تهديدات سموتريتش لمصر بشأن سيناء تتجدد.. هل تستهدف الردع العسكري أم المكاسب الانتخابية؟
وزير المالية الإسرائيلي يعيد التلويح بسيناء بعد تأكيد السيسي تمسك مصر بالسلام وعدم امتلاكها أطماعا إقليمية. وبين التصعيد السياسي ومعاهدة 1979، تتجاوز الأزمة حدود التصريحات إلى مستقبل الثقة بين القاهرة وتل أبيب.
![]() |
| وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش |
أعاد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام يوم 19 أكتوبر 2026، التهديد بشأن شبه جزيرة سيناء، مشككا في تأكيدات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن القاهرة لا تسعى إلى الحرب مع إسرائيل ولا تمتلك أطماعا في أراضي غيرها.
لا تكمن أهمية التصريحات في حدتها وحدها، بل في تكرارها بعد رد مصري رفض المساس بسيادة البلاد، وفي استدعائها منطقة حسمت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية وضعها القانوني منذ عام 1979. ويطرح ذلك سؤالا يتجاوز السجال الإعلامي: هل يستخدم سموتريتش التهديد لفرض تصور جديد للردع، أم أنه يخاطب جمهورا إسرائيليا قبل الانتخابات؟
ماذا قال سموتريتش ولماذا جدد تهديده؟
بحسب تقرير نشرته شبكة روسيا اليوم في 19 أكتوبر، قال سموتريتش إنه لا يشعر بالاطمئنان إلى تصريحات السيسي بشأن عدم وجود نية مصرية لشن حرب على إسرائيل. وربط الوزير ضمان عدم تعرض بلاده لهجوم مصري باقتناع القاهرة بأنها قد تخسر سيناء في مواجهة مقبلة.
«المرة القادمة التي يهاجمون فيها لن تكون هناك سيناء».
وردت هذه العبارة في التقرير المنسوب إلى الوزير الإسرائيلي، وهي امتداد لتهديد مماثل أطلقه في الخامس من أكتوبر. وقد وثقت وكالة الأناضول التصريح السابق، بينما لم يتوافر تسجيل أصلي مستقل للتحقق من الصياغة الكاملة للتصريحات الجديدة.
والفارق هنا مهم. فسموتريتش يتحدث عن سيناريو افتراضي يبدأ بهجوم مصري، وليس عن قرار إسرائيلي معلن بشن عملية عسكرية ضد مصر. لكن هذا القيد لا يلغي خطورة إدخال أراضي دولة ترتبط بإسرائيل بمعاهدة سلام في خطاب التهديد.
رد السيسي: مصر استعادت أرضها ولا تبحث عن حرب
جاءت تصريحات سموتريتش الجديدة بعد حديث للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، التي عقدت في أكتوبر بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لحرب 1973.
وشدد السيسي على أن مصر خاضت الحرب لاستعادة أراضيها، وأنها لا تحمل مشروعا للتوسع على حساب الدول الأخرى، مؤكدا استمرار معاهدة السلام باعتبارها الإطار الذي ينظم العلاقة مع إسرائيل.
«هو مين قالك إننا عايزين نحارب، إحنا مش عندنا أجندة لحد، إحنا أرضنا معانا وحاربنا وخدناها وخلصت».
يحمل هذا الموقف رسالتين متوازيتين. الأولى أن القاهرة لا ترى مصلحة في فتح مواجهة عسكرية جديدة، والثانية أن تجنب الحرب لا يعني قبول التشكيك في سيادتها على سيناء أو السماح بتحويلها إلى موضوع للمساومة السياسية.
وبذلك يحاول الخطاب المصري الفصل بين الاستعداد للدفاع عن الأراضي الوطنية وبين الرغبة في الحفاظ على السلام، وهو فصل أساسي لفهم السياسة المصرية تجاه الحدود الشرقية.
لماذا تعود سيناء إلى الخطاب السياسي الإسرائيلي؟
تستمد سيناء حساسيتها من موقعها في تاريخ الصراع المصري الإسرائيلي. فقد احتلتها إسرائيل خلال حرب يونيو 1967، ثم بدأت عملية استعادتها عبر المسارين العسكري والدبلوماسي، وصولا إلى معاهدة السلام الموقعة في واشنطن يوم 26 مارس 1979.
ونصت المعاهدة على انسحاب القوات والمدنيين الإسرائيليين إلى ما وراء الحدود الدولية، واستعادة مصر ممارسة سيادتها الكاملة على شبه الجزيرة. كما اعترف الطرفان بحرمة الحدود وبضرورة احترام سلامة أراضي كل منهما.
ماذا تقول معاهدة السلام لعام 1979؟
المادة الأولى: إنهاء حالة الحرب وانسحاب إسرائيل من سيناء واستعادة مصر سيادتها عليها.
المادة الثانية: الاعتراف بالحدود الدولية واحترام سلامة أراضي الطرفين.
المادة الثالثة: الامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية.
المصدر: النص الأصلي لمعاهدة السلام المنشور لدى الأمم المتحدة.
وبناء على هذه النصوص، لا توجد مساحة قانونية لإعادة طرح ملكية سيناء باعتبارها قضية حدودية مفتوحة. كما أن أي حديث عن تغيير الحدود بالقوة يتعارض مع الالتزامات التي قبلها الطرفان في المعاهدة.
لكن من الضروري التمييز بين التصريحات السياسية والقرارات الحكومية. فسموتريتش وزير في الحكومة الإسرائيلية، وله تأثير سياسي، إلا أن أقواله لا تثبت وحدها وجود خطة عسكرية رسمية لإعادة احتلال سيناء.
الحسابات الانتخابية: من المستفيد من التصعيد؟
تكتسب التصريحات بعدا سياسيا داخليا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر 2026. ففي هذه البيئة، يمكن للخطاب الأمني المتشدد أن يخدم المنافسة على أصوات الناخبين الذين يعطون الأولوية للقوة العسكرية والردع.
وكان مصدر مصري مطلع قد وصف تصريحات سموتريتش السابقة، في إفادة نقلتها وكالة أنباء الشرق الأوسط يوم 7 أكتوبر، بأنها تهديدات جوفاء ومحاولة لتحقيق أهداف انتخابية من خلال التصعيد.
قراءة في الدافع السياسي
تفسير القاهرة للتصريحات باعتبارها جزءا من المنافسة الانتخابية يستند إلى توقيتها ومضمونها، لكنه يظل تقييما سياسيا. ولا توجد أدلة مستقلة كافية للجزم بأن المكاسب الانتخابية هي الدافع الوحيد وراء كلام سموتريتش.
ويمكن للوزير الإسرائيلي أن يحقق أكثر من غرض عبر الخطاب نفسه. فهو يقدم نفسه لجمهوره باعتباره رافضا لأي تساهل أمني، ويضغط في الوقت ذاته على النقاش الإسرائيلي بشأن مصر، ويحاول نقل الجدل من السياسات الإسرائيلية في غزة إلى المخاوف من تهديدات إقليمية مستقبلية.
غير أن هذه المكاسب المحتملة تقابلها تكلفة دبلوماسية. فالتشكيك العلني في سلامة أراضي دولة ترتبط بإسرائيل بمعاهدة سلام قد يضعف الثقة السياسية، حتى إذا لم يتحول إلى إجراءات عسكرية.
غزة ورفض التهجير: أين تتقاطع الخلافات؟
لا يمكن فصل السجال بشأن سيناء عن الخلاف المصري الإسرائيلي حول مستقبل قطاع غزة. فقد عارضت القاهرة مرارا أي ترتيبات تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، واعتبرت أن نقل السكان قسرا لا يقدم حلا للقضية الفلسطينية.
وفي التصريحات التي نقلتها روسيا اليوم، تحدث سموتريتش أيضا عن تشجيع سكان غزة على المغادرة، وعن الإبقاء على ترتيبات تسمح لإسرائيل بالسيطرة على الأراضي. وهي مواقف تتعارض مع التصور المصري القائم على رفض التهجير والدفع نحو حل الدولتين.
وتنبع العلاقة بين الملفين من الجغرافيا والسياسة معا. فسيناء تقع على الحدود مع غزة، ولذلك فإن أي مشروع واسع لنقل الفلسطينيين خارج القطاع يثير مباشرة تساؤلات تتعلق بالحدود المصرية وبمستقبل القضية الفلسطينية.
لكن الربط بين الملفين لا يعني وجود خطة إسرائيلية موحدة ومعلنة لتهديد سيناء وتنفيذ التهجير. ما يمكن إثباته هو أن تصريحات سموتريتش تجمع بين خطاب متشدد تجاه مصر ومواقف تدعو إلى خروج الفلسطينيين من غزة.
هل تستطيع معاهدة السلام احتواء التصعيد؟
توفر معاهدة 1979 إطارا قانونيا واضحا لتنظيم العلاقة بين مصر وإسرائيل، بما في ذلك الحدود والترتيبات الأمنية وآليات معالجة الخلافات. وقد استمر هذا الإطار رغم أزمات سياسية وأمنية متعاقبة.
ومع ذلك، فإن استمرار المعاهدة لا يجعل العلاقات محصنة من التوتر. فالسلام القانوني يمكن أن يبقى قائما بينما تتراجع الثقة السياسية، خصوصا إذا تحولت التصريحات العدائية إلى مواقف متكررة من مسؤولين حكوميين.
ثلاثة مسارات محتملة للعلاقات المصرية الإسرائيلية
| المسار | شرط تحققه | التداعيات |
|---|---|---|
| احتواء التصعيد | بقاء التصريحات فردية واستمرار الاتصالات الرسمية | استمرار المعاهدة مع خلاف سياسي محدود |
| تصعيد دبلوماسي | تكرار التهديدات أو تبنيها من مسؤولين آخرين | زيادة الاحتجاجات وتراجع الثقة |
| أزمة أمنية | وقوع حادث حدودي خطير أو إجراءات عسكرية تصعيدية | ضغوط على الترتيبات الأمنية وآليات التهدئة |
هذه مسارات تحليلية مشروطة وليست توقعات مؤكدة.
وحتى 20 أكتوبر 2026، لا تقدم الوقائع الواردة في المصادر المستخدمة دليلا على أن تصريحات سموتريتش تحولت إلى قرار إسرائيلي رسمي بمواجهة مصر. ولذلك يبقى التصعيد السياسي والدبلوماسي أكثر قابلية للتفسير من افتراض حرب وشيكة.
ما الذي يجعل التصريحات خطيرة رغم غياب قرار بالحرب؟
تكمن الخطورة في أن تكرار التهديد قد يغير طبيعة النقاش العام بشأن دولة ترتبط بإسرائيل بعلاقات سلام رسمية. فعندما تصبح سلامة أراضي الطرف الآخر موضوعا للخطاب السياسي، يتراجع الفاصل بين المنافسة الداخلية والالتزامات الخارجية.
كذلك يمكن لهذه التصريحات أن تزيد حساسية أي حادث أمني مستقبلي، لأن الأطراف ستقرأه في ضوء خطاب سابق تضمن تهديدا مباشرا بالأراضي. وهذا لا يعني أن الحرب أصبحت مرجحة، لكنه يوضح كيف يمكن للكلمات أن ترفع تكلفة إدارة الأزمات.
وتظهر هنا أهمية موقف الحكومة الإسرائيلية الرسمي. فالفارق كبير بين أن يتحدث وزير بلغة تصعيدية وبين أن تتحول هذه اللغة إلى سياسة تتبناها المؤسسات المسؤولة عن الأمن والعلاقات الخارجية.
تكشف تهديدات سموتريتش المتكررة أن الخلاف بين القاهرة وتل أبيب لم يعد مقتصرا على إدارة الحرب في غزة، بل امتد إلى الخطاب المتعلق بالحدود والردع والسيادة. غير أن المعطيات المتاحة لا تكفي لاعتبارها مقدمة لمواجهة عسكرية.
ويبقى الاختبار الحقيقي في ما إذا كانت المؤسسات الإسرائيلية ستواصل التعامل مع سيناء بوصفها أرضا مصرية حسمت معاهدة السلام وضعها، أم ستسمح باستمرار خطاب يضعف الثقة التي تقوم عليها العلاقات بين البلدين.
المصادر والمراجع
- روسيا اليوم RT، 19 أكتوبر 2026، تقرير التصريحات الجديدة المنسوبة إلى سموتريتش
- وكالة أنباء الشرق الأوسط، 7 أكتوبر 2026، الموقف المصري من التهديدات السابقة
- وكالة الأناضول، 6 أكتوبر 2026، توثيق تصريحات سموتريتش الأولى بشأن سيناء
- الأمم المتحدة، النص الأصلي لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة في 26 مارس 1979
- مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، 12 أكتوبر 2026، بيان حقوقي بشأن تهديدات سموتريتش وسلامة الأراضي المصرية
الوسوم
تهديدات سموتريتش لمصر | سيناء وإسرائيل | تصريحات السيسي | معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية | العلاقات المصرية الإسرائيلية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار