أوروبا ترفع راية التحدي في وجه ترامب: لا مساومة على جرينلاند ولا تراجع في أوكرانيا
![]() |
قادة الاتحاد الأوروبي في قمة بروكسل |
في خطوة غير مسبوقة تعكس تحولاً استراتيجياً في العلاقات عبر الأطلسي، بعث قادة الاتحاد الأوروبي برسالة سياسية حازمة تؤكد تماسك الموقف الأوروبي أمام تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. جاء ذلك عقب قمة طارئة استثنائية عقدت في بروكسل يوم الخميس 22 يناير 2026، خصصت لبحث التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تهدد أمن القارة الأوروبية.
قمة بروكسل الطارئة.. رسالة أوروبية موحدة
اجتمع رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي الـ27 في قمة غير مقررة سابقاً لمناقشة أزمتين محوريتين: التهديدات الأميركية بشأن جرينلاند، والوضع المتدهور في أوكرانيا. وأكد القادة الأوروبيون دعمهم الكامل لكل من الدنمارك وجرينلاند في مواجهة الضغوط الأميركية، بالتوازي مع تعزيز الدعم الأوروبي لأوكرانيا، خاصة في قطاع الطاقة الحيوي.
شددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على أن القمة ركزت على قضيتين استراتيجيتين تمسان الأمن الأوروبي بشكل مباشر: الوضع في جرينلاند ومستقبل الاستقرار والازدهار في أوكرانيا. وقالت فون دير لاين إن الاتحاد الأوروبي استثمر تاريخياً بشكل محدود في أمن منطقة القطب الشمالي، لكن المرحلة المقبلة تتطلب زيادة ملموسة في الإنفاق.
من جانبه، أكد رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أن الاتحاد يمتلك القوة والوسائل الكفيلة بحماية نفسه ودوله الأعضاء وشركاته من أي شكل من أشكال الضغوط أو الإكراه الخارجي. وأضاف كوستا أن الدنمارك وجرينلاند وحدهما صاحبتا القرار في كل ما يتعلق بشؤونهما، في رسالة واضحة لواشنطن.
أزمة جرينلاند.. من التهديد إلى التهدئة
بدأت الأزمة عندما لوح الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية تدريجية على ثماني دول أوروبية، بدءاً من 10% في الأول من فبراير 2026، وصولاً إلى 25% بحلول الأول من يونيو، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن جرينلاند. وشملت هذه التهديدات الدنمارك والسويد وفرنسا وألمانيا والنرويج وهولندا وإيطاليا وبلجيكا.
لكن الضغط الأوروبي الموحد أثمر نتائج سريعة. ففي منتدى دافوس الاقتصادي يوم 21 يناير 2026، تراجع ترامب عن تهديداته واستبعد استخدام القوة العسكرية للسيطرة على جرينلاند، وأعلن عن التوصل إلى "إطار اتفاق مستقبلي" مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته بشأن الجزيرة. وأوضح ترامب أن الاتفاق يهدف إلى منع الصين وروسيا من توسيع نفوذهما في المنطقة القطبية الاستراتيجية.
ورحب القادة الأوروبيون بهذا التراجع، لكنهم أكدوا أن الاتحاد كان مستعداً لسيناريوهات أكثر تصعيداً، بما في ذلك حرب تجارية شاملة مع الولايات المتحدة.
الاستعداد للحرب الاقتصادية.. البازوكا التجارية الأوروبية
رغم التهدئة المؤقتة، فإن أوروبا لم تتخل عن خططها الدفاعية الاقتصادية. فقد أعدت بروكسل مسبقاً سلسلة من الإجراءات المضادة، شملت تعريفات تجارية محتملة بقيمة 93 مليار يورو على السلع الأميركية، وفقاً لتقارير بلومبرج. كما لوحت المفوضية الأوروبية بتفعيل أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي (ACI)، المعروفة أوروبياً باسم "البازوكا التجارية"، وهي آلية قانونية تسمح بفرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على أي دولة تمارس ضغوطاً غير مشروعة على الاتحاد أو دوله الأعضاء.
اعتمد الاتحاد استراتيجية موحدة قائمة على أربعة مبادئ أساسية: الصلابة في الموقف، والانخراط الدبلوماسي الفعال، والاستعداد الكامل للرد على أي تصعيد، والوحدة المطلقة بين الدول الأعضاء. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها في دفع ترامب إلى التراجع عن تهديداته الأولية.
الاستثمار في القطب الشمالي.. مستقبل جرينلاند
أعلنت فون دير لاين أن المفوضية الأوروبية تعتزم رفع مستوى الدعم المالي لجرينلاند بشكل كبير، مع الإعلان قريباً عن حزمة استثمارات واسعة النطاق. وأشارت إلى أن هذه الاستثمارات ستركز على تطوير البنية التحتية والموارد الطبيعية في الجزيرة، بما يعزز الشراكة الاستراتيجية بين أوروبا وجرينلاند ويحد من أي نفوذ خارجي محتمل.
على صعيد الدفاع، أكدت رئيسة المفوضية استعداد الاتحاد لتعزيز التعاون الأمني في منطقة القطب الشمالي مع الولايات المتحدة، إلى جانب شركاء آخرين مثل المملكة المتحدة وكندا والنرويج وآيسلندا. ولم تستبعد فون دير لاين إمكانية تمويل معدات دفاعية مخصصة للبيئة القطبية، ملمحة إلى مشروع "كاسحة جليد أوروبية" من شأنها تعزيز الحضور العسكري الأوروبي في المنطقة.
دعم أوكرانيا.. الطاقة والازدهار
بالتوازي مع أزمة جرينلاند، ركزت القمة الأوروبية على تعزيز الدعم لأوكرانيا التي تواجه شتاء قاسياً وسط استمرار الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة. رداً على انتقادات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن بطء التحرك الأوروبي، شدد قادة الاتحاد على أن دعم أوكرانيا كان قائماً منذ اليوم الأول للحرب.
وأشار القادة الأوروبيون إلى أن إجمالي المساعدات الأوروبية لأوكرانيا تجاوز 193 مليار يورو منذ بداية الحرب، إضافة إلى حزمة جديدة بقيمة 90 مليار يورو. ومع اشتداد الشتاء واستمرار الهجمات الروسية، بدأ الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع نشر 447 مولد طوارئ بقيمة 3.7 ملايين يورو، بهدف إعادة الكهرباء إلى المستشفيات والملاجئ الحيوية في المدن الأوكرانية.
إطار الازدهار لما بعد الحرب
تستعد بروكسل لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق مشترك بين الولايات المتحدة وأوكرانيا لإطلاق "إطار الازدهار لما بعد الحرب"، وهو مشروع طموح يهدف إلى إعادة إعمار أوكرانيا وتحويلها إلى اقتصاد حديث مندمج في السوق الأوروبية. يستند هذا الإطار إلى خمسة محاور رئيسية:
- إصلاح بيئة الأعمال: تحسين المناخ الاستثماري وتبسيط الإجراءات البيروقراطية لجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
- تعزيز الاندماج في السوق الأوروبية: تسريع انضمام أوكرانيا إلى السوق الموحدة الأوروبية وإزالة الحواجز الجمركية.
- زيادة الاستثمارات: حشد استثمارات عامة وخاصة بقيمة 800 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية وتطوير القطاعات الإنتاجية.
- تحسين تنسيق المانحين: ضمان توزيع فعال للمساعدات الدولية وتجنب الازدواجية في المشاريع التنموية.
- تنفيذ إصلاحات جوهرية: التركيز على سيادة القانون ومكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وهي شروط أساسية للانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي.
وفقاً لتقارير وكالة الأنباء الروسية RT، تأمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بجمع 800 مليار دولار من الأموال العامة والخاصة للمساعدة في إعادة إعمار أوكرانيا بعد وقف إطلاق النار المحتمل.
درس أوروبي.. الوحدة طريق القوة
أثبتت أزمة جرينلاند أن الوحدة الأوروبية قادرة على مواجهة الضغوط الخارجية، حتى عندما يكون مصدرها حليف تقليدي مثل الولايات المتحدة. فقد نجح الموقف الأوروبي الموحد في دفع إدارة ترامب إلى التراجع عن تهديداته الجمركية في أقل من أسبوع، وهو ما اعتبره محللون "انتصاراً دبلوماسياً" لبروكسل.
ووفقاً لصحيفة واشنطن بوست، فإن هذه الأزمة علمت أوروبا درساً مهماً: عندما تقف القارة موحدة وتعد خططاً احتياطية جدية، فإن حتى الرئيس الأميركي الأكثر تصلباً يمكن أن يتراجع. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب "طرف عينيه" أمام الصلابة الأوروبية، وأن الاتحاد الأوروبي تعلم أن الاستعداد للحرب التجارية هو أفضل طريقة لتجنبها.
مستقبل العلاقات عبر الأطلسي
رغم التهدئة المؤقتة، فإن المحللين يتوقعون أن تظل العلاقات بين أوروبا وإدارة ترامب متوترة ومعقدة. فالرئيس الأميركي لا يزال ينظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه أنشئ لـ"استغلال" الولايات المتحدة، وفقاً لتصريحاته المتكررة، بينما يرى الأوروبيون أن سياسات ترامب التجارية الحمائية تهدد الاقتصاد العالمي والنظام التجاري الدولي.
لكن أزمة جرينلاند أظهرت أيضاً أن هناك مساحة للتفاهم عندما تلتقي المصالح المشتركة، خاصة فيما يتعلق بمواجهة التوسع الروسي والصيني في المناطق الاستراتيجية. ويبقى السؤال المفتوح: هل ستستمر هذه التهدئة، أم أن جولة جديدة من التوتر في الأفق؟
ما يبدو مؤكداً هو أن أوروبا خرجت من هذه الأزمة أكثر ثقة في قدرتها على الدفاع عن مصالحها، وأكثر قناعة بأن الاستقلال الاستراتيجي والاعتماد على الذات هما طريقها نحو المستقبل.
المصادر
-
رويترز: جرينلاند تحفز أوروبا على مواجهة الواقع الأميركي الجديد
Reuters - World News -
واشنطن بوست: بشأن جرينلاند، أوروبا وقفت وترامب تراجع والاتحاد الأوروبي تعلم الدرس
Washington Post - Europe Section -
الجزيرة: الاتحاد الأوروبي يرحب بتراجع ترامب عن تهديداته الجمركية
Al Jazeera - Europe News
الوسوم
أوروبا | جرينلاند | ترامب | الاتحاد الأوروبي | أوكرانيا

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار