18 مليار دولار لا 40: الرقم الذي كشفه ترامب بنفسه عن حصاد مونديال 2026

-- دقائق
اقتصاد

تصريح الرئيس الأميركي عن عائدات كأس العالم يقترب من التقدير المتحفظ الذي أعلنه الفيفا (FIFA) رسمياً، ويهبط بأكثر من النصف عن الوعد الذي رفعه البيت الأبيض قبل عام ونصف

18 مليار دولار لا 40: الرقم الذي كشفه ترامب بنفسه عن حصاد مونديال 2026

كأس العالم 2026 ترافق منذ الإعلان عن استضافته مع سيل من التقديرات الاقتصادية المتفاوتة حول حجم العائد الفعلي على الولايات المتحدة (فرانس برس)

رقم واحد يكفي أحياناً لفضح فجوة كاملة بين الدعاية والواقع. كتب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء الجمعة، عبر منصة تروث سوشيال (Truth Social)، أن كأس العالم لكرة القدم الذي استضافته بلاده هذا الصيف "حقق للاقتصاد الأميركي أكثر من 18 مليار دولار، ووفّر فرص عمل لأكثر من 160 ألف شخص". الرقم بدا احتفالياً في ظاهره، لكنه يحمل في طياته اعترافاً ضمنياً بأن الوعود الأولى للبطولة كانت مبالغاً فيها بشكل كبير.

فقبل نحو عام ونصف، حين أعلن ترامب من المكتب البيضاوي، بحضور رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، عن تشكيل فريق عمل خاص بالبطولة، جرى تداول رقمين مختلفين تماماً: أكثر من 40 مليار دولار كأثر اقتصادي، و200 ألف فرصة عمل. اليوم، وبعد انتهاء البطولة فعلياً، يعلن ترامب نفسه رقماً أقل بأكثر من النصف على مستوى العائد، وأقل بنحو الخُمس على مستوى الوظائف.

من 40 مليار دولار إلى 18: مسار الوعد المتراجع

تطور الرقم المعلن لعائد كأس العالم 2026 على الاقتصاد الأميركي

المصادر: البيت الأبيض (مارس 2025)، تحليل الفيفا والتجارة العالمية المشترك، تصريح ترامب (سبتمبر 2026)

اللافت أن الرقم الذي أعلنه ترامب أخيراً لا يقترب من الوعد الأول (40 مليار دولار)، بل يقترب أكثر من تقدير رسمي أكثر تحفظاً كان قد صدر في منتصف الطريق: ففي تحليل مشترك بين الفيفا ومنظمة التجارة العالمية نُشر قبل انطلاق البطولة، قُدّر الأثر على الناتج المحلي الإجمالي الأميركي تحديداً بنحو 17.2 مليار دولار، من إجمالي أثر عالمي بلغ 40.9 مليار دولار موزعاً على الدول المضيفة الثلاث ومنظومة كرة القدم العالمية بأكملها. بعبارة أخرى، الرقم الذي بدا وكأنه إنجاز شخصي أعلنه ترامب يطابق تقريباً ما كانت الجهة المنظمة نفسها تتوقعه بهدوء منذ البداية، بعيداً عن الأرقام التي رُوّج لها سياسياً في أميركا وحدها.

أين تذهب المليارات فعلياً؟

تفصيل الأثر الاقتصادي العالمي المعلن من الفيفا

البندالقيمة العالميةحصة الولايات المتحدة
الناتج المحلي الإجمالي40.9 مليار دولار≈17.2 مليار دولار
الإنتاج الإجمالي80.1 مليار دولار≈30.5 مليار دولار (مع كندا والمكسيك)
الوظائف المباشرة وغير المباشرة824 ألف وظيفةغير مفصّلة رسمياً

المفارقة أن الجزء الأكبر من عوائد البطولة لا يذهب أصلاً لخزائن الدول المضيفة، بل لصندوق الفيفا نفسه عبر حقوق البث والرعاية وبيع التذاكر، وهي إيرادات يُتوقع أن تتجاوز 13 مليار دولار لدورة 2023-2026 وحدها. في المقابل، تحمّلت الحكومة الفدرالية الأميركية وحدها نحو 625 مليون دولار لتأمين المدن المضيفة، فيما تشير تقديرات إلى أن المدن الأميركية تواجه عجزاً لا يقل عن 250 مليون دولار لتغطية نفقات إضافية لم تكن في الحسبان.

لماذا تُبالغ تقديرات الأثر الاقتصادي عادة؟

  • ١

    إحلال لا خلق

    جزء كبير من إنفاق مشجعي المونديال يحلّ محل إنفاق سياح أو رجال أعمال كانوا سيزورون المدن نفسها لولا الزحام وارتفاع الأسعار، فتُحتسب الأولى دون خصم الثانية.

  • ٢

    تسرّب الأموال خارج الاقتصاد المحلي

    حصة كبيرة من الإنفاق تذهب لشركات وسلاسل فنادق وطيران عالمية، لا للاقتصادات المحلية المضيفة، ما يجعل المضاعف الفعلي أقل بكثير من الافتراضات المستخدمة في دراسات الأثر.

  • ٣

    تكلفة الفرصة البديلة

    كل دولار يُنفق على الأمن والبنية التحتية المؤقتة للبطولة هو دولار لم يُستثمر في التعليم أو النقل أو الإسكان، وهو ما تتجاهله معظم تقديرات "الفوز الاقتصادي" المعلنة قبل الأحداث الكبرى.

دروس من نسخ سابقة: التاريخ لا يُطمئن

البطولةالإنفاق التقديريمساهمة فعلية في الناتج المحلي
جنوب أفريقيا 2010≈3.6 مليارات دولار0.2%–0.5%
البرازيل 2014≈11.5 مليار دولارشبه معدومة، تلتها أزمة ركود
روسيا 2018≈11.6 مليارات دولار0.2%–0.3%
قطر 2022≈200 مليار دولار0.7%–1.0% (صندوق النقد الدولي)

وفق هذا النمط التاريخي، يُقدّر محللون أن الأثر الحقيقي لمونديال 2026 على الاقتصاد الأميركي البالغ حجمه نحو 31.8 تريليون دولار لا يتجاوز عملياً 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل تقريباً حجم النشاط الاقتصادي الأميركي في أقل من خمس ساعات عادية. الفارق الوحيد هذه المرة أن الملاعب كانت جاهزة أصلاً في الولايات المتحدة، ما جنّب واشنطن مصير "الأفيال البيضاء" التي أثقلت كاهل البرازيل وجنوب أفريقيا بملاعب مهجورة بعد رحيل الجماهير.

18 مليار$ الرقم الذي أعلنه ترامب
160 ألف فرص العمل المعلنة
22 مليار$ الفجوة عن الوعد الأول
%0.1 تقدير حصة الأثر من الناتج الأميركي

حين يعلن رئيس دولة رقماً اقتصادياً بنبرة الإنجاز، والرقم نفسه يقترب من أكثر التقديرات المستقلة تحفظاً لا من أكثرها تفاؤلاً، فإن الاحتفال يتحول إلى اعتراف صامت بأن الوعود الأولى كانت أقرب إلى الدعاية السياسية منها إلى الحساب الاقتصادي. السؤال الذي يترك مفتوحاً الآن: هل ستُقاس نجاحات الأحداث الرياضية الكبرى مستقبلاً بأرقام محققة قابلة للتدقيق، أم ستبقى رهينة أرقام تُطلق قبل صافرة البداية ولا تُراجَع بعد صافرة النهاية؟

المصادر:

  1. سبوتنيك عربي — ترامب يكشف حجم الإيرادات التي حققها كأس العالم (5 سبتمبر 2026)
  2. الجزيرة نت — كأس العالم 2026: من يربح المليارات الفيفا أم الدول المضيفة؟ (9 يونيو 2026)
  3. Statistics of the World — اقتصاديات مونديال 2026: وعود 40.9 مليار دولار مقابل الواقع (28 يونيو 2026)
  4. الاقتصادية — مونديال 2026 قوة ناعمة تضخ 80.1 مليار دولار في الاقتصاد العالمي
  5. الخليج — تقدير مبكر بنحو 17 مليار دولار كعائد اقتصادي أميركي (24 يونيو 2026)

الوسوم

مونديال 2026 | الاقتصاد الأميركي | فيفا | الوعود الاقتصادية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

ساعات بين ضربتين في لارك والأردن: التصعيد الأميركي الإيراني يعيد مخاطر النفط والملاحة إلى الواجهة

المقايضة الكبرى: هل يمكن تصفير ديون مصر بالأصول؟ ولماذا قالت الحكومة إن قناة السويس خط أحمر؟

من قمة 5594 دولاراً إلى استقرار قرب 4410: لماذا لا يزال الذهب حساساً لكل تصريح من ترامب؟