التضخم الخفي: كيف تُقلّص الشركات العبوة وتُبقي السعر على حاله؟

-- دقائق
مال وأعمال

ممارسة قديمة تتجدد اليوم بأشكال أكثر ذكاء: كمية أقل داخل العلبة نفسها، وسعر لا يتغير على الرف، ومستهلك لا يلاحظ إلا بعد فوات الأوان

التضخم الخفي: كيف تُقلّص الشركات العبوة وتُبقي السعر على حاله؟
عبوات غذائية بأحجام مختلفة توضح ظاهرة التضخم الخفي، حيث تقلص الشركات كمية المنتج دون خفض سعر العبوة. المصدر: RT.

لا تعلن معظم الشركات أنها رفعت سعر منتجها. بدلا من ذلك، تنقص الكمية داخل العبوة: قطعة أقل في لوح الشوكولاتة، أو غرامات أقل في كيس الوجبات الخفيفة، والسعر على الرف كما هو. يسمي الخبراء هذا "التضخم الخفي"، ويعرف بالإنجليزية باسم Shrinkflation، أي انكماش العبوة.

تقول الأستاذة المساعدة في كلية الاقتصاد بجامعة الصداقة بين الشعوب صوفيا غلافينا، في حديث مع قناة RT، إن الممارسة أقدم من المصطلح نفسه، وإنها انتشرت على نطاق واسع بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصا خلال فترات الأزمات الاقتصادية والتضخم. وتربط الخبيرة بين تطور الظاهرة والتحولات النقدية التي أعقبت "صدمة نيكسون" عام 1971، حين تخلت واشنطن عن قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، وإن كان هذا الربط التاريخي لا يكفي وحده لإثبات علاقة سببية مباشرة. أما المصطلح فذاع في العقد الثاني من هذا القرن، بفضل الاقتصادية الأمريكية بيبا مالمغرين التي تتبعت الظاهرة.

لماذا يتأخر المستهلك في ملاحظة تقليص العبوة؟

تشير غلافينا إلى أن الدراسات تُظهر أن الناس يستجيبون نفسيا بدرجة أقل لتقليص الحجم، مقارنة بالزيادة المباشرة في السعر. الزيادة المعلنة تُشعل الغضب، أما الكمية الأقل فقد تمر دون ملاحظة. ولهذا تفضل بعض الشركات هذا الأسلوب، فهي تُبقي المشتري الذي كان قد يتوقف عن الشراء لو رأى السعر يرتفع. وتضيف الخبيرة نوعا آخر يسمى "تضخم الجودة"، أي تراجع خصائص المنتج مع بقاء السعر والحجم، وهو قد يؤثر في القيمة التي يحصل عليها المستهلك، وربما في الخصائص الصحية لبعض المنتجات الغذائية بحسب طبيعة التغيير.

تجارب عاد فيها المنتجون إلى الوراء

في نوفمبر 2016 فوجئ عشاق توبليرون بأن المسافات بين قطعه المثلثة اتسعت فجأة. انخفض اللوح من 170 غراما إلى 150 غراما بالسعر نفسه، وبررت الشركة المالكة موندليز إنترناشونال الخطوة بارتفاع تكلفة المكونات. أثار التغيير سخطا واسعا، ووصفته الصحافة البريطانية بأنه أسنان مفرّقة. وفي 2018 أعلنت الشركة العودة إلى الشكل الأصلي، لكن مع رفع الوزن إلى 200 غرام. وتحدثت تقارير صحفية آنذاك عن سعر تجزئة موصى به قد يصل إلى 3.09 جنيهات إسترلينية، مقابل نحو جنيه واحد لعبوة 150 غراما السابقة. وكان ذلك تقديرا للسعر المتوقع، وليس دليلا على تطبيق الزيادة نفسها في جميع المتاجر.

وتذكر RT أن المعيار الروسي "غوست" عُدّل عام 2023 لتنظيم أحجام التعبئة القياسية لبعض السلع الغذائية، ومنها الحليب والحنطة السوداء، بهدف الحد من التفاوت غير الواضح في الكميات المعروضة للمستهلك. ولا يعني تحديد الأحجام القياسية بالضرورة حظر بيع جميع العبوات بأوزان أخرى.

نسبة تقليص وزن العبوة بعد التغيير (السعر ظل تقريبا كما هو)

المصدر: CNN وThe Guardian وSTV — حساب النسب من الأوزان المعلنة

​

الأرقام هنا ليست هامشية. فقد تقلّص لوح توبليرون الكبير بنحو 10%، والصغير بنحو 12%، أما مالتيسرز البريطانية فخسرت نحو 15% من وزنها. وفي هذه الأمثلة، كان تقليص الكمية وسيلة للحفاظ على السعر الظاهر للعبوة، وهذا جوهر التضخم الخفي: المشتري يقارن السعر بالسعر، لا الغرامات بالغرامات.

كم ارتفع السعر الحقيقي رغم ثبات سعر العبوة؟

لكن انخفاض الوزن لا يساوي نسبة ارتفاع السعر الحقيقي لكل غرام. فعندما تتراجع عبوة توبليرون من 170 إلى 150 غراما دون تغيير سعرها، يرتفع سعر الغرام بنحو 13.3%، رغم أن الوزن انخفض بنسبة 11.8% فقط. وتكشف هذه المفارقة أن التضخم الخفي قد يفرض على المستهلك زيادة في تكلفة الكمية التي يحصل عليها أكبر من نسبة تقليص العبوة نفسها.

المنتج انخفاض الوزن ارتفاع سعر الغرام
توبليرون 170 ← 150 غراما 11.8% 13.3%
توبليرون 400 ← 360 غراما 10% 11.1%
مالتيسرز 121 ← 103 غرامات 14.9% 17.5%

النسب محسوبة من الأوزان المعلنة، بافتراض ثبات سعر بيع العبوة قبل التغيير وبعده. وقد تختلف الزيادة الفعلية بحسب أسعار المتاجر.

وتُحسب الزيادة في سعر وحدة الوزن بقسمة الوزن القديم على الوزن الجديد، ثم طرح واحد من الناتج وضربه في 100. ولهذا فإن انخفاض الكمية بنسبة 10% يؤدي إلى ارتفاع سعر الوحدة بنحو 11.1% إذا ظل السعر الإجمالي ثابتا.

هل يغيب التضخم الخفي عن المؤشرات الرسمية؟

قد لا يلاحظ المستهلك ارتفاع تكلفة الغرام أو اللتر عندما يبقى سعر العبوة على الرف دون تغيير، لكن ذلك لا يعني بالضرورة غياب الأثر عن الإحصاءات الرسمية. فبعض الأجهزة الإحصائية تراعي التغير في حجم المنتجات عند حساب مؤشرات أسعار المستهلك، حتى لا يؤدي ثبات سعر العبوة إلى إخفاء ارتفاع تكلفة الوحدة الفعلية.

ويوضح مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، في دراسة عن تقليص العبوات وتكلفة الشوكولاتة، أن التغيرات في كميات المنتجات تُرصد ضمن عمليات جمع بيانات الأسعار، ويمكن تعديل المقارنات السعرية لمراعاة اختلاف حجم العبوة. وهنا يظهر الفارق بين ما يراه المشتري على بطاقة السعر، وما تحاول الإحصاءات قياسه من تغير في تكلفة الاستهلاك.

العبوات الكبيرة ليست دائما الرابح

لا تسير الظاهرة في اتجاه واحد. فحين تكبر العبوة، يبدو سعر الكيلوغرام أو اللتر أرخص، لكن غلافينا تحذر من فخ عملي: المنتجات سريعة التلف أو الماصة للرطوبة، مثل الحبوب والبهارات، قد لا يتمكن المستهلك من استهلاك العبوة الكبيرة منها قبل انتهاء صلاحيتها أو تراجع جودتها. وعندها يتحول الوفر الظاهري إلى هدر فعلي، فضلا عن الحاجة إلى مساحة تخزين أكبر.

حيل التغليف.. وثمن السمعة

تحذر غلافينا أيضا من حيل التغليف، مثل تقعير قاع العبوة أو تسميك جدرانها، لأنها قد تخلّف إحساسا بالخداع لدى المشتري، حتى لو كانت الممارسة سليمة قانونيا. والمعادلة هنا بسيطة: المناورة الخفية تنجح ما دامت بعيدة عن الأنظار، لكن الوعي المرتفع ونقاش وسائل التواصل يجعلان الخسارة في السمعة أكبر من المكسب أحيانا.

"تقليص محتوى العبوة يتيح زيادة السعر من الباب الخلفي." — راتولا تشاكرابورتي، محاضِرة أولى في تجارة التجزئة بجامعة إيست أنجليا (ترجمة المحرر)

ليس الغذاء وحده

رغم أن الظاهرة تبدو مرتبطة بالمواد الغذائية، فإن فكرة حصول المستهلك على قيمة أقل مقابل السعر نفسه تمتد إلى قطاعات أخرى، وإن اختلف تصنيفها الاقتصادي عن تقليص وزن العبوات. وبحسب RT، أزالت شركة أبل عام 2020 سماعات الأذن والشاحن من محتويات بعض هواتفها الذكية، ثم تبعتها شركات تقنية أخرى. كما خفّضت جنرال موتورز عام 2015 ضمان المحركات من 100 ألف ميل إلى 60 ألف ميل. وتمثل هذه الأمثلة تقليصا في الملحقات أو الخدمات المصاحبة، وليس انكماشا في كمية المنتج المادي بالمعنى الإحصائي الضيق.

−12% تراجع وزن توبليرون الصغير من 170 إلى 150 غراما
2018 العام الذي عادت فيه الشركة إلى الشكل الأصلي
~3£ السعر المتوقع للعبوة الجديدة بوزن 200 غرام وفق تقارير عام 2018

التضخم الخفي ليس قانونا اقتصاديا غامضا، بل قرار تسعير يختبر وعي المستهلك. وحين يتغير الوزن دون أن يتغير السعر، ترتفع تكلفة وحدة المنتج حتى لو بقي الرقم المكتوب على الرف ثابتا. لذلك لا تكفي مقارنة أسعار العبوات وحدها، بل ينبغي مقارنة سعر الغرام أو الكيلوغرام أو اللتر، مع مراعاة جودة المنتج والكمية التي يحتاجها المشتري فعلا.

المصادر:

  1. قناة RT العربية — التضخم الخفي: كيف تخدع بعض الشركات المستهلكين؟ (13 أكتوبر 2026) — حوار مع صوفيا غلافينا
  2. CNN — تغيير شكل توبليرون وغضب عشاقه (نوفمبر 2016)
  3. أسوشيتد برس عبر Arkansas Online — توبليرون يغضب المعجبين (نوفمبر 2016)
  4. STV — توبليرون يعود إلى تصميمه الأصلي (يوليو 2018)
  5. مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني — تقليص العبوات وتغير تكلفة الشوكولاتة (يوليو 2017)

الوسوم

التضخم الخفي | تقليص حجم العبوات | ارتفاع الأسعار | خداع المستهلك | أسعار السلع الغذائية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

صواريخ الحوثيين تضرب مطارات السعودية: 12 قتيلاً و309 مصابين في الرياض.. هل تتسع المواجهة؟

تسونامي بطيء يبتلع الوظائف ويضغط الضرائب.. لكنه قد يرفع النمو

السيسي يوجّه الجيش المصري بأعلى درجات الجاهزية القتالية.. ماذا وراء التوقيت؟