"قناة السويس البشرية" في خطر.. 37 مليار دولار تحاصرها قرارات "الأثر الرجعي"
تحويلات المغتربين تقترب من 40 مليار دولار لكن المخاوف تحوم حول استقرارها
مع تسلسل الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري، يبرز رقم يستحق التوقف عنده: 37.5 مليار دولار، وهو حجم تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال عام 2024، مسجلاً نمواً قياسياً بلغ 42.5% مقارنة بـ26.3 مليار دولار في العام السابق.
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل يمثل شريان الحياة للاقتصاد المصري، حيث باتت التحويلات تتفوق بشكل واضح على أكبر مصادر العملة الصعبة التقليدية في البلاد. فقد تجاوزت إيرادات قناة السويس والسياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة مجتمعة، لتصبح المصدر الأول للدولار في مصر.
14 مليون مصري يشكلون عمود الاقتصاد
يقود هذا المد المالي جيش من المصريين في المهجر يبلغ عددهم نحو 14 مليون شخص، يتركزون بشكل أساسي في دول مجلس التعاون الخليجي. تتصدر السعودية القائمة بوصول عدد المصريين العاملين فيها إلى 2.5 مليون شخص، تليها الإمارات العربية المتحدة والكويت بواقع 600 ألف مصري لكل منهما وفق أحدث البيانات الرسمية.
هؤلاء العمال والمهنيون والمستثمرون يشكلون شبكة أمان اقتصادية حيوية، ليس فقط من خلال التحويلات المالية المباشرة، بل عبر الاستثمارات العقارية والتجارية التي يجريونها في بلدهم الأم.
الحوافز التي أطلقت العنان للتحويلات
سعت الحكومة المصرية خلال السنوات الماضية إلى تحفيز التحويلات من خلال حزمة من التسهيلات والحوافز، كان أبرزها:
- شهادات الادخار ذات العائد المرتفع بالدولار، والتي طرحها البنك المركزي والبنوك التجارية.
- الإعفاءات الجمركية على السيارات مقابل ودائع دولارية محددة.
- السماح بإدخال هاتف محمول واحد معفي جمركياً لكل مصري قادم من الخارج.
- تسهيلات استثمارية وإقامية للمغتربين الراغبين في تأسيس مشاريع في مصر.
تلك الإجراءات ساهمت في إطلاق موجة تحويلات غير مسبوقة، جعلت مصر تحتل المرتبة السابعة عالمياً في استقبال تحويلات العاملين بالخارج خلال عام 2024، وفق دراسة حديثة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
الرياح العكسية تهب من القاهرة
لكن السحب بدأت تتجمع في الأفق. فقد رصدت مصادر اقتصادية إجراءات إدارية جديدة أثارت قلقاً واسعاً بين المغتربين، أبرزها:
تقييد الإجازات بدون مرتب بحد أقصى خمس سنوات، مع تطبيق القرار بأثر رجعي. يأتي هذا القرار في تعارض صريح مع قرار سابق لمجلس الوزراء في عام 2022 كان يسمح بمد الإعارات والإجازات للعمل بالخارج دون سقف زمني محدد.
يؤثر هذا القرار بشكل مباشر على آلاف الموظفين الحكوميين والعاملين في القطاع العام الذين يحتفظون بوظائفهم في مصر أثناء عملهم بالخارج، مما يهدد بفقدانهم لحقوقهم الوظيفية والمعاشية في حال تجاوزوا المدة المحددة.
تكلفة التحويل تبتلع 6.10% من قيمته
تزيد المخاوف من قراءة تقرير البنك الدولي حول تكلفة تحويل الأموال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تبلغ المتوسط نحو 6.10% من قيمة التحويلة، أي ضعف المعدل المستهدف عالمياً والبالغ 3%.
تظل البنوك التقليدية الأعلى تكلفة بين قنوات التحويل، مما يدفع الكثيرين نحو شركات التحويل غير الرسمية أو الاستثمار في الأصول العقارية بدلاً من التحويلات النقدية المباشرة.
استنزاف الرسوم
مقارنة تكلفة التحويل في منطقتنا مقابل العالم
التحذيرات من تأثيرات محتملة
يحذر خبراء اقتصاديون من أن أي تراجع في تحويلات المصريين بالخارج سينعكس فوراً على سوق الصرف الأجنبي ومستويات الدولار في السوق المحلي، خاصة مع الاعتماد المتزايد على هذا المورد الحيوي.
فالاقتصاد المصري، الذي يعاني بالفعل من ضغوط خارجية وداخلية، قد يواجه أزمة سيولة دولارية حقيقية إذا ما بدأ المغتربون يفقدون الثقة في النظام المصرفي والإجراءات الحكومية.
المصادر
- البنك المركزي المصري - (النشرة الإحصائية الشهرية - قطاع العلاقات الخارجية): cbe.org.eg
- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء - (دراسة تطور تحويلات العاملين بالخارج): capmas.gov.eg
- البنك الدولي - (موجز الهجرة والتنمية - تكلفة التحويلات في الشرق الأوسط): worldbank.org
الوسوم
تحويلات المصريين بالخارج | قناة السويس البشرية | الدولار في مصر | الأثر الرجعي للقرارات | النقد الأجنبي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار