فوائد الدين تلتهم 96% من الإيرادات هل فقدت ميزانية مصر قدرتها على التنفس؟
تعاني الموازنة العامة لمصر من أزمة مالية غير مسبوقة، حيث التهمت فوائد خدمة الدين نحو 96.4% من إجمالي الإيرادات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام المالي الجاري (يوليو-نوفمبر 2025). هذه الأرقام التي كشفها التقرير الشهري لوزارة المالية المصرية تكشف عن تفاقم العبء الديني الذي يهدد باستنزاف القدرات المالية للدولة ويحد من فرص التنمية.
أرقام قياسية تكشف حجم الأزمة
تكشف بيانات وزارة المالية توزيعاً خطيراً للمصروفات خلال الفترة:
| بند الإنفاق | القيمة (مليار جنيه) | نسبة الزيادة | الملاحظات |
|---|---|---|---|
| فوائد الديون | 1,060 | 45.2% ▲ | البند الأكبر والأخطر |
| الدعم والحماية الاجتماعية | 270 | 28.1% ▲ | تمثل 14.7% من المصروفات |
| الأجور وتعويضات العاملين | 263.6 | 9.5% ▲ | تمثل 14.4% من المصروفات |
| شراء السلع والخدمات | 70.6 | 2.6% ▲ | تمثل 3.8% من المصروفات |
المصدر: بيانات وزارة المالية المصرية (يوليو - نوفمبر 2025)
ارتفعت فوائد الدين بنسبة 45.2% لتصل إلى 1.06 تريليون جنيه، وهو ما دفع العجز الكلي في الميزانية إلى 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 3.1% للفترة نفسها من السنة المالية الماضية. هذا الارتفاع يعني أن كل جنيه تقريباً من إيرادات الدولة يذهب لسداد فوائد الديون، تاركاً هامشاً ضيقاً جداً لتمويل الخدمات والمشروعات التنموية.
في الوقت نفسه، حققت مصر فائضاً أولياً قدره 1.5% من الناتج المحلي (306.8 مليار جنيه)، وهذا يعني أن إيرادات الدولة تغطي مصروفاتها الجارية دون احتساب فوائد الدين. لكن عند إضافة هذه الفوائد المتراكمة، تتحول الحسابات إلى عجز كبير يصل إلى 1.26 تريليون جنيه بحسب تصريحات وزير المالية أحمد كجوك في أغسطس الماضي.
مصروفات الحكومة تواصل الارتفاع
لم تقتصر الزيادة على فوائد الدين فقط، بل امتدت إلى مختلف بنود المصروفات. ارتفعت المصروفات الحكومية بنسبة 32.5% لتصل إلى 1.83 تريليون جنيه، مع زيادات ملحوظة في عدة قطاعات حيوية:
- الأجور وتعويضات العاملين: 263.6 مليار جنيه (+9.5%) تمثل 14.4% من المصروفات
- الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية: 270 مليار جنيه (+28.1%) تمثل 14.7% من المصروفات
- شراء السلع والخدمات: 70.6 مليار جنيه (+2.6%)
هذه الأرقام تظهر أن ثلثي المصروفات تذهب إلى فوائد الدين والأجور والدعم، تاركةً مساحة محدودة للاستثمار في البنية التحتية والتنمية البشرية.
الإيرادات الضريبية تسجل نمواً قوياً لكنها لا تكفي
سجلت حصيلة الضرائب نمواً ملحوظاً بنسبة 35% لتصل إلى 961.6 مليار جنيه، وهو ما يمثل 87.5% من إجمالي الإيرادات التي بلغت 1.1 تريليون جنيه (+33%). وترجع وزارة المالية هذا الارتفاع إلى تحسن العلاقة مع مجتمع الأعمال وجني ثمار الحزمة الضريبية الأولى.
لكن هذا النمو القوي في الإيرادات لم يكن كافياً لمواجهة تسارع فوائد الدين. فالضرائب التي يدفعها المواطنون والشركات تذهب الآن مباشرة لسداد فوائد ديون، وليس لتمويل تحسين الخدمات العامة.
الدين الخارجي يقترب من 161 مليار دولار
بحسب بيانات البنك المركزي المصري، ارتفع إجمالي الديون الخارجية لمصر إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو 2025، بزيادة 8.3 مليار دولار (+5.5%) عن العام السابق. يشكل الدولار 68% من إجمالي الدين الخارجي، يليه اليورو بنسبة 12.4%.
تظهر بيانات الجهة الدائنة أن مصر مدينة بـ47.2 مليار دولار لمؤسسات متعددة الأطراف، على رأسها صندوق النقد الدولي بـ14.2 مليار دولار. كما تستحوذ الدول العربية (السعودية والإمارات والكويت) على 37.7 مليار دولار من الدين الخارجي.
التحليل: كيف وصلت مصر إلى هذا المأزق؟
يرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة ناتجة عن تراكمات سنوات من الاعتماد المفرط على الاقتراض لتمويل العجز المالي. فالدولة اقترضت بشكل مستمر لتغطية الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، مما أدى إلى تضخم فوائد الدين وتضاعفها. ومع ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً خلال السنوات الماضية، زادت تكلفة خدمة الدين الجديد والمستحق.
تؤكد تقارر صندوق النقد الدولي أن فوائد الدين في مصر من بين الأعلى بين الدول التي يقيمها الصندوق، حيث تستهلك أكثر من 60% من الإيرادات العامة. وإذا تم احتساب الفوائد المتراكمة على أذون الخزانة، فإن النسبة تتجاوز 90% من الإيرادات، مما يحد بشدة من المرونة المالية للدولة.
الآفاق المستقبلية والتحديات
تتوقع الحكومة تحقيق عجز كلي 7.3% من الناتج المحلي بنهاية العام المالي الجاري، مع الحفاظ على فائض أولي 4%. لكن هذه الأهداف تبدو صعبة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة الاقتراض.
تعمل مصر على تنويع مصادر التمويل وإطالة آجال الدين، حيث ارتفع متوسط عمر الدين المحلي من 1.2 سنة في يونيو 2024 إلى 1.6 سنة بنهاية يونيو 2025. كما تسعى لتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي بمقدار 1-2 مليار دولار سنوياً.
لكن الخبراء يحذرون من أن أي صدمة اقتصادية جديدة أو تقلبات في أسعار الصرف قد تزيد الأعباء بشكل كبير، مما يهدد استقرار المالية العامة.
في الختام
تعيش مصر في ظل فخ ديني خطير، حيث تذهب غالبية إيرادات الدولة لخدمة الديون القديمة، مما يحد من القدرة على الاستثمار في المستقبل. بينما يسجل الاقتصاد نمواً يصل إلى 4.5%، فإن هذا النمو لا يترجم إلى تحسن في القدرات المالية للدولة بسبب تسارع فوائد الدين.
تحتاج مصر إلى مزيج من الإصلاحات الضريبية العادلة، وتقليل الاعتماد على الاقتراض، وزيادة كفاءة الإنفاق العام، لكسر حلقة الدين المفرغة. أما بالنسبة للمواطن العادي، فإن هذه الأرقام تعني أن الضرائب التي يدفعها تذهب في الغالب لسداد فوائد ديون، وليس لتحسين الخدمات الصحية أو التعليم أو البنية التحتية التي يحتاجها.
المصادر:
- التقرير الشهري لوزارة المالية المصرية
- بيانات الدين الخارجي من البنك المركزي المصري
- تقرير Daily News Egypt عن الدين الخارجي
الوسوم
فوائد الدين في مصر | الموازنة العامة المصرية | الدين الخارجي المصري | عجز الموازنة | الاقتصاد المصري

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار