الفقر العالمي يرتفع إلى 1.2 مليار شخص.. لماذا لا تكشف الأرقام القصة كاملة؟

-- دقائق
أخبار اقتصادية

تقرير أممي يكشف زيادة 51.5 مليون فقير، رغم نجاح 33 دولة في خفض مؤشر الفقر إلى النصف.. والنمو السكاني ونقص البيانات يعقدان قراءة الأزمة.

الفقر العالمي يرتفع إلى 1.2 مليار شخص.. لماذا لا تكشف الأرقام القصة كاملة؟

مشرد ينام على رصيف أحد الشوارع، في مشهد يعكس جانبًا من أزمة الفقر العالمي. (صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي)

للمرة الأولى منذ إطلاق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد عام 2010، يسجل العدد الإجمالي للفقراء ارتفاعاً في التقديرات العالمية، ليصل إلى نحو 1.2 مليار شخص، وفق تقرير عام 2026 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية.

الزيادة البالغة 51.5 مليون شخص مقارنة بالإصدار السابق تثير سؤالاً يتجاوز حجم الفقر نفسه: هل تتراجع قدرة العالم على محاربة الحرمان، أم أن النمو السكاني ومحدودية البيانات الحديثة يجعلان التقدم المحقق أقل وضوحاً؟

وفق التقرير الأممي لعام 2026، يعيش 18.9% من سكان الدول الـ108 المشمولة بالمؤشر في فقر متعدد الأبعاد، من إجمالي 6.3 مليار نسمة تغطيهم الدراسة.

1.2 مليار شخص يعيشون الفقر متعدد الأبعاد
18.9% من سكان الدول المشمولة
51.5 مليون زيادة مقارنة بالإصدار السابق
33 دولة خفضت قيمة مؤشر الفقر للنصف في أقل من 15 عاماً

ارتفاع العدد لا يعني بالضرورة تدهور الأوضاع في كل دولة

التمييز بين عدد الفقراء ونسبتهم ضروري لفهم النتائج. فقد يتراجع معدل الفقر داخل دولة معينة، بينما يرتفع عدد الأشخاص الذين يعانون الحرمان إذا نما عدد السكان بوتيرة أسرع من انخفاض نسبة الفقر.

وتظهر هذه المفارقة في أنغولا وزامبيا، حيث تراجعت معدلات الفقر متعدد الأبعاد، لكن النمو السكاني تجاوز أثر التحسن، فارتفع العدد الإجمالي للفقراء في البلدين.

بمعنى آخر، لا يكفي أن تنخفض نسبة الفقر لإثبات أن عدد المتضررين يتراجع. فالنجاح في خفض العبء العددي يتطلب تحسناً يتجاوز أثر الزيادة السكانية.

ⓘ
كيف نقرأ الزيادة العالمية؟

رقم 51.5 مليون يعبر عن الفرق بين تقديرات إصدارين متتاليين للمؤشر. ولا يعني أن جميع هؤلاء الأشخاص دخلوا الفقر خلال عام واحد، أو أن أوضاع جميع الدول تدهورت في الفترة نفسها.

13 دولة فقط ببيانات جديدة.. أين تكمن مشكلة القياس؟

تكشف نتائج التقرير عن تحدٍّ إحصائي لا يقل أهمية عن زيادة عدد الفقراء. فقد أضيفت مسوح جديدة لـ13 دولة فقط من أصل 108 دول يغطيها إصدار 2026، بينما تستند تقديرات الدول الأخرى إلى أحدث البيانات المتاحة لديها، والتي قد تعود إلى سنوات سابقة.

هذه الفجوة لا تجعل المؤشر بلا قيمة، لكنها تحد من إمكانية التعامل معه باعتباره قياساً آنياً ومتزامناً للفقر في جميع الدول. كما أن المقارنة بين الإصدارات تحتاج إلى مراعاة اختلاف تواريخ المسوح والتغطية السكانية.

توافر مسوح جديدة في إصدار مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 2026

13 دولة من أصل 108، أي نحو 12% من الدول المشمولة. المصدر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2026.

وبالتالي، لا يمكن الجزم بأن الزيادة المسجلة تعكس اتجاهاً موحداً في مستويات المعيشة خلال عام 2026. فبعض النتائج تصف أوضاعاً رُصدت في سنوات سابقة، وإن كانت تدخل ضمن أحدث صورة إحصائية متاحة.

33 دولة نجحت في خفض الفقر.. ماذا تقول التجربة؟

على الجانب الآخر، يقدم التقرير دليلاً على إمكانية تحقيق تقدم واسع. فمن بين 89 دولة تتوافر لها بيانات تسمح بتتبع تطور المؤشر عبر الزمن، نجحت 33 دولة في خفض قيمة مؤشر الفقر متعدد الأبعاد إلى النصف خلال فترات تقل عن 15 عاماً.

وشملت هذه المجموعة ست دول في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، بينما سجلت الصين وفيتنام تقدماً سريعاً. وأشار التقرير كذلك إلى انخفاض معدلات الفقر وأعداد الفقراء في مصر ونيبال وطاجيكستان.

ومن المهم التمييز هنا بين انخفاض قيمة المؤشر وانخفاض نسبة الفقراء وحدها. فالقيمة الإجمالية للمؤشر تتأثر بنسبة السكان الذين يعانون الفقر، وكذلك بشدة الحرمان الذي يواجهونه.

مسارات التقدم
  • 33 دولة خفضت قيمة المؤشر إلى النصف.
  • ست دول منها في أفريقيا جنوب الصحراء.
  • تقدم سريع في الصين وفيتنام.
  • تحسن في مصر ونيبال وطاجيكستان.
مواضع الضغط
  • زيادة العدد الإجمالي للفقراء عالمياً.
  • محدودية المسوح الجديدة في إصدار 2026.
  • استمرار التركز الكبير للفقر في أفريقيا وجنوب آسيا.
  • تجاوز النمو السكاني أثر تحسن المعدلات في بعض الدول.

ولا تسمح هذه النتائج وحدها بتحديد سياسة اقتصادية واحدة وراء نجاح الدول الـ33، لكنها تؤكد أن خفض الفقر متعدد الأبعاد ممكن، وأن المقارنة بين التجارب تتطلب دراسة ظروف كل دولة وتوقيت التحسن ومصادره.

616 مليون فقير في أفريقيا جنوب الصحراء

تتركز الأزمة بصورة حادة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث يعيش نحو 616 مليون شخص في فقر متعدد الأبعاد، بما يعادل 51.4% من سكان المنطقة، وفق النتائج الأممية.

وتظل جنوب آسيا أيضاً من مناطق التركز الرئيسية للفقر، وهو ما يوضح أن توزيع الحرمان لا يتبع الحجم السكاني وحده، بل يرتبط كذلك بمدى توافر الخدمات الأساسية ومستويات التنمية داخل المجتمعات.

ويعني هذا التفاوت أن الاستجابة للأزمة لا يمكن أن تعتمد على زيادة الإنفاق الاجتماعي بصورة متساوية بين جميع الدول. فالمناطق التي تجمع بين ارتفاع نسبة الفقر وكثافة السكان تحتاج إلى تدخلات تستهدف حجم الحرمان وطبيعته معاً.

617 مليون طفل.. كلفة تمتد إلى المستقبل

من أكثر نتائج التقرير دلالة أن نحو 617 مليون طفل يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، ويمثلون 51.5% من إجمالي الفقراء المشمولين بالمؤشر.

وتكشف هذه النسبة أن الأطفال يتحملون عبئاً يفوق حصتهم السكانية. فالحرمان من التغذية والتعليم والمياه والصرف الصحي قد ينعكس على الصحة والتحصيل الدراسي والقدرة على العمل والإنتاج في المستقبل.

كما يعيش أكثر من ثمانية من كل عشرة أشخاص يعانون الفقر متعدد الأبعاد في المناطق الريفية، وهو ما يبرز أهمية وصول البنية الأساسية والخدمات إلى المجتمعات البعيدة عن المراكز الحضرية.

!
لماذا يمثل فقر الأطفال تحدياً اقتصادياً؟

لأن الحرمان في السنوات الأولى لا يقتصر على الاستهلاك الحالي، بل قد يؤثر في تراكم رأس المال البشري مستقبلاً. ومن ثم فإن الاستثمار في التعليم والتغذية والخدمات الأساسية يمثل جزءاً من سياسة التنمية، وليس مجرد استجابة اجتماعية قصيرة الأجل.

الفقر ليس نقص الدخل وحده

يقيس مؤشر الفقر متعدد الأبعاد ثلاثة مجالات رئيسية هي الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، من خلال عشرة مؤشرات تشمل التغذية ووفيات الأطفال والالتحاق بالدراسة وسنوات التعليم، إلى جانب الكهرباء والمياه والصرف الصحي والسكن ووقود الطهي والأصول المنزلية.

ويختلف هذا النهج عن مقاييس الفقر النقدي التي تعتمد على الدخل أو الاستهلاك. فقد تعيش أسرة فوق خط فقر نقدي معين، لكنها تواجه حرماناً متزامناً من خدمات أساسية تؤثر في جودة حياتها.

ولهذا لا يجوز استخدام رقم 1.2 مليار شخص باعتباره مرادفاً مباشراً لعدد من يعيشون تحت خط الفقر النقدي العالمي. فالمؤشران يقيسان جوانب مختلفة، وإن كان بينهما تداخل.

ماذا تعني النتائج للحكومات حتى 2030؟

تضع النتائج الحكومات أمام ثلاث أولويات مترابطة: تحسين دورية المسوح الإحصائية، وتوجيه الإنفاق نحو أشكال الحرمان الأكثر انتشاراً، وقياس التقدم باستخدام نسب الفقر وأعداد المتضررين معاً.

فالاعتماد على نسبة الفقر وحدها قد يخفي ارتفاع عدد المحتاجين في الدول سريعة النمو السكاني. وفي المقابل، فإن التركيز على العدد الإجمالي دون مراعاة النمو السكاني قد يحجب تحسناً فعلياً في مستوى الخدمات.

وتزداد أهمية هذا التمييز مع اقتراب عام 2030، الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومن بينها خفض الفقر بجميع أشكاله وأبعاده وفق التعريفات الوطنية.

تكشف نتائج 2026 عن مفارقة أساسية: العالم يمتلك تجارب ناجحة في خفض الفقر متعدد الأبعاد، لكنه لا يزال يواجه زيادة في العدد الإجمالي للمتضررين وفجوات في تحديث البيانات. والتحدي الحقيقي ليس فقط خفض النسب المعلنة، بل تقليل عدد المحرومين فعلياً، مع توفير قياسات حديثة تكشف أين تتقدم السياسات وأين تتعثر.

المصادر

  1. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي — تقرير مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي 2026، التحديث الإحصائي، 12 أكتوبر 2026.
  2. صحيفة الشرق الأوسط — مؤشر الفقر العالمي يرتفع للمرة الأولى منذ 2010 إلى 1.2 مليار شخص، 12 أكتوبر 2026.
  3. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي — مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي 2025، مرجع للمقارنة بين الإصدارات.

الوسوم

الفقر العالمي | مؤشر الفقر متعدد الأبعاد | تقرير الفقر العالمي 2026 | أسباب الفقر في العالم | الفقر والتنمية المستدامة

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

صواريخ الحوثيين تضرب مطارات السعودية: 12 قتيلاً و309 مصابين في الرياض.. هل تتسع المواجهة؟

تسونامي بطيء يبتلع الوظائف ويضغط الضرائب.. لكنه قد يرفع النمو

السيسي يوجّه الجيش المصري بأعلى درجات الجاهزية القتالية.. ماذا وراء التوقيت؟