دين يتجاوز حجم الاقتصاد نفسه: السودان والبحرين يتصدران أثقل عشر دول عربية عبئاً بالديون في 2026
بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) تكشف عن اقتصادين عربيين يتخطى فيهما الدين العام كامل الناتج المحلي الإجمالي، بينما تحتفظ قطر وموريتانيا بأدنى النسب في المنطقة
جنيهات سودانية متداولة في الخرطوم — الاقتصاد السوداني يتصدر قائمة الدول العربية الأعلى مديونية نسبة إلى الناتج المحلي (تعبيريه)
حين يفوق الدين العام لدولة ما كامل حجم اقتصادها الوطني، فإن المسألة تتجاوز عبء مالي عابر لتصبح اختباراً وجودياً للاستقرار النقدي والسياسي. وهذا بالضبط ما تكشفه أحدث توقعات صندوق النقد الدولي (IMF) لعامي 2026 و2027: دولتان عربيتان — السودان والبحرين — تحملان اليوم ديناً عاماً يفوق ناتجهما المحلي الإجمالي بأكمله، فيما تتوزع بقية الدول العشر الأعلى مديونية على مسافة واسعة بين 37% و85%.
القائمة، المستندة إلى بيانات الشرق بلومبرغ (Bloomberg)، تستثني عمداً لبنان وسوريا واليمن وفلسطين وليبيا لعدم توفر بيانات موثوقة كافية عنها — وهو استثناء دال في حد ذاته، إذ إن غياب هذه الدول عن الترتيب لا يعني بالضرورة وضعاً أفضل، بل غالباً عجزاً إحصائياً ناتجاً عن انهيار مؤسسي أعمق.
الترتيب الكامل: من السودان إلى موريتانيا
نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي المتوقعة 2026 — الدول العربية العشر الأعلى
| الدولة | النسبة | التمثيل البياني |
|---|---|---|
| السودان | 169.1% | |
| البحرين | 152.4% | |
| مصر | 84.9% | |
| تونس | 84.9% | |
| الأردن | 81.8% | |
| المغرب | 65.8% | |
| العراق | 61.7% | |
| الجزائر | 59.2% | |
| قطر | 43.3% | |
| موريتانيا | 37.1% |
توقعات 2026/2027 — المصدر: صندوق النقد الدولي عبر الشرق بلومبرغ. بيانات لبنان وسوريا واليمن وفلسطين وليبيا غير متاحة
الفجوة بين أعلى نسبة وأدناها تبلغ نحو 132 نقطة مئوية — وهي مسافة تكشف أن "الدين العربي" ليس ظاهرة واحدة بقدر ما هو ثلاث قصص منفصلة تماماً: اقتصاد تمزقه الحرب، ودولة خليجية تراكم عجزاً مالياً هيكلياً رغم ثروتها النفطية النسبية، ومجموعة من الاقتصادات متوسطة الدخل تتحرك ضمن نطاق مألوف من ضغوط الدين لديها منذ سنوات.
السودان: حين يتحول الاقتصاد إلى ساحة حرب موازية
تصدُّر السودان القائمة ليس مفاجئاً بقدر ما هو انعكاس مباشر لحرب دخلت عامها الرابع. فمنذ اندلاع القتال في أبريل/نيسان 2023، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 37% في عام واحد فقط، وتواصل الانكماش التراكمي منذ ذلك الحين، بينما انهار الجنيه السوداني من نحو 600 جنيه للدولار في السوق الموازية إلى ما يتجاوز 5000 جنيه بحلول منتصف 2026.
انقسام نقدي غير مسبوق
بدأت قوات الدعم السريع بتداول أوراق نقدية موازية في مناطق سيطرتها بدارفور وكردفان، في خطوة تعكس تحول الانقسام السياسي والعسكري إلى انقسام في السلطة النقدية نفسها — وهو ما يهدد بمزيد من التعقيد في أي مسار مستقبلي لإعادة توحيد الاقتصاد.
يضاف إلى ذلك أن نحو 70% من عائدات الذهب — أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد — باتت تدور خارج الرقابة الرسمية للدولة، فيما يعاني القطاعان الزراعي والصناعي من نهب ودمار واسعين طالا مشروع الجزيرة الزراعي والمنطقة الصناعية في الخرطوم. النتيجة: دولة يتجاوز دينها ناتجها المحلي بمقدار الثلثين تقريباً، فيما تتراجع قدرتها على تحصيل الإيرادات أو إدارة سياسة نقدية موحدة.
البحرين: عبء خدمة الدين يبتلع خُمس الموازنة
على الطرف الآخر من القائمة، تمثل البحرين نموذجاً مختلفاً تماماً: اقتصاد مستقر سياسياً لكنه يحمل عبء دين هيكلياً تراكم عبر سنوات من عجوزات الموازنة المتكررة. تشير بيانات مصرف البحرين المركزي للسنة المالية 2025 إلى أن الدين العام بلغ نحو 19.4 مليار دينار بحريني، أي ما يعادل 109.3% من الناتج المحلي، بينما تقدّر منهجية صندوق النقد الدولي — التي تشمل التزامات إضافية — النسبة عند مستوى أعلى يقترب من الرقم الوارد في القائمة أعلاه.
⚠️ عبء خدمة الدين
- نحو مليار دينار بحريني لخدمة الدين سنوياً
- ما يعادل قرابة 22% من إجمالي الموازنة العامة
- الإنفاق الاستثماري لا يتجاوز 6% من الموازنة
✅ عوامل الدعم النسبي
- دعم مالي تاريخي من دول خليجية شقيقة
- ربط سعر الصرف بالدولار يحدّ من مخاطر العملة
- برامج إصلاح مالي وضريبي قيد التنفيذ التدريجي
الشريحة الوسطى: مصر وتونس والأردن والمغرب بين الإصلاح والضغط المزمن
بين القمة والقاع، تتقارب أربع اقتصادات عربية كبرى — مصر وتونس بنسبة متطابقة تقريباً عند 84.9%، ثم الأردن عند 81.8%، فالمغرب عند 65.8% — في نمط واحد: احتياجات تمويل خارجي كبيرة، وبرامج دعم سلعي وطاقوي تستهلك حيزاً واسعاً من الموازنات، وارتباط وثيق ببرامج صندوق النقد الدولي أو مراجعاتها الدورية.
| الدولة | النسبة | السمة الهيكلية البارزة |
|---|---|---|
| مصر | 84.9% | احتياجات تمويل خارجي مرتفعة وبرنامج إصلاح مع الصندوق |
| تونس | 84.9% | عجز مزمن في الموازنة وضغط على احتياطي النقد الأجنبي |
| الأردن | 81.8% | اعتماد كبير على المنح والقروض الميسّرة الخارجية |
| المغرب | 65.8% | مسار أكثر استقراراً نسبياً مدعوم بتنويع الصادرات |
| العراق | 61.7% | اعتماد شبه كامل على عائدات النفط لتمويل الموازنة |
| الجزائر | 59.2% | احتياطي نقدي مريح نسبياً يخفف ضغط الدين الخارجي |
قطر وموريتانيا: من يفلت من فخ الديون ولماذا؟
في المقابل، تحتل قطر (43.3%) وموريتانيا (37.1%) ذيل القائمة، لكن لأسباب مختلفة جذرياً. قطر تستند إلى فوائض مالية متكررة ناتجة عن صادرات الغاز الطبيعي المسال، وصندوق ثروة سيادي ضخم يمنحها هامش مناورة نادراً بين دول المنطقة. أما موريتانيا، فتعكس نسبتها المنخفضة نسبياً مساراً تدريجياً من الانضباط المالي وبرامج إعادة هيكلة الدين المدعومة من مؤسسات التمويل الدولية، رغم أن اقتصادها يبقى أصغر حجماً وأكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية مقارنة بقطر.
ثلاثة مسارات محتملة حتى 2027
| السيناريو | الشرط الجوهري | المآل |
|---|---|---|
| الأخطر — تمدد الأزمات | استمرار الحرب السودانية وتصاعد عجز البحرين | ارتفاع إضافي في نسب الدين لدى القمة، ومخاطر إعادة هيكلة |
| الأرجح — استقرار نسبي | استمرار برامج الإصلاح في الشريحة الوسطى | تباطؤ في وتيرة نمو الدين دون انخفاض جوهري |
| الأفضل — تعافٍ تدريجي | هدنة سودانية مستدامة وضبط مالي بحريني | تراجع الفجوة بين طرفي القائمة خلال سنوات |
الرقم المجرد لنسبة الدين إلى الناتج المحلي يخفي أكثر مما يكشف ما لم يُقرأ في سياقه السياسي: دين السودان نتاج حرب تدمر مقومات الاقتصاد نفسه، ودين البحرين نتاج اختيارات مالية متراكمة داخل اقتصاد مستقر، ودين مصر وتونس والأردن انعكاس لضغوط هيكلية طويلة الأمد. أما قطر وموريتانيا فتذكّران بأن الإفلات من فخ الديون ممكن — لكنه يمر إما عبر وفرة موارد استثنائية، أو عبر انضباط مالي صعب ومستمر لسنوات. السؤال الذي تطرحه هذه القائمة على صناع القرار العرب ليس "من الأعلى ديناً؟" بل "أي الطرق المؤدية إلى القمة يمكن تفاديها؟"
المصادر:
الوسوم
الدين العام | السودان | البحرين | صندوق النقد الدولي | الاقتصاد العربي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار