حين يُمسك العملاقان بالميزانية: واشنطن وبكين تدفعان الأمم المتحدة نحو الإفلاس

-- دقائق
جيوسياسة ومؤسسات دولية

الأمم المتحدة (United Nations) قد تنفد سيولتها بحلول منتصف أغسطس 2026، وفي القلب تنافس أمريكي صيني على النفوذ تدفع فاتورته ملايين البشر حول العالم

حين يُمسك العملاقان بالميزانية: واشنطن وبكين تدفعان الأمم المتحدة نحو الإفلاسمقر الأمم المتحدة في نيويورك — الغروب يُضيء واجهة المبنى الزجاجية وأعلام الدول الأعضاء الـ193 مصطفة أمامه في مشهد يُجسّد الحجم الرمزي للمؤسسة وهشاشتها المالية في آنٍ واحد

لو أن مؤسسة خاصة أعلنت أن خزائنها ستفرغ بعد ثلاثة أشهر لأثار الخبر موجة من الذعر في أسواق المال. لكن حين يُعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش (António Guterres) أن المنظمة الدولية تخوض "سباقاً نحو الإفلاس" وأن ثمة "احتمالاً حقيقياً لانهيار مالي"، يبدو أن العالم قد تعود على الأزمات الوجودية للأمم المتحدة واعتبرها جزءاً من الأثاث المعتاد للنظام الدولي.

غير أن ما يجري هذه المرة مختلف نوعياً. فللمرة الأولى في التاريخ يقف المساهمان الأكبر — الولايات المتحدة والصين — معاً على قائمة المتأخرين عن السداد، في حين أن مجموع مساهماتهما يُشكّل 42% من الميزانية الأساسية للمنظمة. المفارقة المُحكمة هي أن الدولتين نفسيهما اللتين تتنافسان على قيادة النظام الدولي تُضعفان معاً المؤسسة التي ترمز إلى ذلك النظام.

+4 مليار$ المتأخرات الأمريكية المتراكمة للأمم المتحدة
455 مليون$ المستحقات الصينية المتبقية بعد الدفع الجزئي
42% حصة واشنطن وبكين من الميزانية الأساسية مجتمعتين
أغسطس 2026 الموعد المتوقع لنفاد السيولة إذا استمر الوضع

خريطة الأزمة: كيف وصلنا إلى هنا

ليست أزمة تمويل الأمم المتحدة وليدة اليوم، لكنها تصاعدت بوتيرة حادة منذ انطلاق الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump). في أكتوبر 2025، أطلق جوتيريش تحذيره الأول من "سباق نحو الإفلاس" حين قدّم موازنة 2026 المخفّضة بنحو 577 مليون دولار (15%) مع تقليص 2681 وظيفة (19%). بحلول يناير 2026 كانت لغته قد تصعّدت إلى الحديث عن "انهيار مالي وشيك" إن لم تُسدَّد المتأخرات قبل يوليو.

المعادلة التشغيلية بسيطة في ظاهرها: الأمم المتحدة دخلت 2026 بلا احتياطيات نقدية بعد أن أُجبرت على الاقتراض من صندوق رأس المال العامل لتغطية نفقاتها. ومع تراكم 2.8 مليار دولار من المستحقات غير المدفوعة بنهاية أبريل، باتت المنظمة في حلقة مفرغة وصفها جوتيريش بنفسه بـ"حلقة عبثية — إذ يُطلب منا إعادة أموال غير موجودة أصلاً".

المتأخرات والمساهمات — هيكل تمويل الأمم المتحدة 2026 (مليار دولار)

المصدر: تقارير الأمم المتحدة، وول ستريت جورنال (Wall Street Journal)، جنيفا سولوشنز (Geneva Solutions) — مايو 2026

ورقتا ضغط أمريكية وصينية — منطقان مختلفان

الولايات المتحدة تخوض معركة مكشوفة: منذ بداية ولاية ترامب الثانية لم تسدد واشنطن سنت واحد من مستحقاتها البالغة 826 مليون دولار عن 2025، وانسحبت من عشرات البرامج والوكالات بما فيها منظمة الصحة العالمية (WHO). المسؤول الأمريكي مايكل جي دي سومبر أمام مجلس الأمن صاغ الموقف باختزال: "ما نسعى إليه ليس رفض التعددية، بل إعطاء الأولوية للوضوح والنتائج بدلاً من عدم الكفاءة والشعارات الفارغة". والشروط الأمريكية لاستئناف الدفع تشمل تقليص الوظائف والسفر على الدرجة الأولى وتوسيع استخدام الترجمة الآلية.

الصين تلعب لعبة أكثر تعقيداً. بكين ترفع راية الدفاع عن التعددية وتُقدّم نفسها بوصفها "المساهم المالي الفعلي الأول"، في حين أن حصتها ارتفعت خلال عقد من 5% إلى أكثر من 20% من الموازنة الأساسية بفعل نموها الاقتصادي. لكنها تُسدد مدفوعاتها في نهاية العام دائماً — بعد ستة أشهر مما كانت عليه — مما يُفاقم أزمة السيولة الفصلية. وفي مايو 2026 ضخت بكين 850 مليون دولار خلال زيارة وزير خارجيتها وانج يي (Wang Yi)، لكنها لا تزال مدينة بـ455 مليون دولار.

الموقف الأمريكي

الامتناع

رفض الدفع مع اشتراط إصلاحات هيكلية عميقة — متأخرات تتجاوز 4 مليارات دولار

مقابل

الموقف الصيني

التأخير

دفع في نهاية العام مع خطاب دفاع عن التعددية — متأخرات 455 مليون دولار

التداعيات الميدانية: ليست مجرد أرقام

جوتيريش كان صريحاً أمام الجمعية العامة: "ميزانيات الأمم المتحدة ليست مجرد أرقام في كشف حساب، بل هي مسألة حياة أو موت لملايين البشر حول العالم." وفعلاً، حين بدأت المنظمة تُنفّذ تخفيضات الطوارئ، كانت التداعيات أبعد من إغلاق السلالم المتحركة وتقليص ساعات المترجمين في مقرها النيويوركي البالغ عمره 75 عاماً.

  • أكتوبر 2025

    التحذير الأول: "سباق نحو الإفلاس"

    جوتيريش يُقدّم موازنة 2026 مُخفَّضة بـ577 مليون دولار وتقليص 2681 وظيفة — متأخرات نهاية 2025 بلغت 760 مليون دولار.

  • يناير 2026

    تصعيد: "انهيار مالي وشيك"

    المنظمة تدخل العام بلا احتياطيات نقدية — متطلب إعادة 300 مليون دولار للأعضاء يُزيل 10% من الموازنة من السيولة المتاحة.

  • مارس–أبريل 2026

    إجراءات طوارئ غير مسبوقة

    تقليص الانتشار في جمهورية الكونغو وبؤر التوتر الأفريقية — تأخير رواتب دول حفظ السلام الفقيرة (نيبال وبنجلاديش) — إغلاق مكاتب وإلغاء 3000 وظيفة.

  • مايو 2026

    الدفع الصيني الطارئ + تحذير أغسطس

    بكين تضخ 850 مليون دولار خلال زيارة وانج يي لكنها تبقى مدينة بـ455 مليون — المنظمة تُعلن نفاد السيولة المتوقع بمنتصف أغسطس.

  • منتصف 2026 — موعد حرج

    توقف الرواتب ومخاطر البرامج الإنسانية

    إن لم تُسدَّد المتأخرات: احتمال توقف رواتب 40,000+ موظف — تعطيل برامج اليونيسف (UNICEF) والغذاء والأمن — قوات حفظ السلام الـ50,000 في مهب الريح.

البنية المالية المعطوبة: لماذا لا تستطيع المنظمة مساعدة نفسها؟

ما يجعل الأزمة متفاقمة ليس فقط التأخر في السداد بل بنية مؤسسية لا تُعين الأمم المتحدة على الخروج منها بمفردها. المنظمة لا تستطيع الاقتراض. سلطة قيادتها في تسريح الموظفين محدودة لأن الدول الأعضاء — وعددها 193 — هي من تُحدد هياكل التوظيف والمهام. الرواتب تستحوذ على 70% من الإنفاق. وكلما أرادت المنظمة تقليص برنامج، يتطلب الأمر موافقة الجمعية العامة التي تميل تاريخياً إلى إضافة برامج لا حذفها.

ثمة قاعدة غريبة تزيد الطين بلة: الأموال غير المصروفة بنهاية العام تُعاد إلى الدول الأعضاء كأرصدة تُحتسب من مستحقاتها — حتى لو لم تدفع تلك الدول مساهماتها أصلاً. وهكذا تراكمت أرصدة غير مستخدمة بقيمة 299 مليون دولار لعام 2026 (أكثر من 9% من الموازنة)، مع توقع ارتفاعها إلى 400 مليون عام 2027.

توزيع نسب المساهمة في الميزانية الأساسية للأمم المتحدة 2026

واشنطن وبكين مجتمعتان: 42% — المصدر: تقييمات الجمعية العامة للأمم المتحدة

ما الذي تخسره المنظومة إن انهار التمويل؟

الأمم المتحدة ليست مجرد مبنى زجاجي على ضفاف إيست ريفر (East River) في نيويورك. هي منظومة من 15 وكالة متخصصة تُشغّل البنية الخفية للنظام الدولي: منظمة الصحة العالمية تنسّق الاستجابة للأوبئة، ومنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) تضمن سلامة الملاحة الجوية، والاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) يوحّد معايير شبكات الاتصالات العالمية.

⚠️ ما يتوقف فوراً عند نفاد السيولة

  • رواتب أكثر من 40,000 موظف حول العالم
  • عمليات حفظ السلام في 12 منطقة نزاع
  • برامج الإغاثة الإنسانية (اليونيسف، برنامج الغذاء)
  • تنسيق الاستجابة للأوبئة والكوارث الطبيعية
  • مدفوعات للدول المُساهِمة بقوات (نيبال، بنجلاديش)

✅ ما يستمر نظرياً حتى في الأزمة

  • جلسات مجلس الأمن (بالحد الأدنى)
  • الوكالات ذات الميزانيات المستقلة كالوكالة الدولية للطاقة الذرية
  • بعض البعثات السياسية الخاصة (37 بعثة محمية في موازنة 2026)
  • صندوق بناء السلام بتمويل 50 مليون دولار
🚨

التحذير المالي الأكثر إلحاحاً

إذا عادت المنظمة أموالاً للأعضاء بنهاية 2026، فإن مبلغ الإعادة قد يبلغ 600 مليون دولار في 2027 — ما يُعادل 20% من الموازنة — مما يُرسّخ الحلقة المفرغة لسنة ثالثة متتالية.

أشرطة المساهمات: من يدفع فعلاً؟

من بين 194 دولة عضو، دفعت 106 دول مساهماتها كاملة بنهاية أبريل 2026 — وهو رقم يبدو مُريحاً حتى تدرك أن المتأخرات بلغت مع ذلك 2.8 مليار دولار. الفجوة تأتي بالكامل من كبار المُتعثرين. حصة الفرد الأمريكي (22%) بحد ذاتها تفوق مجموع مساهمات معظم القارات.

الولايات المتحدة — حصة الموازنة الأساسية 22%
الصين — حصة الموازنة الأساسية 20%
اليابان — حصة الموازنة الأساسية 8%
ألمانيا — حصة الموازنة الأساسية 6.1%
نسبة الدول المُسدِّدة كاملاً (أبريل 2026) 55%

السيناريوهات الثلاثة قبل منتصف أغسطس

خارطة المصائر المحتملة للأمم المتحدة في 2026

السيناريو الشرط التداعية المباشرة
الأقل احتمالاً — تسوية كاملة واشنطن تُقدّم جزءاً كبيراً من المتأخرات قبل يوليو استقرار مؤقت — لكن الإصلاح الهيكلي المطلوب لا يزال قائماً
الأكثر ترجيحاً — شبه تجميد دفع جزئي من الصين ومفاوضات أمريكية بلا حسم تقليص حاد في البرامج الإنسانية — احتمال تأخر الرواتب في الربع الثالث
الأخطر — نفاد السيولة الفعلي استمرار الجمود الأمريكي بلا دفع طارئ توقف جزئي لعمليات حفظ السلام — فوضى إنسانية في بؤر التوتر — أزمة ثقة بالنظام متعدد الأطراف
"نحن عالقون في حلقة عبثية؛ إذ يُطلب منا إعادة أموال غير موجودة أصلاً." — أنطونيو جوتيريش (António Guterres)، الأمين العام للأمم المتحدة، في رسالة للدول الأعضاء 2026
⚠️

المفارقة الجيوسياسية الكبرى

واشنطن وبكين كلتاهما عضو دائم في مجلس الأمن يتمتعان بحق النقض (الفيتو). أي منهما وحده قادر على شل قرارات المنظمة. لكنهما معاً اختارا استخدام سلاح التمويل لممارسة الضغط — مما يُحوّل الأزمة المالية إلى أداة جيوسياسية بامتياز.

ما تكشفه أزمة 2026 ليس فشل الأمم المتحدة فحسب، بل هشاشة النظام الدولي متعدد الأطراف برمّته حين يُصبح رهينة لتنافس قوتين تُمسكان بأكثر من خُمس تمويله لكل منهما. واشنطن تُريد إصلاحاً يُقلّص البيروقراطية ويُقلّص معها نفوذ الآخرين. بكين تُريد مؤسسة أكثر التزاماً بمبدأ السيادة وأقل تدخلاً في الشؤون الداخلية. كلا المطلبين فيه منطق، وكلاهما يُعبَّر عنه بأداة خاطئة: الابتزاز المالي لمؤسسة يموت بدونها أناس حقيقيون في جمهورية الكونغو ونيبال وبنجلاديش وعشرات البؤر الأخرى. السؤال الحقيقي ليس متى تنفد أموال الأمم المتحدة، بل ما الثمن الذي سيدفعه العالم ليكتشف الإجابة.

المصادر:

  1. بوابة الشروق — سباق نحو الإفلاس: أزمة تمويل تهدد الأمم المتحدة (30 مايو 2026) — مصدر أولي عبر وول ستريت جورنال
  2. جنيفا سولوشنز (Geneva Solutions) — مدى خطورة إنذار الأمم المتحدة بالإفلاس الوشيك (مايو 2026)
  3. مكتب الأمم المتحدة في جنيف — جوتيريش يُقدم موازنة 2026 المُخفَّضة تحت شعار سباق نحو الإفلاس (أكتوبر 2025)
  4. الشرق للأخبار — أزمة السيولة تدفع الأمم المتحدة إلى تخفيض موازنتها 7% في 2026 (ديسمبر 2025)
  5. International UN Watch — أزمة تمويل الأمم المتحدة تتعمق مع امتناع الولايات المتحدة والصين (مايو 2026)

الوسوم

الأمم المتحدة | تمويل | إفلاس | واشنطن | بكين

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟