تهديدات متبادلة بين طهران وتل أبيب بعد السيطرة الإسرائيلية على تلة علي الطاهر

-- دقائق
سياسة وجيوسياسة

تحولت مرتفعات استراتيجية في جنوب لبنان إلى نقطة احتكاك بين إسرائيل وإيران، بعدما حذرت طهران من رد واسع على أي هجوم، ثم أعلنت إسرائيل السيطرة العملياتية على الموقع ورفعت سقف تهديداتها ضد إيران.

تهديدات متبادلة بين طهران وتل أبيب بعد السيطرة الإسرائيلية على تلة علي الطاهر

صورة توضيحية أصلية للمشهد الجبلي في جنوب لبنان والتوتر العسكري المحيط بتلة علي الطاهر.

لم تعد تلة علي الطاهر مجرد موقع متنازع عليه بين إسرائيل وحزب الله. خلال أيام قليلة انتقلت القضية إلى مستوى آخر بعدما كشفت وكالة رويترز أن إيران حذرت الولايات المتحدة من رد واسع إذا شنت إسرائيل هجوماً شاملاً على الموقع، ثم أعلنت إسرائيل في 3 سبتمبر تحقيق ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على المرتفعات فوق الأرض وتحتها.

المفارقة أن التهديد الإيراني سبق العملية الإسرائيلية، بينما جاءت التصريحات الإسرائيلية اللاحقة لتوسّع دائرة الردع من جنوب لبنان إلى إيران نفسها. وهنا تكمن أهمية الحدث. فالموقع الذي لا تتجاوز قيمته الجغرافية نطاقاً محدوداً أصبح اختباراً لحدود النفوذ الإيراني، ولقدرة إسرائيل على فرض منطقة أمنية داخل لبنان من دون فتح مواجهة مباشرة جديدة مع طهران.

600 متر تقريباً ارتفاع مرتفعات علي الطاهر
15 كم تقريباً عن الحدود الإسرائيلية
3 مسؤولين أبلغوا رويترز بالتحذير الإيراني
36 الفرقة الإسرائيلية المشاركة في العملية

لماذا اكتسبت تلة صغيرة هذا الوزن العسكري؟

تقع مرتفعات علي الطاهر على مسافة تقارب 15 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية، وتمنح موقعها المرتفع رؤية واسعة على أجزاء من جنوب شرق لبنان. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن حزب الله أنشأ تحت المنطقة بنية تحتية عسكرية تشمل مركز قيادة ومنشآت لتخزين الأسلحة.

وتزداد أهمية الموقع بسبب ارتباطه بمنظومة المرتفعات المحيطة بقلعة الشقيف وإقليم التفاح. لذلك لا تنظر إسرائيل إلى التلة باعتبارها قطعة أرض منفردة، بل كجزء من منظومة جغرافية تسمح بالمراقبة والتحرك وإدارة النيران في مساحة واسعة من جنوب لبنان.

بحسب الرواية الإسرائيلية، عملت قوات الفرقة 36 خلال الأسابيع الماضية على مسارين تحت الأرض، وأعلنت في 3 سبتمبر تحقيق «سيطرة عملياتية» فوق الأرض وتحتها. كما قالت إن عمليات تحييد البنية التحتية المكتشفة ما زالت مستمرة. 1

كيف تحولت قضية علي الطاهر من موقع محلي إلى أزمة إقليمية؟

الرسم توضيحي تحليلي، وليس مقياساً كمياً. المصدر: تحليل يستند إلى تطورات رويترز والتصريحات الإسرائيلية.

التحذير الإيراني كان أوسع من حماية موقع لبناني

وفق ثلاثة مسؤولين أبلغوا رويترز بمضمون الرسالة، حذرت طهران واشنطن من أنها سترد بقوة على أي هجوم إسرائيلي واسع على علي الطاهر. وأُرسلت الرسالة في منتصف أغسطس تقريباً عبر سلطنة عُمان، التي تؤدي دوراً في الاتصالات غير المباشرة بين الأطراف.

وقال مسؤولان إن أكثر من عشرة من عناصر الحرس الثوري الإيراني، بينهم ضابطان كبيران على الأقل، كانوا موجودين في المنطقة إلى جانب مقاتلي حزب الله. لكن رويترز لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الوضع العسكري داخل المرتفعات، كما لم يؤكد حزب الله أو ينف وجود القوات الإيرانية هناك. 2

!

ما هو المؤكد وما هو غير المؤكد؟

المؤكد أن رويترز نشرت مضمون التحذير استناداً إلى ثلاثة مسؤولين. أما وجود عناصر الحرس الثوري داخل علي الطاهر وعددهم ومواقعهم الدقيقة فتبقى معلومات منسوبة إلى مصادر لم تكشف الوكالة هويتها ولم تتمكن من التحقق منها بشكل مستقل.

إسرائيل لم تتعامل مع التهديد الإيراني كسبب للتراجع

أعلنت إسرائيل بعد ذلك تحقيق سيطرة عملياتية على المنطقة. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن مرتفعات علي الطاهر لم تعد تشكل تهديداً لإسرائيل، وربط الموقع بقدرة حزب الله على تهديد مستوطنات شمال إسرائيل وإمكان تنفيذ هجوم باتجاه الجليل.

هذه الخطوة تحمل دلالة استراتيجية تتجاوز نتيجة العملية نفسها. إسرائيل تقول عملياً إن وجود تهديد إيراني محتمل لا يمنح طهران حق الفيتو على عملياتها في جنوب لبنان.

ومن زاوية أخرى، فإن الإعلان الإسرائيلي يضع إيران أمام معضلة أصعب. فقد حذرت طهران من الرد قبل الهجوم، لكن إسرائيل نفذت العملية وأعلنت السيطرة على الموقع. وإذا تحولت التهديدات إلى رد مباشر، فلن يكون السؤال متعلقاً بحزب الله وحده، بل باحتمال فتح جبهة إسرائيلية إيرانية جديدة.

الرسالة الإسرائيلية المضادة ذهبت مباشرة إلى طهران

في اليوم نفسه تقريباً، رفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف التهديد تجاه إيران. وقال إن أي هجوم إيراني على إسرائيل سيمنح الجيش الإسرائيلي حرية أكبر في استهداف البنية التحتية الإيرانية، بما فيها منشآت الطاقة.

وتشير هذه التصريحات إلى أن إسرائيل لا تريد فصل الملف اللبناني عن المواجهة الأوسع مع إيران. فإذا كان التهديد الإيراني يربط مستقبل علي الطاهر باحتمال رد على إسرائيل، فإن الرد الإسرائيلي المقابل يربط أي هجوم إيراني محتمل باستهداف البنية التحتية الإيرانية على نطاق أوسع. 3

«أي هجوم إيراني على إسرائيل سيحررنا من كل القيود» — يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، 3 سبتمبر 2026.

المعادلة الجديدة تجعل جنوب لبنان جزءاً من الردع الإيراني-الإسرائيلي

طهران

رد واسع

في حال شن إسرائيل هجوماً شاملاً على علي الطاهر

مقابل

تل أبيب

تصعيد أوسع

في حال ردت إيران على إسرائيل

هذه المعادلة لا تعني أن حرباً مباشرة بين إيران وإسرائيل أصبحت حتمية. لكنها تعني أن هامش الخطأ أصبح أضيق.

فإذا ردت إيران على عملية في لبنان، يمكن لإسرائيل تقديم الرد باعتباره دفاعاً عن أراضيها. وإذا امتنعت طهران عن الرد، فقد تواجه كلفة سياسية داخل محور حلفائها بسبب عدم تنفيذ التهديد الذي سبق العملية.

لهذا تبدو علي الطاهر اختباراً لمصداقية الردع أكثر من كونها اختباراً للسيطرة على تلة. الطرف الذي يهدد ثم لا ينفذ يغامر بتآكل مصداقيته. والطرف الذي يرد على التهديد بضربة أوسع يغامر بتحويل أزمة محدودة إلى مواجهة إقليمية.

واشنطن في موقع الوسيط الذي لا يريد الحرب

تكشف الرسالة الإيرانية الموجهة إلى واشنطن عبر عُمان أن طهران لم تختر مواجهة إسرائيل مباشرة منذ البداية. فقد نقلت التحذير إلى طرف ثالث، في محاولة على ما يبدو لتعديل سلوك إسرائيل من خلال الولايات المتحدة بدلاً من الدخول فوراً في مواجهة عسكرية.

لكن هذه الآلية تعرضت لاختبار صعب بعد الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على الموقع. كما أن مسؤولاً في البيت الأبيض نفى، وفق رويترز، أن تكون واشنطن قد مارست ضغطاً على إسرائيل لعدم مهاجمة علي الطاهر. 4

وهذا مهم لأن قدرة الولايات المتحدة على منع التصعيد ستتحدد ليس بالتصريحات فقط، بل بقدرتها على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة بين إسرائيل وإيران وحزب الله في اللحظة التي يصبح فيها الرد العسكري خياراً مطروحاً.

لماذا قد تكون المعركة الحقيقية بعد السيطرة على التلة؟

السيطرة على المرتفعات لا تعني انتهاء المشكلة. الجيش الإسرائيلي قال إن عمليات تحييد المنشآت والأنفاق المكتشفة ما زالت مستمرة، بينما يظل السؤال السياسي مفتوحاً حول طبيعة الوجود الإسرائيلي في المنطقة ومدته.

إذا تحولت علي الطاهر إلى جزء ثابت من منطقة أمنية إسرائيلية، فإن العملية ستتجاوز هدف تدمير بنية حزب الله إلى إعادة رسم الواقع الأمني في جنوب لبنان. وهذا قد يصطدم مباشرة بأي مسار تفاوضي لبناني إسرائيلي يسعى إلى تثبيت ترتيبات ما بعد الحرب.

كما أن وجود القوات الإسرائيلية على الأرض يمنح تل أبيب ورقة تفاوضية إضافية. فبدلاً من التفاوض على انسحاب من موقع متنازع عليه، يمكن أن تصبح السيطرة على الموقع نفسها جزءاً من شروط أي تسوية لاحقة.

ثلاثة مسارات محتملة من هنا

المسار ما الذي يدفع إليه؟ النتيجة المحتملة
الاحتواء امتناع إيران عن الرد المباشر واستمرار الاتصالات تثبيت السيطرة الإسرائيلية مع تجنب حرب إقليمية
تصعيد محدود رد من حزب الله أو إيران دون استهداف واسع جولة قتال جديدة في جنوب لبنان مع احتواء نسبي
تصعيد إقليمي هجوم إيراني مباشر على إسرائيل ورد إسرائيلي واسع انتقال الأزمة من لبنان إلى مواجهة إيران وإسرائيل

السيناريو الأرجح ليس الحرب الشاملة بل اختبار حدود الردع

في المدى القصير، يبدو سيناريو الاحتواء أكثر اتساقاً مع مصالح الأطراف من حرب مفتوحة. إيران لا تحتاج بالضرورة إلى الرد على كل تحرك إسرائيلي كي تحافظ على نفوذها، وإسرائيل حصلت بالفعل على ما تعتبره مكسباً عسكرياً في الموقع.

لكن الخطر يكمن في الحسابات غير المقصودة. صاروخ واحد، أو استهداف عنصر إيراني رفيع المستوى، أو سقوط عدد كبير من الضحايا قد يفرض على أحد الأطراف رداً أكبر من المخطط له.

أما السيناريو الأخطر فيتمثل في انتقال الرد من جنوب لبنان إلى الأراضي الإسرائيلية ثم إلى أهداف إيرانية. عندها تصبح منشآت الطاقة والبنية التحتية الإيرانية جزءاً من معادلة الرد، وهو ما هدد به كاتس صراحة.

لبنان يدفع ثمن معادلة تتجاوز حدوده

المشكلة الأساسية بالنسبة إلى لبنان أن القرار العسكري في علي الطاهر لم يعد محصوراً في بيروت. إسرائيل تنظر إلى الموقع باعتباره جزءاً من أمنها الحدودي، وحزب الله يعتبره جزءاً من بنيته العسكرية، وإيران تربط استهدافه بمصالحها الإقليمية.

وهكذا تصبح الدولة اللبنانية أمام واقع تتحرك فيه ثلاثة مستويات من القرار فوق مساحة جغرافية واحدة. وكلما ارتفع مستوى التدخل الإيراني والإسرائيلي، تقلص هامش المناورة أمام الحكومة والجيش اللبنانيين في أي مسار تفاوضي.

لذلك فإن مستقبل علي الطاهر لن يحدد فقط شكل الانتشار العسكري في جنوب لبنان. قد يحدد أيضاً ما إذا كانت الترتيبات الأمنية المقبلة ستنتج منطقة حدودية مؤقتة أم واقعاً إسرائيلياً طويل الأمد.

تلة علي الطاهر كشفت نقطة ضعف في معادلة الردع أكثر مما كشفت قوة عسكرية جديدة. إيران هددت قبل العملية، وإسرائيل نفذت العملية رغم التهديد، ثم انتقل الردع إلى مستوى أعلى عندما لوّحت تل أبيب بضرب البنية التحتية الإيرانية إذا ردت طهران. السؤال الآن ليس من يسيطر على التلة فقط، بل هل تستطيع واشنطن وعواصم المنطقة منع هذه السلسلة من الردود من تحويل موقع في جنوب لبنان إلى شرارة لمواجهة مباشرة بين إيران وإسرائيل؟

المصادر

الوسوم

تلة علي الطاهر | إيران وإسرائيل | حزب الله | جنوب لبنان | التصعيد الإسرائيلي الإيراني

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

ساعات بين ضربتين في لارك والأردن: التصعيد الأميركي الإيراني يعيد مخاطر النفط والملاحة إلى الواجهة

المقايضة الكبرى: هل يمكن تصفير ديون مصر بالأصول؟ ولماذا قالت الحكومة إن قناة السويس خط أحمر؟

من قمة 5594 دولاراً إلى استقرار قرب 4410: لماذا لا يزال الذهب حساساً لكل تصريح من ترامب؟