من 3.1% إلى 3.6%.. لماذا رفعت منظمة التعاون الاقتصادي توقعات التضخم العالمي للمرة الثانية خلال 2026؟
تقرير جديد يكشف أن مجموعة العشرين ستشهد تضخما أعلى مما كان متوقعا في 2027، في وقت رفع فيه الاحتياطي الفدرالي والمركزي الأوروبي وبنك اليابان الفائدة خلال أسبوع واحد فقط
متسوقون في شارع أكسفورد بلندن، حيث سجّل مؤشر أسعار المستهلك البريطاني 2.9% في يوليو/تموز 2026 — التضخم مرشح للبقاء أعلى من التوقعات خلال 2027 (أسوشيتد برس)
ثلاثة بنوك مركزية كبرى رفعت أسعار الفائدة في غضون أسبوع واحد فقط. الاحتياطي الفدرالي الأميركي، والمركزي الأوروبي، وبنك اليابان، جميعها اختارت التشديد النقدي في سبتمبر/أيلول الجاري. والمفاجئ أن هذه الجولة، بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، قد لا تكون الأخيرة.
رفعت المنظمة توقعاتها لتضخم أسعار المستهلك في جميع اقتصادات مجموعة العشرين (G20) باستثناء الصين والسعودية، مقارنة بتقديراتها الصادرة في يونيو/حزيران الماضي. الرسالة أن الضغوط التضخمية التي كان يُفترض أن تخفّ تدريجيا عادت للتصاعد من جديد، مدفوعة بصدمة متجددة في أسعار الطاقة وطلب استهلاكي أقوى مما كان متوقعا.
تعديل تصاعدي يشمل كل الاقتصادات الكبرى تقريبا
تضخم مجموعة العشرين — التوقعات قبل التعديل وبعده
المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عبر بلومبيرغ
وفق التوقعات الجديدة، يُرجَّح أن يبلغ التضخم في اقتصادات مجموعة العشرين 4.1% خلال 2026، ارتفاعا من 4% في تقديرات يونيو/حزيران، ثم يقفز إلى 3.6% في 2027 بدلا من 3.1% المُقدَّرة سابقا. وهذا يعني أن الانحدار التدريجي للتضخم الذي كانت البنوك المركزية تراهن عليه لعام كامل قادم بات أبطأ وأقل يقينا مما كان مفترضا قبل ثلاثة أشهر فقط.
الرسالة الأساسية أن البنوك المركزية يجب أن تبقى شديدة اليقظة. — ستيفانو سكاربيتا، كبير اقتصاديي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، نقلا عن بلومبيرغ
سكاربيتا ذهب أبعد من ذلك، مضيفا أن الاستجابة النقدية المطلوبة هذه المرة قد تحتاج إلى تدخل أكبر مما فعلته البنوك المركزية خلال موجة التضخم التي أعقبت عام 2022. وهي مقارنة لافتة، إذ تشير ضمنا إلى أن دورة التشديد الحالية ليست مجرد تعديل طفيف، بل قد تتطلب صبرا أطول من الأسواق التي كانت تراهن على تيسير نقدي قريب.
أسبوع واحد.. ثلاث رفعات فائدة
مبنى الاحتياطي الفدرالي في واشنطن.. المنظمة تتوقع رفعا إضافيا للفائدة الأميركية قبل نهاية العام (رويترز)
تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يرفع الفدرالي الفائدة مرة أخرى قبل نهاية 2026، إلى جانب زيادات محدودة إضافية في منطقة اليورو وأستراليا وكوريا الجنوبية، ومزيد من الرفع في اليابان. في المقابل، ترجّح المنظمة أن يُبقي بنك إنجلترا وبنك كندا الفائدة دون تغيير في الوقت الراهن.
| البنك المركزي | توقع المنظمة لبقية 2026 | تسعير الأسواق |
|---|---|---|
| الاحتياطي الفدرالي (أميركا) | رفع إضافي واحد | منقسمة بين رفع أو رفعتين |
| المركزي الأوروبي | رفع محدود إضافي | منقسمة بين رفع أو رفعتين |
| بنك إنجلترا | دون تغيير | منقسمة بين رفع أو رفعتين |
| بنك اليابان | مزيد من الرفع | تميل إلى رفع واحد إضافي |
| بنك كندا | دون تغيير | تميل إلى رفع بربع نقطة مئوية |
اللافت في الجدول أعلاه هو التباين حول بنك كندا تحديدا: بينما تراهن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على إبقائه الفائدة ثابتة، تميل تسعيرات الأسواق إلى توقع رفع فعلي بربع نقطة مئوية. هذا التباين يعكس حالة عدم اليقين التي تحيط بمسار السياسة النقدية في الاقتصادات المرتبطة تجاريا بالولايات المتحدة. ورغم توقع مزيد من التشديد، لا ترى المنظمة أن البنوك المركزية ستحتاج بالضرورة إلى تكرار وتيرة الزيادات الحادة التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية في 2022.
النمو يصمد.. لكن بدرجات متفاوتة
توقعات نمو الاقتصادات الكبرى — 2026 مقابل 2027
المصدر: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عبر بلومبيرغ
أبقت المنظمة المسار العام للنمو العالمي دون تغيير كبير مقارنة بتوقعات يونيو/حزيران، لكنها خفضت تقديراتها لكندا وفرنسا تحديدا. في الولايات المتحدة، رفعت المنظمة توقعاتها إلى 2.2% هذا العام و2.1% في 2027، مدعومة باستثمارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي عوّضت ضعف إنفاق المستهلكين. أما الصين فيُتوقع أن يتباطأ نموها إلى 4.5% ثم 4.2%، دون تغيير عن يونيو/حزيران، في حين يُرجَّح استقرار منطقة اليورو عند 1% في كلا العامين مع استمرار ضغط أسعار الطاقة والفائدة المرتفعة.
كندا كانت الأكثر تضررا من التعديل: خفضت المنظمة توقعها لنموها في 2026 إلى 0.9% من 1.2% سابقا، وفي 2027 إلى 1.3% من 1.7%، بسبب الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة على الصادرات الكندية. فرنسا أيضا شهدت خفضا في توقعاتها، مرتبطا هذه المرة بفترة من عدم الاستقرار السياسي الداخلي.
وأعادت المنظمة التأكيد على ضرورة إصلاح المالية العامة، معتبرة أن الارتفاعات الأخيرة في عوائد السندات تزيد الحاجة إلى ضبط الإنفاق الحكومي والسيطرة على أوضاع الموازنات في الاقتصادات المثقلة بالديون.
الذكاء الاصطناعي: فرصة ومصدر مخاطر في آن واحد
تناول تقرير المنظمة أيضا أثر الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى قدرته على تعزيز الإنتاجية والنمو، لكنها حذّرت في الوقت نفسه من أن العوائد المنتظرة من الاستثمارات الضخمة في القطاع قد تتأخر أو تأتي أقل من التوقعات.
تحذير من فقاعة استثمارية محتملة
حذّرت المنظمة من أن ضعف نمو أرباح شركات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تباطؤ ملموس في استثمارات القطاع، بما ينعكس على صناعات مرتبطة به كالهندسة والإنشاءات، ويضغط على تقييمات الأصول في الأسواق المالية.
كما رأت المنظمة أن تصاعد المخاوف الأمنية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يبطئ تطوير التكنولوجيا أو تبنيها، في وقت تشكّل فيه مستويات الرفع المالي وهياكل التمويل المعقدة مصدرا إضافيا للمخاطر على الاستقرار المالي العالمي.
الشرق الأوسط في صلب المعادلة
شددت المنظمة على أن آفاق الاقتصاد العالمي لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على إمكانية التوصل إلى حل دائم للصراع في الشرق الأوسط، محذّرة من أن التغيرات المستمرة في السياسات التجارية والرسوم الجمركية وقيود التصدير تزيد حالة عدم اليقين وتفاقم اضطرابات الإمدادات.
ما تكشفه توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذه المرة ليس مجرد تعديل رقمي عابر، بل انعكاس مسار كان يُفترض أن يسير في الاتجاه المعاكس. البنوك المركزية التي كانت تستعد لدورة تيسير نقدي وجدت نفسها مضطرة لمواصلة الرفع، والاقتصادات التي راهنت على تراجع تدريجي للأسعار تواجه الآن احتمال بقاء التضخم أعلى من المستهدف حتى 2027. السؤال الذي سيحدد المسار الفعلي ليس اقتصاديا بحتا، بل يتعلق بما إذا كان الهدوء الحالي في الشرق الأوسط سيصمد، أم أن صدمة طاقة جديدة ستعيد كتابة هذه التوقعات مرة أخرى.
المصادر:
- الجزيرة نت — التضخم العالمي يتسارع في 2027 وتوقعات بمزيد من رفع الفائدة (23 سبتمبر 2026) نقلا عن بلومبيرغ ورويترز
- الشرق الأوسط — منظمة التعاون الاقتصادي: الحرب تُبدد التوقعات الإيجابية للنمو العالمي وترفع التضخم —،خلفية عن مسار تعديلات المنظمة خلال 2026
- CNBC عربية — حرب إيران بددت توقعات تحسن النمو العالمي (26 مارس 2026) —خلفية عن الجذر الجيوسياسي للصدمة التضخمية
الوسوم
التضخم العالمي | منظمة التعاون الاقتصادي | أسعار الفائدة | الاحتياطي الفدرالي | مجموعة العشرين

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار