الناتو في اختبار جديد.. أوروبا تتحرك لردع موسكو دون واشنطن
في خضم التحديات الجيوسياسية المتصاعدة، وعلى رأسها استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا وتزايد المخاوف من تراجع الالتزام الأمريكي بالدفاع عن أوروبا، عقد يوم 15 أكتوبر 2025 في مقر حلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل اجتماع حاسم لوزراء دفاع الدول الأعضاء، برئاسة الأمين العام للحلف مارك روته. وقد ترأس الجلسة نقاشات استراتيجية تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية للحلف، مع تركيز خاص على أوروبا.
أهداف الاجتماع: تعزيز التكامل والقدرة الأوروبية
أكد نيكولاس ويليامز، المسؤول السابق في الناتو، في تصريحات لبرنامج "منتصف النهار" على قناة "القاهرة الإخبارية"، أن الاجتماع يأتي في سياق جهود مضنية لتعزيز الدفاع الأوروبي، من خلال التنسيق بين الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا، إلى جانب الدول الأوروبية، بهدف ضمان استدامة الإنفاق الدفاعي ورفع كفاءة التحرك العسكري في مواجهة التهديدات المتزايدة .
وأوضح ويليامز أن الاجتماع تناول التقدم المحرز في الإنفاق الدفاعي، وبحث سبل تعزيز الأمن القاري في ظل تقليص الولايات المتحدة تدريجيًا لحجم التزاماتها داخل أوروبا، وهو ما يضع ضغوطًا على الدول الأوروبية لتحمل المزيد من المسؤولية الدفاعية.
خطة "الاستعداد 2030": خارطة طريق أوروبية جديدة
تزامن اجتماع الناتو مع إعلان الاتحاد الأوروبي تفعيل خطة "ReArm Europe / Readiness 2030"، والتي تهدف إلى تعبئة 800 مليار يورو لتمويل التحديث الشامل للقدرات الدفاعية الأوروبية. وتشمل الخطة تفعيل بند "الهروب" من ميثاق الاستقرار والنمو، مما يسمح للدول الأعضاء برفع الإنفاق الدفاعي بنسبة تصل إلى 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، بالإضافة إلى إطلاق أداة تمويل جديدة باسم "SAFE" بقيمة 150 مليار يورو لتعزيز القدرات في مجالات مثل الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والأمن السيبراني .
كما تهدف الخطة إلى تسهيل التعاون الصناعي العسكري بين الدول الأعضاء، وتعزيز السوق الأوروبية المشتركة للأسلحة، مع التركيز على تقليل الاعتماد على التكنولوجيا والمعدات الأمريكية، في خطوة تفسر على نطاق واسع بأنها استعداد لسيناريو انسحاب أمريكي محتمل من القارة الأوروبية.
تقليص الإنفاق الأمريكي: تحدٍ يتطلب تضامناً أوروبياً
أشار ويليامز إلى أن التنسيق بين الناتو والدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا أصبح "ضرورياً"، لا مجرد خيار استراتيجي، في ظل مؤشرات متزايدة على أن واشنطن تنوي تقليص إنفاقها الدفاعي داخل أوروبا، وهو ما يُلقي بعبء أكبر على كاهل الدول الأوروبية في تأمين حدودها وتحقيق الردع المطلوب.
وقد أقرّ الحلف في قمته الأخيرة المنعقدة في لاهاي يونيو 2025 بخطة لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، منها 3.5% مخصصة للمتطلبات العسكرية الأساسية، و1.5% أخرى لبنى تحتية مزدوجة الاستخدام (مدنية وعسكرية) .
رؤية مستقبلية: أوروبا تستعد لمرحلة ما بعد الاعتماد الأمريكي
مع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي، يبدو أن الولايات المتحدة أعادت ترتيب أولوياتها الاستراتيجية باتجاه آسيا، ما يدفع أوروبا إلى التفكير جديًا في بناء قدرة دفاعية مستقلة، دون الاعتماد الكامل على الحليف العابر للأطلسي.
ويُرجّح أن تكون قمة الناتو المقبلة في 2026 منعطفاً تاريخياً، إذ قد تعلن فيها أوروبا عن تحول استراتيجي كامل في إدارة أمنها، يقوم على التكامل الصناعي، والتمويل المشترك، والتخطيط الموحد، مما يجعل من "الاستعداد 2030" أكثر من مجرد خطة تقنية، بل مشروعاً سياسياً لأوروبا الجديدة.
مصادر:
- اجتماع وزراء دفاع الناتو - 15 أكتوبر 2025
- خطة ReArm Europe / Readiness 2030
- الورقة البيضاء للدفاع الأوروبي - الاستعداد 2030 (PDF)
الوسوم
الناتو | الدفاع الأوروبي | الحرب في أوكرانيا | الاستقلال العسكري | بروكسل

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار