عجز الحساب الجاري المصري يقفز إلى 22.5 مليار دولار.. والربع الأخير هو الفاتورة
التحويلات والاستثمار والسياحة سجلت نموا ملحوظا، لكن العجز اتسع بنحو 46% خلال عام واحد، والضغط تركز في الأشهر الأخيرة
سفينة حاويات تبحر عبر قناة السويس (رويترز)
أعلن البنك المركزي المصري، يوم الاثنين الماضي، أن عجز حساب المعاملات الجارية بلغ 22.5 مليار دولار في السنة المالية 2025-2026، مقابل 15.4 مليار دولار في السنة السابقة. الرقم وحده يعيد سؤالا قديما إلى الواجهة: لماذا لا تكفي موارد الدولار لتغطية الفجوة؟ والإجابة تظهر في تفاصيل البيانات أكثر مما تظهر في العنوان.
والحساب الجاري، ببساطة، هو سجل لما تحصل عليه مصر من الخارج وما تدفعه إليه مقابل السلع والخدمات والدخول والتحويلات. وعندما تتجاوز المدفوعات الإيرادات، يظهر العجز. لذلك لا يكفي ارتفاع مورد واحد من الدولار للحكم على تحسن الحساب الجاري، بل يجب النظر إلى الإيرادات والمدفوعات معا.
ربط البنك التراجع بارتفاع العجز في الميزان التجاري السلعي وفي ميزان دخل الاستثمار. لكن موارد النقد الأجنبي الأخرى لم تكن ضعيفة، إذ قفزت تحويلات المصريين بالخارج إلى 47.3 مليار دولار مقابل 36.5 مليار، وبلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر 18 مليار دولار مقابل 12.2 مليار، فيما سجلت إيرادات السياحة 18.4 مليار دولار. المشكلة إذن ليست في شح الموارد، بل في أن ما يخرج من البلاد للواردات ودخل الاستثمار يتزايد بوتيرة أسرع.
الموارد تتسع، والمدفوعات تتسع أكثر
إيرادات النقد الأجنبي الرئيسية بالمليار دولار: مقارنة سنوية
المصدر: البنك المركزي المصري، بيانات السنة المالية 2025-2026
ملاحظة: الاستثمار الأجنبي المباشر يظهر ضمن موارد النقد الأجنبي، لكنه يُسجل في الحساب المالي بميزان المدفوعات، وليس ضمن الحساب الجاري.
كل بند من هذه البنود سجل نموا على أساس سنوي. أسرع قفزة نسبية كانت في الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو 47%، تلتها التحويلات بنحو 30%. وبحسبة بسيطة، زادت بنود الحساب الجاري الموجبة الثلاثة (التحويلات والسياحة وقناة السويس) بنحو 13.3 مليار دولار، ومع ذلك اتسع العجز بنحو 7.1 مليار. وهذا يعني أن التغيرات في بقية بنود الحساب الجاري عاكست هذا التحسن بأكثر من 20 مليار دولار، وفق الأرقام التقريبية المستخدمة. وتشمل هذه البنود الواردات والصادرات السلعية ومدفوعات دخل الاستثمار وغيرها، ولا تسمح هذه الحسبة وحدها بتحديد نصيب كل بند من زيادة العجز.
ورغم أهمية الاستثمار الأجنبي المباشر في توفير الدولار، فإنه لا يدخل ضمن إيرادات الحساب الجاري، وإنما يساعد في تمويل الاحتياجات الخارجية. ولهذا يمكن أن ترتفع الاستثمارات الأجنبية الوافدة في الوقت نفسه الذي يتسع فيه عجز الحساب الجاري، دون وجود تناقض بين المؤشرين.
الصورة التراكمية: الربع الأخير هو الفرق
المقارنة السنوية تخفي ما تكشفه الأرقام الفصلية. العجز تراجع في الربع الأول من السنة المالية بنحو 45%، وفي النصف الأول بنحو 14%، ثم انقلب إلى اتساع في الأشهر الأخيرة. الجدول يلخص المسار:
| الفترة التراكمية | 2024-2025 (مليار $) | 2025-2026 (مليار $) | التغير |
|---|---|---|---|
| يوليو–سبتمبر (الربع الأول) | 5.9 | 3.2 | تراجع 45.2% |
| يوليو–ديسمبر (النصف الأول) | 10.9 | 9.5 | تراجع 13.6% |
| يوليو–مارس (تسعة أشهر) | 13.2 | 14.6 | اتساع 10.6% |
| السنة المالية كاملة | 15.4 | 22.5 | اتساع 46% |
عجز الحساب الجاري التراكمي بالمليار دولار
المصدر: البنك المركزي المصري عبر وكالات ومواقع اقتصادية، وحسابات التحرير
بطرح الأرقام التراكمية نصل إلى تقدير لعجز الربع الأخير من السنة (أبريل–يونيو 2026) يبلغ نحو 7.9 مليار دولار، مقابل 2.2 مليار دولار قبل عام، أي أكثر من ثلاثة أضعاف. وهذا الرقم فرق حسابي وليس بيانا رسميا مستقلا عن الربع الأخير، لكنه يشير إلى أن الضغط تركز في الأشهر التي شهدت اندلاع حرب إيران. غير أن التزامن الزمني لا يكفي وحده لإثبات أن الحرب كانت السبب الرئيسي وراء اتساع العجز، إذ يتطلب تحديد أثرها بيانات أكثر تفصيلا عن التجارة والطاقة والخدمات ودخل الاستثمار.
ملاحظة منهجية
رقم الربع الأخير مستنتج من الفرق بين أرقام تراكمية منشورة في فترات مختلفة. البنك المركزي قد يعدل الأرقام السابقة عند إصدار البيانات النهائية، لذا يُقرأ الرقم كمؤشر اتجاه لا كحقيقة نهائية. كما أن المقارنة لا تثبت وحدها أسباب التدهور خلال هذه الفترة.
الواردات السلعية تقود المعادلة
ذكر البنك أن الارتفاع يعود أساسا إلى الميزان التجاري السلعي. وفي التفاصيل، تراجعت واردات المنتجات النفطية بنحو 1.2 مليار دولار، بينما ارتفعت واردات الغاز الطبيعي بنحو 4.7 مليار دولار. البيانات المنشورة لا تفصل بين الكميات والأسعار في هذه الواردات، لذا يصعب الجزم بمصدر الزيادة الفعلي. ما هو واضح أن فاتورة الطاقة ما زالت تضغط على الميزان، وأن أي تحسن في التحويلات والسياحة يُمتص سريعا في هذا البند.
السؤال الذي تتركه هذه الأرقام معلقا: هل تستطيع التحويلات والسياحة وبقية الإيرادات الخارجية أن تلحق بنمو الواردات وعبء ميزان دخل الاستثمار، أم أن السنة المالية المقبلة ستحمل الفجوة نفسها بحجم أكبر؟ الإجابة مرتبطة بقدرة مصر على الحد من الضغوط التي ظهرت في الربع الأخير، لا بمتوسط العام كله. أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فرغم أنه لا يخفض عجز الحساب الجاري محاسبيا بصورة مباشرة، فإنه يظل أحد مصادر تمويل الاحتياجات الخارجية.
المصادر:
- الشرق الأوسط — عجز حساب المعاملات الجارية في مصر يبلغ 22.5 مليار دولار (12 أكتوبر 2026)
- الشرق الأوسط — تراجع عجز الحساب الجاري إلى 9.5 مليار دولار في 6 أشهر (أبريل 2026)
- عكاظ — تحسن معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي في النصف الأول (أبريل 2026)
- إيرم بيزنس — اتساع عجز حساب المعاملات الجارية لـ14.6 مليار دولار في 9 أشهر (2026)
الوسوم
عجز الحساب الجاري المصري | البنك المركزي المصري | تحويلات المصريين بالخارج | إيرادات قناة السويس | الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار