365 تريليون دولار ديون عالمية: فاتورة الفائدة وحدها تفوق إنفاق العالم على الذكاء الاصطناعي والدفاع
معهد التمويل الدولي يرصد أكبر رقم قياسي في تاريخ الدين العالمي، ويحذر من "مستقبل تموله الديون" وسط غياب أي حافز سياسي حقيقي لكبح الاقتراض
لم يعد الدين العالمي مجرد رقم يتضخم في تقارير نصف سنوية دورية، بل صار بحسب أحدث بيانات معهد التمويل الدولي (IIF) واقعاً يعيد تشكيل قواعد اللعبة المالية نفسها. تجاوز إجمالي الدين العالمي 365 تريليون دولار بنهاية النصف الأول من 2026، بعدما أضاف العالم أكثر من 10 تريليونات دولار إلى رصيده خلال ستة أشهر فقط، في سادس ارتفاع فصلي متتالٍ يسجله المعهد.
المفارقة الأعمق لا تكمن في حجم الرقم بقدر ما تكمن في اتجاهه. فبينما ارتفعت كلفة الاقتراض إلى مستويات لم تشهدها الاقتصادات الكبرى منذ أزمة 2008 المالية، واصلت الحكومات والشركات الاستدانة بلا كابح يُذكر. تقرير المعهد، الصادر تحت عنوان "مستقبل تموله الديون"، يرسم صورة عالم لم يعد يقترض لمواجهة أزمة عابرة، بل لتمويل احتياجات بنيوية طويلة الأمد لا تلين معها أسعار الفائدة.
من يقود موجة الـ10 تريليونات؟
قادت الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها الصين، هذه الزيادة بإضافة نحو 6.5 تريليون دولار وحدها، فيما جاء الباقي من الاقتصادات المتقدمة وبقية القطاعات. ومع ذلك، جاءت الزيادة الإجمالية أقل من نصف مستواها في الفترة نفسها من عام 2025، حين بلغت 21 تريليون دولار، بفعل أثر ارتفاع أسعار الفائدة وكلفة خدمة الدين وأسعار الطاقة، إلى جانب تداعيات حرب إيران، على شهية الجهات المصدرة للاقتراض.
من أضاف الديون في النصف الأول من 2026؟
المصدر: معهد التمويل الدولي — تقرير "Global Debt Monitor" (سبتمبر 2026)
كان التباطؤ أكثر وضوحاً لدى المؤسسات المالية والأسر، الأكثر تأثراً بأسعار الفائدة، لكن نمو الدين الإجمالي ظل أعلى من متوسط السنوات الخمس الماضية. المعهد يرى أن تباطؤ الوتيرة لا يبدد دوافع الاقتراض على المدى الأطول، إذ يتوقع أن يبلغ الإنفاق العالمي على الصحة وأمن الطاقة والذكاء الاصطناعي وتقنية المعلومات والدفاع نحو 25 تريليون دولار هذا العام وحده، أي ما يعادل قرابة خُمس الناتج العالمي.
فاتورة الفائدة تتجاوز أولويات العالم الكبرى
تَظهر ضغوط الاقتراض المرتفع بوضوح في موازنات الاقتصادات المتقدمة. فمتوسط كلفة الاقتراض الحكومي في مجموعة السبع بلغ أعلى مستوياته منذ منتصف 2008، فيما ارتفعت مصروفات الفائدة السنوية بنحو 85%. والأرقام هنا لا تحتمل تأويلاً: دفعت الاقتصادات المتقدمة خلال الاثني عشر شهراً الماضية أكثر من 3.5 تريليون دولار فوائد على السندات الحكومية المتداولة دولياً وحدها — رقم يفوق الإنفاق العالمي المقدر على الذكاء الاصطناعي (2.6 تريليون دولار)، أو الدفاع (3.1 تريليون دولار)، أو الطاقة (3.4 تريليون دولار)، كلاً على حدة.
فاتورة الفائدة مقابل أولويات الإنفاق العالمي الكبرى (تريليون دولار)
المصدر: معهد التمويل الدولي، عبر الشرق بلومبرغ وفوربس (سبتمبر 2026)
هذا الاتساع بين كلفة الدين القديم وحاجة العالم لتمويل أولوياته الجديدة هو ما يفسر تصاعد التحذيرات من "جدار استحقاقات" ضخم يقترب. فبينما تمتص الأسواق حتى الآن موجة الإصدارات القياسية دون اضطراب ظاهر، يحذر مصرفيون كبار من أن الهدوء الحالي قد لا يدوم.
"ستشهد الأسواق نوعاً من أزمة سندات." — جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك جي بي مورجان تشيس (تصريح سابق خلال العام الجاري)
الاقتراض أسهل سياسياً من ضبط الإنفاق
لا حافز سياسي لكبح الدين
أشار التقرير إلى لجوء الحكومات لرفع الإنفاق رغم المتانة النسبية لأسواق العمل، بدلاً من توظيف السياسة المالية كأداة دعم أثناء الأزمات فقط. ويرى المعهد أن فترة الانتخابات التي تمر بها عدة اقتصادات، من بينها الولايات المتحدة، قد تزيد الضغوط، في غياب أي حوافز حقيقية لدى صانعي السياسات لمعالجة قضية ارتفاع الديون.
✅ ما يمنح الأسواق الناشئة هامش أمان
- ظروف تمويل خارجي مواتية بصورة غير معتادة للأسواق الناشئة
- وتيرة قياسية لإصدارات سندات اليوروبوند (Eurobond) السيادية بقيادة المكسيك والسعودية وبولندا وتركيا
- ضعف الدولار الأمريكي واستمرار تجارة الفائدة (carry trade) يدعمان الأصول المحلية للأسواق الناشئة
⚠️ مصادر الضغط في الاقتصادات المتقدمة
- متوسط كلفة الاقتراض الحكومي في مجموعة السبع عند أعلى مستوى منذ 18 عاماً
- مصروفات الفائدة السنوية ارتفعت نحو 85%
- أكثر من 12 تريليون دولار استحقاقات سندات وقروض للأسواق المتقدمة خلال ما تبقى من 2026
الذكاء الاصطناعي لا يزاحم السندات الحكومية.. حتى الآن
لا أدلة كافية بعد
يقول التقرير إن الأدلة على مزاحمة اقتراض شركات الذكاء الاصطناعي للتمويل الحكومي ما زالت محدودة حتى الآن؛ فحصة الشركات غير المالية من إصدارات السندات ظلت مستقرة، وتوجه شركات التكنولوجيا إلى آجال أطول حدّ من المنافسة المباشرة مع سندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل. لكن تزايد المعروض من سندات الشركات طويلة الأجل قد يضيف ضغطاً على عوائد هذه السندات مستقبلاً.
| المؤشر | القيمة | ملاحظة |
|---|---|---|
| ديون الشركات الأمريكية غير المالية | 24 تريليون دولار | إصدارات سندات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي بوتيرة قياسية |
| حصة قروض الائتمان الخاص من هذه الديون | أكثر من 5% | مقابل نحو 1% فقط في 2014 |
| استحقاقات الأسواق الناشئة المتبقية في 2026 | أكثر من 3.5 تريليون دولار | مع استمرار الاعتماد على العملات الصعبة |
مسار متسارع: كيف تضخم الدين العالمي خلال 8 سنوات؟
-
الربع الأول 2018
247 تريليون دولار
أول تجاوز قياسي كبير يرصده معهد التمويل الدولي في العقد الماضي.
-
الربع الثالث 2023
307.4 تريليون دولار
تحذيرات من أن صعود التيارات الشعبوية قد يدفع الدين لمزيد من الارتفاع.
-
نهاية 2025
348 تريليون دولار
زيادة قياسية بلغت نحو 29 تريليون دولار خلال عام واحد فقط.
-
مايو 2026
353 تريليون دولار
أسرع زيادة فصلية منذ منتصف 2025، مدفوعة باقتراض حكومي أمريكي وصيني.
-
سبتمبر 2026 (الحالي)
أكثر من 365.5 تريليون دولار
رقم قياسي جديد، وسادس ارتفاع فصلي متتالٍ للدين العالمي.
الرسالة الأعمق في تقرير معهد التمويل الدولي ليست في الرقم القياسي نفسه، بل في وصفه للدين بأنه صار قضية سياسية بقدر ما هو قضية مالية؛ حلقة مفرغة بين مواعيد الانتخابات وحلول الإنفاق قصيرة الأجل. فبينما تمتص الأسواق اليوم موجة الاقتراض القياسية بهدوء ظاهري، يبقى السؤال معلقاً: هل يكفي هذا الهدوء لاحتواء جدار استحقاقات يقترب، أم أن العالم يقترض اليوم من رفاهية الغد؟
المصادر:
- الشرق بلومبرغ — ديون العالم تتجاوز 365 تريليون دولار (23 سبتمبر 2026)
- South China Morning Post — Led by China and US borrowing, world owes record $365 trillion (23 سبتمبر 2026)
- Forbes — $365 Trillion And Rising: Inside The World's Debt Rollover Crunch (23 سبتمبر 2026)
- The Standard (عبر رويترز) — Emerging market surge lifts global debt to record (24 سبتمبر 2026)
- معهد التمويل الدولي (IIF) — صفحة تقرير Global Debt Monitor الرسمية
الوسوم
الدين العالمي | معهد التمويل الدولي | ديون الأسواق الناشئة | كلفة الاقتراض | الذكاء الاصطناعي والديون

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار