الذكاء الاصطناعي يُخفي كلفة حرب إيران: النمو العالمي يصمد عند 2.9% بينما يرتفع التضخم في 39 من أصل 50 اقتصاداً
استطلاع رويترز لنحو 500 خبير اقتصادي يكشف مفارقة الشهر الخامس من الحرب: توقعات النمو العالمي لا تتزحزح إجمالاً، لكن خلفها انقسام حاد بين اقتصادات ينقذها الذكاء الاصطناعي وأخرى تسحقها فاتورة النفط
صهاريج تخزين النفط المستورد في ميناء تشينغداو بالصين — خفضت بكين وارداتها من الخام بما يقارب 40% في مايو 2026 وامتصت جزءاً من صدمة العرض الناجمة عن حرب إيران (جيتي إيمدجز)
الرقم الأول الذي يستحق التوقف عنده ليس معدل النمو العالمي، بل عدد الاقتصادات التي غيّرت توقعاتها. في استطلاع أجرته رويترز بين 29 يونيو و27 يوليو 2026 وشمل نحو 500 خبير اقتصادي، رفع المشاركون توقعات التضخم لعام 2026 في 39 من أصل 50 اقتصاداً رئيسياً مقارنة باستطلاع أبريل، وخفضوا توقعات النمو في 32 اقتصاداً منها. الأرقام تعكس دخول الحرب في الشرق الأوسط شهرها الخامس دون أفق واضح لنهايتها، وسط هدنة هشة سرعان ما انهارت مع استئناف واشنطن ضرباتها على إيران ورد طهران باستهداف مواقع في المنطقة.
لكن المفارقة الحقيقية تكمن في أن كل هذا الاضطراب لم يُترجم إلى تراجع في الرقم الإجمالي للنمو العالمي؛ إذ أبقى الاستطلاع توقعاته عند 2.9% لعام 2026 و3.1% لعام 2027، دون تغيير عن أبريل. الرقم الثابت ظاهرياً يُخفي وراءه أكبر انقسام اقتصادي شهده العالم منذ سنوات — بين حفنة اقتصادات ترفعها موجة استثمارات الذكاء الاصطناعي، وأخرى تسحقها مباشرة فاتورة الطاقة والحرب.
صدمة نفطية بلا انهيار كامل
دفعت التوترات في منطقة تمر عبرها شرايين إمداد النفط العالمية أسعار خام برنت إلى تجاوز 100 دولار للبرميل للحظات الأسبوع الماضي، قبل أن تتراجع الأسعار عقب تعليق واشنطن حملتها الجوية التي استمرت أسبوعين على إيران. ورغم هذا التراجع النسبي، ظل النفط أعلى بأكثر من 20% مقارنة بمستوياته قبل اندلاع الحرب في أواخر فبراير 2026.
"السوق وبعض زملائنا ربما يستهينون باستمرار التضخم." — كلاوديو إيريجوين، رئيس قسم الاقتصاد العالمي في بنك أوف أمريكا للأبحاث
وصف إيريجوين الأثر الأولي للحرب بأنه صدمة ركود تضخمي معتدلة، محذراً من أن احتمالات تراجع أسعار النفط بشكل كبير تبدو محدودة في الوقت الراهن، وأن الطريق نحو 120 أو حتى 150 دولاراً للبرميل يبقى مفتوحاً إذا طال أمد الحرب. هذه المخاوف تجد صداها في أسواق السندات؛ إذ قفزت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.7%، وهو أعلى مستوى تسجله منذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي، رغم ثلاث خفضات متتالية للفائدة نفّذها الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة نفسها.
إشارة تحذير من سوق السندات
ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل رغم خفض الفائدة يعني أن الأسواق تُسعّر توقعات تضخم أعلى على المدى الطويل، لا مجرد صدمة نفطية عابرة — وهو ما يُعقّد مهمة البنوك المركزية في تحديد مسارها المقبل.
لغز الرقم الثابت: من الذي يُسند النمو العالمي؟
يكمن جواب اللغز في كلمتين: الذكاء الاصطناعي. فقد ساهم إنفاق شركات التكنولوجيا الكبرى بمئات مليارات الدولارات على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في تعويض جزء كبير من الأثر السلبي للحرب على النمو العالمي. ويرى دوجلاس بورتر، كبير الاقتصاديين في بي إم أو كابيتال ماركتس، أن الاقتصاد العالمي كان سيبدو أضعف كثيراً — وليس فقط في الولايات المتحدة — لولا هذه الموجة الاستثمارية غير المسبوقة.
توقعات النمو الاقتصادي لعام 2026 حسب استطلاع رويترز (%)
المصدر: استطلاع رويترز للاقتصاديين، 29 يونيو – 27 يوليو 2026
توقعات منطقة اليورو نفسها تختصر القصة؛ إذ خُفضت إلى 0.5% لعام 2026 — أي ما يقارب نصف تقدير أبريل البالغ 0.9% — لكنها متوقع أن تتضاعف إلى 1.2% في 2027 بافتراض تراجع الضغط الجيوسياسي. أما توقعات أكبر اقتصادين في العالم، الولايات المتحدة والصين، فبقيت ثابتة عند 2.2% و4.6% على التوالي، بلا أي تغيير عن الاستطلاع السابق.
الانقسام الكبير: رابحون في آسيا وخاسرون في الخليج
كوريا الجنوبية وتايوان تصدّرتا قائمة الاقتصادات التي شهدت رفعاً في توقعات نموها لعام 2026، مدفوعتين بطفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق. لكن فريدريك نيومان، كبير اقتصاديي آسيا في إتش إس بي سي، يحذر من أن هذا الازدهار هش خلف واجهته؛ فمعظم النشاط مدفوع بشكل ضيق بطفرة عتاد الذكاء الاصطناعي، وهو ما يُخفي ركوداً في قطاعات أخرى أوسع من الاقتصاد.
الرابحون
كوريا الجنوبية وتايوانرفع توقعات النمو بدعم طفرة استثمارات الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق الإلكترونية
الخاسرون
الكويت والبحرين وقطر والسعوديةخفض مباشر لتوقعات النمو نتيجة التأثير المباشر للصراع الإقليمي على اقتصادات الخليج
اللافت أن الاستطلاع يتوقع لهذه الاقتصادات الخليجية المتضررة تعافياً خلال العام المقبل، بما يشير إلى أن الأثر — رغم حدته — يُنظر إليه حتى الآن على أنه صدمة مؤقتة مرتبطة بمسار الحرب أكثر من كونه تحولاً بنيوياً دائماً في مسار النمو.
ما يقوله صندوق النقد الدولي عن التضخم العالمي
تتقاطع قراءة رويترز مع تحديث يوليو 2026 لصندوق النقد الدولي الذي رفع توقعات التضخم العالمي إلى 4.7% هذا العام، صعوداً من 4.1% في 2025، محذراً من أن الحرب أوقفت مسار الانكماش التضخمي المستمر منذ مطلع 2024. وفي المقابل، خفض الصندوق توقعات النمو العالمي لعام 2026 بمقدار 0.1 نقطة مئوية إلى 3.0%، مقابل رفع توقعات 2027 إلى 3.4%.
مسار التضخم العالمي المتوقع وفق صندوق النقد الدولي (%)
المصدر: تحديث التوقعات الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدولي، يوليو 2026
الفارق بين تقديرات رويترز وصندوق النقد الدولي — 2.9% مقابل 3.0% للنمو، و2027 عند 3.1% مقابل 3.4% — يعكس اختلاف المنهجيات أكثر مما يعكس تبايناً جوهرياً في القراءة؛ فكلا المصدرين يتفقان على الاتجاه العام: تضخم يتصلب وارتفاع في المخاطر رغم صمود الرقم الإجمالي للنمو.
| المؤشر | استطلاع رويترز | صندوق النقد الدولي (يوليو 2026) |
|---|---|---|
| النمو العالمي 2026 | 2.9% | 3.0% |
| النمو العالمي 2027 | 3.1% | 3.4% |
| التضخم العالمي 2026 | غير محدد رقمياً — ارتفاع في 39 اقتصاداً | 4.7% |
| التضخم العالمي 2027 | غير محدد رقمياً | 3.9% |
مسار الأزمة: من الهدنة إلى استئناف الضربات
أواخر فبراير 2026
اندلاع الحرب وارتفاع أسعار النفط
هدنة مؤقتة
تراجع نسبي في أسعار الطاقة
استئناف الضربات
عودة واشنطن للتصعيد العسكري ورد إيراني
29 يونيو–27 يوليو
استطلاع رويترز يرصد تصلّب التضخم
السيناريوهات الثلاثة لمسار أسعار النفط والتضخم
| السيناريو | الشرط الجوهري | المآل المتوقع |
|---|---|---|
| الأرجح — احتواء جزئي | استمرار وقف متقطع للضربات دون حل شامل | استقرار النفط قرب 90-100 دولار وتضخم مرتفع لكن مُدار |
| الأخطر — توسع الحرب | إغلاق ممتد لمضيق هرمز أو ضرب منشآت طاقة إيرانية | نفط فوق 120-150 دولاراً بحسب تحذيرات جولدمان ساكس وتضخم عالمي متجدد |
| البديل — هدنة دائمة | اتفاق شامل ينهي التصعيد فعلياً | تراجع سريع لأسعار الطاقة مع بقاء الفجوة بين اقتصادات التكنولوجيا والخليج المتضرر |
الرقم الذي لن يتغير في القراءات المقبلة لهذا الاستطلاع هو الاعتماد المتصاعد على استثمارات الذكاء الاصطناعي كصمام أمان وحيد يمنع تدهور صورة النمو العالمي. لكن هذا الصمام ضيق القاعدة كما يصفه محللو إتش إس بي سي، ومبني على استمرار وتيرة إنفاق قد لا تدوم إلى الأبد. السؤال الذي سيحدد ملامح الاقتصاد العالمي في الأشهر المقبلة ليس فقط متى تنتهي حرب إيران، بل: ماذا يحدث للنمو العالمي في اليوم الذي تتباطأ فيه طفرة الذكاء الاصطناعي بينما لا تزال فاتورة الحرب مستحقة الدفع؟
المصادر:
- جريدة المال — التضخم المرتفع يواصل الضغط على الاقتصاد العالمي (28 يوليو 2026)
- رويترز — Persistently high inflation to nag global economy (28 يوليو 2026)
- صندوق النقد الدولي — تحديث التوقعات الاقتصادية العالمية، يوليو 2026
- الجزيرة نت — 100 يوم على حرب إيران: 5 عوامل تفسر عدم ارتفاع النفط إلى 200 دولار (7 يونيو 2026)
- بلومبيرج — ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى أعلى مستوى في 2026 (23 يوليو 2026)
الوسوم
التضخم العالمي | حرب إيران | أسعار النفط | الذكاء الاصطناعي | النمو الاقتصادي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار