من "الهجوم" إلى "الاحتماء".. لماذا تعطلت الآلة العسكرية الأمريكية أمام إيران؟
تحول جذري في العقيدة العسكرية الأمريكية يكشف عن مأزق بنيوي في مواجهة طهران، وامتلاء المنطقة بأنظمة دفاعية لم يعد يخفي هاجس الاحتواء بدلاً من الهجوم
تشهد الساحة العسكرية في الشرق الأوسط تطوراً لافتاً يكشف عن تحول جوهري في الاستراتيجية الأمريكية، إذ بات البنتاغون يركز جهوده على نشر المنظومات الدفاعية بدلاً من التحضير لضربات هجومية حاسمة. هذا التحول لا يعكس مجرد ضبط للنفس أو انتظاراً لتوقيت مناسب، بل يكشف عن عجز بنيوي أمريكي واضح في القدرة على خوض حرب يمكن التحكم بمسارها ضد إيران.
من الهجوم إلى الاحتماء.. تحول العقيدة العسكرية
يدخل حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن" ومجموعتها القتالية إلى منطقة الخليج، وتنتشر مقاتلات F-35 في قواعد متقدمة، وتتدفق بطاريات THAAD وباتريوت إلى الأردن والكويت والبحرين وقطر. لكن مسؤولين أمريكيين أكدوا لصحيفة The Wall Street Journal أن هذه الحشود لا تمهد لضربات جوية وشيكة، بل تهدف إلى "الاستعداد للرد المحتمل" من إيران.
قال المسؤولون إن الضربات الأمريكية على إيران "ليست وشيكة"، وأن الأولوية القصوى تتركز على حماية القوات والحلفاء من رد انتقامي واسع. هذا التصريح يمثل اعترافاً ضمنياً بأن الولايات المتحدة تتصرف من موقع الدفاع لا الهجوم، وأن أي عمل عسكري قد يتحول سريعاً إلى صراع مفتوح لا تضمن واشنطن نتائجه.
صرحت سوزان مالوني، مسؤولة سابق في وزارة الخارجية الأمريكية متخصصة في الشأن الإيراني، للصحيفة ذاتها: "سؤال الدفاع الجوى هو المفتاح.. مدى توفر المواد الكافية لضمان حماية قواتنا وأصولنا في المنطقة من نوع الرد الانتقامي الإيراني" .
معضلة الدفاع الجوي.. التكلفة الكارثية للاعتراض
يواجه الجيش الأمريكي ثلاث مشكلات قاتلة في أي مواجهة محتملة مع إيران: العدد المحدود من منظومات الاعتراض، والكلفة الباهظة لكل عملية اعتراض، والعجز أمام الهجمات الكثيفة المتعددة الاتجاهات.
يمتلك الجيش الأمريكي سبع بطاريات THAAD فقط في العالم أجمع، واستهلك خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025 أكثر من 150 صاروخاً من هذا النوع، أي ربع المخزون الأمريكي منذ بداية البرنامج. هذه الأنظمة تتكلف ما يقرب من 12 مليون دولار للصاروخ الواحد، بينما لا يتجاوز سعر الصاروخ الباليستي الإيراني 500 ألف دولار في أغلى تقديرات.
الفارق الاقتصادي في معركة الاستنزاف
تكلفة الصاروخ الهجومي مقابل تكلفة الاعتراض
* التكلفة بالآلاف من الدولارات ($)
الرسم البياني: الفارق الاقتصادي الحرج بين تكلفة الصواريخ الهجومية الإيرانية وتكلفة منظومات الاعتراض الأمريكية. المصدر: تقديرات مفتوحة بناءً على بيانات وزارة الدفاع الأمريكية ومعهد الأبحاث الاستراتيجية.
هذا الفارق الهائل يخلق معادلة استنزافية غير مسبوقة: كل صاروخ إيراني تسقطه أمريكا بتكلفة تتجاوز 20 ضعف قيمته، وفي حال الهجمات المتزامنة والكثيفة، التي يشار إليها عسكرياً بـ"الإطلاق المتزامن"، تفقد أنظمة الدفاع فعاليتها بغض النظر عن تطورها التقني.
رهان الزمن والقدرة على التحمل
بنت إيران استراتيجيتها العسكرية على تحييد التفوق الأمريكي عبر ترسانة صاروخية ضخمة تضم صواريخ باليستية بعيدة ومتوسطة المدى، وصواريخ دقيقة منخفضة الارتفاع، وطائرات مسيرة انتحارية. هذه المنظومة صممت خصيصاً لتجاوز أنظمة الاعتراض عبر الإرباك والإغراق، لا المواجهة التقنية المباشرة.
تدرك واشنطن أن إيران تملك القدرة على إطالة أمد أي صراع، وفتح جبهات متعددة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وضرب القواعد الأمريكية والممرات الحيوية، وزعزعة أسواق الطاقة العالمية. بينما تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على نموذج الحروب القصيرة والسريعة، يبدو الخصم مستعداً لتحمل الكلفة الطويلة.
حذر مسؤولون عسكريون إسرائيليون من أن إيران لا تحتاج إلى تدمير إسرائيل عسكرياً، بل يكفي إحداث اختراقات صاروخية مؤلمة وشل المراكز الحيوية، وكسر صورة الحماية الأمريكية المطلقة. أي تصعيد واسع في الخليج ومضيق هرمز يعني ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة، واضطراباً في سلاسل التوريد العالمية، وضغطاً اقتصادياً لا تستطيع الإدارة الأمريكية تجاهله.
الشك الإسرائيلي وغياب الثقة بالتنسيق
تعكس التقديرات الإسرائيلية تبايناً كبيراً في الرأي بشأن احتمال هجوم أمريكي وشيك. زار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير واشنطن سراً عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وأجرى مباحثات مكثفة مع مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية.
قال زامير في تقييم أمني حسب إذاعة الجيش الإسرائيلي: "إن الهجوم الأمريكي على إيران قد يحدث خلال أسبوعين إلى شهرين"، ما يعني استبعاد تنفيذ ضربة وشيكة في الأيام القليلة المقبلة. ووصف الفترة الحالية بـ"عدم اليقين الشديد" .
تضافرت تقارير إسرائيلية على أن الإدارة الأمريكية "لا تطلع تل أبيب على كامل تفاصيل قراراتها"، ما يثير قلقاً إسرائيلياً عميقاً من احتمال توصل الرئيس ترامب إلى اتفاق مع طهران يقتصر على الملف النووي دون معالجة الصواريخ الباليستية، وهو ما تعتبره إسرائيل خطاً أحمراً وجودياً. نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول عسكري إسرائيلي قوله: "إن تل أبيب لا تستطيع التعايش مع القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية" .
عزلة إقليمية جديدة.. رفض الخليج المشاركة
يزيد المأزق الأمريكي عمقاً تآكل الغطاء الإقليمي. أعلنت كل من السعودية والإمارات العربية المتحدة رسمياً رفضها السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها أو مياهها الإقليمية في أي عمل عسكري ضد إيران. يمثل هذا الموقف تحولاً كاشفاً عن فقدان الثقة بقدرة واشنطن على إدارة حرب إقليمية شاملة.
صرح مسؤول خليجي رفيع المستوى لقناة Fox News: "لم تشارك الولايات المتحدة الأهداف أو الخطط بشأن إيران مع حلفائنا في الخليج"، مضيفاً أن الموقف السعودي "متواصل" مع ما كان عليه خلال حرب الأيام الاثني عشر عام 2024، وأن المملكة "لن تسمح باستخدام مجالها الجوي في حرب لا تشارك فيها" .
جاء هذا الرفض بعد اجتماعات رفيعة المستوى في واشنطن لم تجلب الوضوح المطلوب لدول الخليج، ما دفعها إلى اتخاذ موقف الحياد الوقائي. هذا التطور يفرض قيوداً صارمة على الخيارات العسكرية الأمريكية، إذ يصبح الوصول إلى إيران عبر مسارات بديلة أطول وأكثر تعقيداً وجودة.
معادلة الردع المتبادل.. نهاية الهيمنة الأحادية؟
ما تشهده المنطقة يمثل إقراراً غير معلن بأن ميزان الردع لم يعد أحادي الاتجاه. نجحت إيران في فرض معادلة "أي هجوم أمريكي سيقابله رد واسع، طويل، ومكلف"، دون ضمانات للانتصار العسكري أو السيطرة على التصعيد.
تكشف الأزمة الحالية أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها العسكرية بالقوة وحدها. فالعالم يدخل مرحلة تتراجع فيها فعالية التفوق العسكري التقليدي أمام استراتيجيات الردع غير المتكافئ. لم تعد إيران هدفاً سهلاً، والهيمنة الأمريكية لم تعد قادرة على ضمان النتائج.
تغلف واشنطن تراجعها بلغة "الاستعداد الدفاعي"، لكن المراقبين يرون أن الضربة الأمريكية لم تتأخر فحسب، بل "تعطلت" بسبب تفوق كلفة المخاطر على أي مكاسب تكتيكية محتملة. أي قرار بالتصعيد العسكري المباشر يحمل احتمالاً عالياً للخروج عن السيطرة، بما يتجاوز قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على الاحتواء.
في الأفق، تبدو الدبلوماسية البديل الأكثر منطقية، لكن من موقع الضعف النسبي لا القوة. فقد أفادت تقارير بأن إدارة ترامب قد تعرض على إيران صفقة على غرار "النموذج الفنزويلي"، تجمع بين الضغط العسكري والانفتاح الاقتصادي، في محاولة لاختراق الجمود دون الدخول في متاه حرب مكلفة.
المصادر:
: Fox News. "Saudis won’t let the US use its bases or airspace for an attack on Iran, senior Gulf official reveals." 31 يناير 2026. https://www.foxnews.com/politics/saudis-wont-let-us-use-its-bases-airspace-attack-iran-senior-gulf-official
: The New Arab. "Israeli army chief predicts US attack on Iran within two months." 2 فبراير 2026. https://www.newarab.com/news/israeli-army-chief-predicts-us-attack-iran-within-two-months
: The Wall Street Journal. "Before Any Strike on Iran, U.S. Needs to Bolster Air Defenses in Mideast." 1 فبراير 2026. https://www.wsj.com/world/middle-east/before-any-strike-on-iran-u-s-needs-to-bolster-air-defenses-in-mideast-faca35a9
الوسوم
الضربة الأمريكية | إيران | الدفاع الجوي | البنتاغون | الشرق الأوسط

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار