"اتفاق أو انهيار".. ترامب يمهل كوبا وهافانا ترفض الركوع
واشنطن - في تصعيد جديد للتوترات في منطقة الكاريبي، وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديدات صريحة لكوبا، محذرا من أن الجزيرة لن تتلقى مزيدا من النفط الفنزويلي أو الأموال، داعيا هافانا إلى "التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان".
تهديدات مباشرة لهافانا
كتب ترامب في منشور على منصته "تروث سوشال" يوم الأحد: "لن تتلقى كوبا مزيدا من النفط أو المال - لا شيء"، مضيفا "أقترح بشدة التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان". جاءت هذه التصريحات بعد أسبوع واحد من اعتبار ترامب أن كوبا "على وشك السقوط"، ومن الصعب عليها الصمود دون دخل النفط الفنزويلي.
ولم يحدد الرئيس الأميركي طبيعة الاتفاق المطلوب أو العواقب التي تنتظر كوبا في حال رفضها الامتثال، مما ترك مجالا واسعا للتكهنات حول النوايا الأميركية تجاه الجزيرة الشيوعية.
الشريان النفطي بين فنزويلا وكوبا
منذ مطلع الألفية الثانية، زودت فنزويلا بقيادتها اليسارية كوبا بكميات كبيرة من النفط، وفي المقابل أرسلت هافانا فرق من الأطباء والمعلمين والخبراء الأمنيين إلى كراكاس. هذا التبادل شكل عصب العلاقات بين البلدين وركيزة أساسية للاقتصاد الكوبي المتعثر.
تعتمد كوبا، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، بشكل كبير على النفط الفنزويلي لتغطية نحو نصف احتياجاتها من الطاقة. وقد واجهت الجزيرة خمسة انقطاعات كبرى للكهرباء منذ أواخر 2024، إضافة إلى نقص يومي في التغذية بالتيار الكهربائي، مما يعكس حجم الأزمة الطاقوية التي تعانيها.
ردود فعل كوبية حاسمة
لم تتأخر هافانا في الرد على التهديدات الأميركية. قال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز إن "الولايات المتحدة تتصرف كالمجرمين وتهدد السلم الدولي"، مؤكدا أن "كوبا لن تخضع لابتزاز الولايات المتحدة ولا لتهديداتها العسكرية".
من جانبه، أكد الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل أن "لا أحد يملي على كوبا ما تقوم به"، مضيفا في تصريحات حازمة: "كوبا لا تعتدي، بل تتعرض لاعتداء من الولايات المتحدة منذ 66 عاما، وهي لا تهدد، بل تستعد، وهي جاهزة للدفاع عن الوطن حتى آخر قطرة دم".
وشدد الوزير رودريغيز على أن "الشعب الكوبي لن يبيع وطنه، ولن يستسلم للتهديدات أو الابتزاز، ولن يتخلى عن حقه غير القابل للتصرف في بناء مستقبله بحرية".
السياق الإقليمي: من مادورو إلى كوبا
تأتي تهديدات ترامب لكوبا في أعقاب عملية أميركية مثيرة للجدل في الأسبوع الماضي، ألقت خلالها القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقلته إلى الولايات المتحدة. هذه العملية، التي أسفرت عن مقتل 75 شخصا وفقا لمصادر فنزويلية، مثلت نقطة تحول في السياسة الأميركية تجاه أميركا اللاتينية.
يسعى ترامب إلى إضعاف الحكم الشيوعي في كوبا عبر قطع شريانها النفطي الفنزويلي، معتقدا أن ذلك سيدفع هافانا إلى التفاوض من موقع ضعف. إلا أن هذه الاستراتيجية تثير تساؤلات حول مدى قانونيتها ومدى احترامها لمبادئ السيادة الوطنية والقانون الدولي.
المكسيك تملأ الفراغ
في تطور لافت، أكدت رئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم أن بلادها أصبحت "مزودا رئيسيا" بالنفط لكوبا في ظل العقوبات الأميركية المفروضة على فنزويلا. هذا التطور يعكس رغبة المكسيك في الحفاظ على استقرار المنطقة وعدم ترك كوبا تواجه انهيارا اقتصاديا كاملا.
سيناريو مثير للجدل: روبيو رئيسا لكوبا؟
في تطور أثار موجة واسعة من التكهنات، أعاد ترامب نشر رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي تلمح إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، المولود لأبوين مهاجرين كوبيين، قد يصبح الرئيس المقبل لكوبا.
أعاد ترامب نشر رسالة من مستخدم على منصة "تروث سوشال" نشرت في 8 يناير جاء فيها أن "ماركو روبيو سيصبح رئيسا لكوبا"، مصحوبة برمز تعبيري ضاحك. وعلق ترامب قائلا: "يبدو هذا جيدا بالنسبة لي".
هذه التصريحات، رغم أنها قد تبدو غير جادة ظاهريا، تكشف عن نوايا أميركية محتملة لتغيير النظام في كوبا، مما يعيد إلى الأذهان تاريخا طويلا من المحاولات الأميركية للتدخل في الشؤون الكوبية.
الوضع الاقتصادي المتأزم
تواجه كوبا أزمة اقتصادية خانقة تفاقمت في السنوات الأخيرة. العقوبات الأميركية المفروضة منذ عقود، إلى جانب تراجع الدعم الفنزويلي وتأثيرات جائحة كورونا على قطاع السياحة الحيوي، دفعت الاقتصاد الكوبي إلى حافة الانهيار.
انقطاعات الكهرباء المتكررة، ونقص السلع الأساسية، وتدهور قيمة العملة المحلية، كلها عوامل تضغط على الحكومة الكوبية وتجعل موقفها أكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الأميركية. لكن التاريخ أثبت أن النظام الكوبي تمتع بقدرة استثنائية على الصمود رغم عقود من العقوبات والعزلة.
تداعيات إقليمية ودولية
التصعيد الأميركي تجاه كوبا لا يحدث في فراغ، بل يأتي ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل خريطة النفوذ في أميركا اللاتينية. بعد الإطاحة بمادورو في فنزويلا، تبدو كوبا الهدف التالي في قائمة إدارة ترامب.
هذه السياسة تثير قلقا دوليا واسعا. فالتدخل في شؤون دول ذات سيادة واستخدام القوة لتغيير الأنظمة يتعارض مع القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية. كما أن هذا النهج قد يؤدي إلى عدم استقرار إقليمي واسع ويفتح الباب أمام موجة جديدة من الهجرة من كوبا نحو الولايات المتحدة.
نظرة إلى المستقبل
السؤال المطروح الآن: هل ستنجح استراتيجية ترامب في إخضاع كوبا؟ أم أن هافانا ستجد طرقا بديلة للصمود كما فعلت طوال ستة عقود من الحصار؟
الواقع يشير إلى أن كوبا، رغم أزمتها الاقتصادية، لديها حلفاء دوليون يمكنها الاعتماد عليهم، من روسيا والصين إلى المكسيك ودول أميركا اللاتينية الأخرى. كما أن الشعب الكوبي أظهر على مر التاريخ قدرة كبيرة على التحمل والمقاومة.
في المقابل، قد تواجه إدارة ترامب انتقادات دولية واسعة إذا تصاعدت الأزمة، خاصة إذا أدت سياساتها إلى كارثة إنسانية في الجزيرة. كما أن التدخل العسكري المباشر، إذا تم التفكير فيه، سيكون له تكلفة سياسية واقتصادية باهظة.
خلاصة
تهديدات ترامب لكوبا تمثل فصلا جديدا في تاريخ العداء الأميركي الكوبي الممتد منذ الثورة الكوبية عام 1959. لكن هذه المرة، يبدو أن واشنطن مستعدة للذهاب إلى ما هو أبعد من العقوبات التقليدية، في محاولة لإسقاط آخر معاقل الشيوعية في نصف الكرة الغربي.
بين التهديد والترغيب، والحصار والمقاومة، يبقى مصير الشعب الكوبي معلقا في ميزان السياسة الدولية. السؤال الأهم: ما الثمن الذي ستدفعه المنطقة بأسرها إذا انهارت كوبا؟ وهل الولايات المتحدة مستعدة لتحمل تبعات هذا الانهيار المحتمل؟
المصادر:
-
سكاي نيوز عربية - ترامب يهدد كوبا: اتفاق قبل فوات الأوان أو مواجهة العواقب
-
BBC News - Trump tells Cuba to 'make a deal, before it is too late'
-
RT Arabic - كوبا ترد على ترامب بعد دعوته لهافانا بإبرام صفقة
الوسوم
ترامب يهدد كوبا | النفط الفنزويلي | العقوبات الأميركية على كوبا | الأزمة الاقتصادية في كوبا | العلاقات الأميركية الكوبية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار