جاسوس إسرائيلي سابق يحذر من حرب ضد مصر وتركيا: قراءة في تصريحات بولارد وحدودها الاستراتيجية
تصريحات جوناثان بولارد تُعيد طرح أسئلة حول التبعية الأمريكية لإسرائيل والسيناريوهات المستقبلية في الشرق الأوسط
![]() |
| جوناثان بولارد خلال مقابلة سابقة بتصريحات أعادت الجدل حول نفوذ إسرائيل داخل دوائر القرار الأمريكية واحتمالات التصعيد الإقليمي. |
في تصريحات أدلى بها لموقع "إسرائيل ناشيونال نيوز" (Arutz Sheva) اليميني المتطرف، حذّر الجاسوس الإسرائيلي-الأمريكي السابق جوناثان بولارد من أن إسرائيل "ستضطر لخوض حرب ضد تركيا ومصر" بعد الانتهاء من معاركها الحالية في غزة ولبنان وإيران. ووصف بولارد، المعروف بقضية تجسسه الشهيرة في الثمانينيات، المشهد المقبل بأنه "عاصفة لم يشهد العالم مثلها من قبل".
هذه التصريحات، التي نقلتها وكالة RT Arabic في 28 مايو 2026، لا تأتي في فراغ. فهي تتزامن مع ضغوط إدارة ترامب لتوسيع دائرة التطبيع مع إسرائيل، ومع استمرار الحرب في غزة التي دخلت عامها الثالث، ومع تصاعد التوتر الإسرائيلي-الإيراني. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان بولارد يملك معلومات استخباراتية حصرية، بل لماذا يُطلق مثل هذه التصريحات في هذا التوقيت، وما هي الحدود الفاصلة بين القراءة الاستراتيجية والتهويل الإعلامي؟
تنبيه تحريري
تجدر الإشارة إلى أن "إسرائيل ناشيونال نيوز" (Arutz Sheva) منصة إعلامية يمينية متطرفة محسوبة على المستوطنين، وأن RT العربية وكالة روسية الدولة تنقل هذه التصريحات في سياق تنافسها الإعلامي مع الغرب. التحليل التالي يستند إلى هذه المصادر مع الاحتفاظ بمسافة نقدية من توجهاتها التحريرية.
جاسوس في اليمين الإسرائيلي: من هو بولارد وما وزنه الاستراتيجي؟
جوناثان بولارد ليس محللاً استراتيجياً رسمياً في صنع القرار الإسرائيلي. فهو محلل استخبارات أمريكي سابق أُدين عام 1985 بالتجسس لصالح إسرائيل، وقضى 30 عاماً في السجون الأمريكية قبل أن يُطلق سراحه عام 2015 بناءً على ضغوط دبلوماسية إسرائيلية مكثفة، ثم انتقل للعيش في إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، تحول بولارد إلى شخصية رمزية في اليمين الإسرائيلي المتدين، يظهر بين الحين والآخر في وسائل إعلام يمينية محسوبة على المستوطنين والتيار الديني-القومي.
قضية بولارد نفسها كانت دائماً نقطة التقاء بين التبعية الأمريكية لإسرائيل والاستقلالية الإسرائيلية المزعومة. فالولايات المتحدة، التي تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية سنوية تتجاوز 3.8 مليار دولار، كانت قد رفضت لعقود الإفراج عنه رغم الضغوط الإسرائيلية. وعندما جاء الإفراج، كان في سياق تفاهمات إدارة أوباما مع إسرائيل، لا في سياق قرار إسرائيلي مستقل. هذا السياق التاريخي يضع تصريحات بولارد الحالية في إطار أعمق من مجرد "تحليل استخباراتي": فهي تعكس إحباطاً يمينياً من حدود السيادة الإسرائيلية، وتستخدمه لتبرير المزيد من التوسع العسكري.
لماذا تستهدف التصريحات القاهرة وأنقرة تحديداً؟
قال بولارد صراحة: "علينا أن نستعد للحرب المقبلة، والتي ستكون على الأرجح ضد تركيا ومصر". وفي السياق نفسه، أقرّ بما يشبه الاعتراف النادر: "إننا لسنا دولة مستقلة كما يروج قادتنا، بل نحن مجرد قوة مساعدة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية ونتحرك في فلكها".
"إننا لسنا دولة مستقلة كما يروج قادتنا، بل نحن مجرد قوة مساعدة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية ونتحرك في فلكها." — جوناثان بولارد، محلل استخباراتي سابق
هذا الادعاء يحمل في طياته أكثر مما يبدو. فمصر، التي وقعت مع إسرائيل اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، تظلّ الشريك الأمني الأهم لإسرائيل في محاصرة غزة وضبط الحدود مع سيناء. وتركيا، رغم تصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان الحادة ضد إسرائيل، تبقى عضواً في حلف الناتو وتربطها بأمريكا علاقات عسكرية معقدة. فلماذا يستهدف بولارد هاتين الدولتين تحديداً؟
الإجابة تكمن في السياق الإقليمي الحالي. فبعد ثلاث سنوات من الحرب في غزة، ومع استنزاف الجيش الإسرائيلي وتراجع الاحتياطيات الاقتصادية، يبدو أن اليمين الإسرائيلي يخشى من تحول الضغط الأمريكي من "الدعم العسكري" إلى "فرض التسويات". إدارة ترامب، التي تسعى لتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، قد تضطر للضغط على مصر والأردن لاستيعاب مزيد من الفلسطينيين، أو للتنازل عن أجزاء من سيناء أو الأغوار. وهذا السيناريو، لو حدث، قد يفجر احتجاجات شعبية في مصر تضع السلطة المصرية أمام خيار صعب: إما التنازل السيادي وإما التصعيد.
أما تركيا، فالتوتر معها يعود إلى أدوارها في ليبيا وسوريا، ودعمها لحركة حماس، ومحاولاتها التمدد في شرق المتوسط. لكن الحرب المباشرة بين دولة الناتو وإسرائيل تظل احتمالاً ضعيفاً جداً من الناحية العسكرية والسياسية، خاصة أن أي مواجهة من هذا النوع ستضع واشنطن في مأزق بين حليفتين.
"قوة مساعدة": قراءة في التبعية الاستراتيجية لواشنطن
عبارة "قوة مساعدة تابعة للولايات المتحدة" التي استخدمها بولارد ليست مجرد شكوى يمينية. فهي تعكس واقعاً استراتيجياً يعرفه كل محلل جيوسياسي: إسرائيل، رغم ترسانتها النووية وجيشها المتقدم، لا تستطيع خوض حرب إقليمية واسعة دون ضوء أخضر أمريكي ودعم لوجستي. الغارات الإسرائيلية في العراق وسوريا ولبنان كانت دائماً تتم بإحداثيات وتغطية أمريكية. والضغط الأمريكي لوقف إطلاق النار في غزة كان دائماً يحمل في طياته تهديداً ضمنياً بتقليل الدعم.
لكن بولارد يستخدم هذا الاعتراف لأغراض مختلفة: فهو يبرر، في الوقت نفسه، رفض أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين أو العرب، بحجة أن إسرائيل "مجرد أداة" في يد أمريكا، وبالتالي فإن أي "تنازل" لن يكون قراراً إسرائيلياً بل أمراً أمريكياً يُفرض من الخارج. هذه اللغة تخدم أجندة يمينية ترفض "حل الدولتين" وتسعى لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية تحت ذريعة "الأمن الاستراتيجي".
ما حدود التهديد العسكري على الجبهتين المصرية والتركية؟
من الناحية العسكرية الصرفة، يبدو سيناريو الحرب ضد مصر أو تركيا بعيد الاحتمال. فالجيش المصري، رغم تراجع قدراته الاقتصادية، يظلّ قوة تقليدية ضخمة تمتلك أسلحة أمريكية حديثة (F-16، Abrams، Apache) لا يمكن استخدامها ضد إسرائيل دون موافقة واشنطن. وسيناء، التي تحولت إلى منطقة عسكرية مغلقة، تخضع لاتفاقيات أمنية معقدة تجعل أي تحرك عسكري مصري هناك مرتبطاً بموافقة أمريكية إسرائيلية مسبقة.
أما تركيا، فهي تملك أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، وتنتشر قواتها في قطر وأذربيجان وليبيا وسوريا. لكن تدخلها المباشر ضد إسرائيل يعني مواجهة مع أمريكا في حلف الناتو، وهو ما لا تستطيع أنقرة تحمله في ظل أزمتها الاقتصادية الداخلية. لذلك، يبدو أن تهديد بولارد العسكري يستند إلى قراءة سياسية أكثر منه إلى تقييم عسكري موضوعي.
✅ السيناريو الأرجح: تهويل إعلامي
- لا توجد مؤشرات استخباراتية أو عسكرية على استعدادات إسرائيلية لحرب ضد مصر أو تركيا.
- بولارد شخصية هامشية لا تمثل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية الرسمية.
- التصريحات تهدف لتبرير المزيد من الإنفاق العسكري ورفض الضغوط الأمريكية.
⚠️ السيناريو الأخطر: إعادة رسم إقليمية
- تيار فكري داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يرى أن "الحل النهائي" يتطلب إعادة رسم الحدود بالقوة.
- الضغط الأمريكي للتطبيع قد يدفع إسرائيل نحو تصعيدات حدودية أو غارات استباقية.
- أي مواجهة محدودة في سيناء أو البحر المتوسط قد تتمدد بشكل غير مقصود.
العاصفة المقبلة: بين التهويل الإعلامي والاحتمال الاستراتيجي
من المستفيد من نشر هذه التصريحات؟ في المستوى الإسرائيلي، اليمين المتطرف يستفيد منها لتبرير المزيد من الإنفاق العسكري ورفض الضغوط الدولية. في المستوى الإعلامي، RT الروسية تنشرها لتعزيز روايتها بأن إسرائيل دولة تابعة للغرب وأن أمريكا تستخدمها لإشعال المنطقة. أما المتضرر الأكبر، فهو العلاقات الإسرائيلية-المصرية التي تمر بفترة باردة لكنها قائمة على التعاون الأمني في سيناء.
تصريحات كهذه، حتى وإن صدرت عن شخصية هامشية، تُسمم الأجواء وتمنح التيارات المناهضة للتطبيع في مصر والعالم العربي ذخيرة إعلامية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في أن تتحول إلى حرب فعلية، بل في أن تُضيف طبقة جديدة من عدم الثقة بين دول السلام وإسرائيل، في لحظة يحتاج فيها الشرق الأوسط إلى خفض التصعيد لا تصعيده.
تصريحات جوناثان بولارد، مهما بدا تهويلها واضحاً، تطرح سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله: في لحظة يبدو فيها العالم العربي منقسماً بين تطبيع ورفض، وفي ظل حرب مستمرة تستنزف إسرائيل، من أين تأتي "العاصفة" الحقيقية؟ هل هي عاصفة عسكرية تُشعلها تل أبيب ضد جيرانها، أم هي عاصفة سياسية تفرضها واشنطن على المنطقة بأسرها؟ الإجابة على هذا السؤال قد تحدد شكل الشرق الأوسط في العقد القادم، لا في تصريحات جاسوس سابق، بل في المعادلة التي تربط القوة بالتبعية، والاستقلال الزائف بالحرب الحقيقية.
المصادر:
الوسوم
جوناثان بولارد | إسرائيل | حرب | مصر | تركيا | عاصفة

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار