثر من ربع كامل، فتدخل أوروبا في ركود تقني مؤكد، وتتبعها اليابان وكوريا، فيما يضطر الاحتياطي الفدرالي للسير على حبل مشدود بين كبح الأسعار وحماية التوظيف.

السيناريو البديل: اتفاق دبلوماسي مفاجئ يُعيد النفط إلى ما دون 80 دولاراً، فتتحول موجة الذعر الراهنة إلى فرصة شراء تاريخية في الأسهم الأوروبية والآسيوية.

ماذا يعني كل ذلك لجيبك أنت؟

بالنسبة للمستهلك، الترجمة المباشرة هي فاتورة وقود وكهرباء أعلى، وأسعار غذاء تستجيب بسرعة لأي ارتفاع في تكلفة النقل البحري. أما المقترض —سواء كان فرداً يسدّد قرضاً عقارياً أو شركة تموّل توسعاتها— فيواجه احتمال بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول مما توقّعت الأسواق قبل أشهر.

المستثمر الذكي لا يتعامل مع هذه المرحلة بقرارات انفعالية، بل يُعيد توزيع الأصول نحو قطاعات الطاقة والذهب والشركات ذات الأرباح النقدية المستقرة، مع الحذر من السندات طويلة الأجل التي تتآكل قيمتها الحقيقية مع كل قفزة تضخمية.

حين تصبح الجغرافيا قدراً اقتصادياً

ما يكشفه ملف الركود التضخمي الراهن أن الاقتصاد العالمي لم يُحلّ أزمته البنيوية مع الطاقة، بل أجّلها. كل صدمة جيوسياسية في الخليج تُذكّرنا بأن انتقال الطاقة لم يكتمل، وأن مضيقاً بحرياً واحداً لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتراً قادر على إعادة تشكيل قرارات البنوك المركزية في فرانكفورت وواشنطن وطوكيو. السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل يعود الركود التضخمي؟ بل: هل بنينا، خلال الهدوء النسبي السابق، ما يكفي من المرونة الاقتصادية لمواجهته دون أن ندفع ثمنه عقداً كاملاً من النمو الضائع؟

📚 المصادر

  1. أولي – ثقة عالية: الجزيرة نت – مخاوف من عودته مجدداً.. ماذا يعني الركود التضخمي؟ (30/4/2026)
  2. أولي – ثقة عالية: معهد IMK الألماني – ارتفاع مؤشر مخاطر الركود بسبب حرب إيران (24/4/2026)
  3. ثانوي – ثقة عالية: RTE / رويترز – تصريحات ماتياس كورمان الأمين العام لمنظمة OECD (23/4/2026)

الوسوم

الركود التضخمي | إغلاق مضيق هرمز | أزمة الطاقة العالمية | توقعات النمو الاقتصادي | تضخم أسعار النفط

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران