77 وفدًا يديرون ظهورهم لنتنياهو: مشهد العزلة الذي تكرر للمرة الثالثة أمام الأمم المتحدة
صعد رئيس الوزراء الإسرائيلي منصة الجمعية العامة في نيويورك فوجد نصف القاعة فارغًا، فوصف المنسحبين بـ"الجبناء أخلاقيًا" وواصل خطابه أمام صفوف شبه خالية
أعضاء وفود يغادرون مقاعدهم فور صعود نتنياهو إلى المنصة في الدورة الـ81 للجمعية العامة، نيويورك، 24 سبتمبر 2026 —(الحيرة نت)
لم يكن نتنياهو قد نطق كلمة واحدة بعد حين بدأت المقاعد تفرغ من حوله. فور إعلان اسمه للصعود إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء الخميس، وقف عشرات المندوبين وغادروا القاعة في صمت مدروس، تاركين خلفهم صفوفًا شبه خالية استقبل بها رئيس الوزراء الإسرائيلي كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية.
الحدث لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان متوقعًا؛ فالبعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة كانت قد وجّهت مذكرة إلى بعثات الدول الأعضاء تدعوها فيها للمشاركة في انسحاب جماعي عند بدء خطابه. وجاءت الاستجابة واسعة: غادرت الوفود العربية والإسلامية في معظمها، إلى جانب عدد من الدول الأفريقية وبعض الدول الأوروبية وأمريكا اللاتينية، بحيث لم يتبقَّ في القاعة عند بلوغ نتنياهو المنصة أكثر من الوفد الأمريكي وحفنة من الحضور الآخرين.
مشهد يتكرر للمرة الثالثة
لم يكتفِ نتنياهو بتجاهل المشهد؛ بل خاطب من تبقى في القاعة بلهجة تحدٍ منذ الجملة الأولى في كلمته، مطالبًا من لم يغادر بعد بأن يحذو حذو زملائه.
"إن كان هناك مزيد من الجبناء الذين لم يغادروا القاعة، أطلب منهم المغادرة الآن." — بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي
ووصف نتنياهو المنسحبين بـ"الجبناء أخلاقيًا"، مضيفًا أن إسرائيل بدفاعها عن نفسها "دافعت أيضًا عن كثير من الدول" التي غادر ممثلوها القاعة، زاعمًا أن قادة بعضها "شكروا إسرائيل سرًا" على ضرب المنشآت النووية الإيرانية، ومعتبرًا ذلك دليلًا على ما سمّاه "نفاق العالم". وقبل بدء الخطاب، اضطر رئيس الجمعية العامة، وزير خارجية بنغلاديش السابق خليل الرحمن، إلى مطالبة الحاضرين مرارًا بالحفاظ على النظام وسط صيحات الاستهجان والهتافات التي رافقت صعود نتنياهو.
WATCH: Netanyahu is booed as he begins his UNGA speech, with many delegations walking out of the General Assembly hall. pic.twitter.com/ldaiBQ0KFk
— Clash Report (@clashreport) September 24, 2026
لقطات متداولة توثّق لحظة صيحات الاستهجان وبدء الانسحاب الجماعي فور صعود نتنياهو المنصة
الأرقام المتداولة عن حجم الانسحاب تباينت بين وصفه بأنه "عشرات الوفود" وبين ما نقلته تقارير غربية استنادًا إلى قناة فوكس نيوز من أن 77 وفدًا غادروا قبل أن يبدأ نتنياهو حديثه فعليًا، بقيادة ممثلي دول عربية وإسلامية وأفريقية. وليست هذه المرة الأولى التي يشهد فيها خطاب نتنياهو أمام الجمعية العامة هذا النمط من الاحتجاج؛ فالمشهد ذاته تكرر في الدورتين السابقتين، ما يرسّخه كطقس سنوي متصاعد الحدة أكثر منه استثناءً عابرًا.
خطاب مليء بالرموز: من جهاز البيجر إلى ستارلينك
لم يقتصر نتنياهو على المواقف السياسية اللفظية، بل استعان بعدد من الأدوات والرموز ليعزز روايته أمام الحضور المتبقي والكاميرات. فرفع جهاز بيجر أمام الجمعية العامة في إشارة إلى العملية الإسرائيلية التي استهدفت أجهزة اتصال يستخدمها عناصر من حزب الله اللبناني عام 2024، قائلًا: "تتذكرون أجهزة البيجر؟ يمكنني أن أقول لكم إن حزب الله أكيد يتذكرها".
وفي لقطة أخرى، رفع جهاز اتصالات ستارلينك (Starlink) المملوك لشركة إيلون ماسك، مستخدمًا إياه للحديث عن وصول الإيرانيين إلى الإنترنت وحرية التعبير، وقال إنه سيترك الجهاز للوفد الإيراني "حتى يتمكنوا، عندما ينشقون حتمًا، من سرد قصتهم على وسائل التواصل الاجتماعي".
ووجّه نتنياهو الشكر للرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ما وصفه بـ"القيادة الجريئة"، معتبرًا إياه "أعظم شريك" لإسرائيل، فيما وصف المستوطنين المتورطين في أعمال عنف بأنهم "حفنة من الأحداث المنحرفين". كما قال إن يهودًا كثرًا باتوا يشعرون بعدم الأمان في نيويورك منذ انتخاب عمدتها زهران ممداني (Zohran Mamdani)، الذي سبق أن دخل في مواجهة علنية مع نتنياهو بشأن مذكرة اعتقاله الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. وفي حديثه عن سوريا، وجّه نتنياهو رسالة إلى الرئيس أحمد الشرع بشأن الوجود الإسرائيلي في المنطقة العازلة بالجولان، مستندًا إلى ما وصفه بارتباط المنطقة بالتاريخ اليهودي منذ عهد موسى.
واختتم خطابه باستحضار قصة شقيقه يوني نتنياهو، قائد عملية عنتيبي الذي قُتل خلال عملية تحرير الرهائن عام 1976، مستعيدًا عبارة قال إنها تلخّص الموقف الإسرائيلي اليوم: "سننتصر، ليس لدينا خيار آخر".
عزلة دبلوماسية تتسع: الأرقام والسياق القانوني
السياق القانوني
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت (Yoav Gallant)، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. الخطاب أُلقي في نيويورك بينما لا تزال المذكرتان سارتين، وإن كانت واشنطن قد استبعدت تنفيذهما على أراضيها.
من غادر القاعة
- معظم الوفود العربية والإسلامية
- عدد من الدول الأفريقية
- بعض دول أوروبا وأمريكا اللاتينية
من بقي في القاعة
- الوفد الإسرائيلي، وصفّق لنتنياهو طوال الخطاب
- الوفد الأمريكي
- عدد محدود من الوفود الأخرى
يكتسب المشهد دلالة إضافية حين يوضع في سياق اليوم السابق مباشرة؛ فالجمعية العامة كانت قد صوّتت بأغلبية ساحقة للسماح للرئيس الفلسطيني محمود عباس بمخاطبتها عن بُعد، بعد أن رفضت واشنطن منحه تأشيرة دخول، فاستقبل خطابه المصوّر من رام الله بتصفيق حار من قاعة مكتظة. أقل من 24 ساعة بعدها، وقف نتنياهو على المنصة ذاتها ليجد أغلب تلك المقاعد فارغة، في تناقض حاد رصدته وسائل إعلام عدة كأحد أبرز مشاهد الدورة الـ81.
الانسحاب الجماعي لا يغيّر بذاته موقف إسرائيل القانوني أو السياسي داخل الأمم المتحدة؛ فالتصويت والعضوية لا يتأثران بمقاطعة خطاب. لكن حجم المشهد وتوقيته منحاه وزنًا رمزيًا وإعلاميًا تجاوز حدود القاعة نفسها. والمفارقة أن الجمهور الذي كان نتنياهو يخاطبه فعليًا لم يكن في نيويورك أصلًا، بل في إسرائيل نفسها، حيث تنتظره انتخابات مصيرية الشهر المقبل قد يخسرها. فكلما اتسعت العزلة الدولية، بدا الخطاب موجّهًا أكثر إلى صناديق الاقتراع الداخلية منه إلى قاعة أفرغها أصحابها قبل أن يبدأ الكلام.
المصادر:
الوسوم
نتنياهو | الأمم المتحدة | الجمعية العامة | انسحاب دبلوماسي | إسرائيل

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار