الذهب يتربع على عرش الملاذات الآمنة: هل يستمر الصعود أم أن التراجع بات وشيكاً؟

--

الذهب يتربع على عرش الملاذات الآمنة: هل يستمر الصعود أم أن التراجع بات وشيكاً؟

شهد عام 2025 تحولات جذرية في أسواق الذهب، إذ تخطى المعدن النفيس كل التوقعات ليسجل سلسلة من القمم التاريخية غير المسبوقة، متجاوزاً حاجز 4400 دولار للأونصة قرب نهاية العام، وفقاً لبيانات بلومبرغ. هذا الأداء يطرح تساؤلات حول مدى استدامة هذا الارتفاع، وهل يمثل واقعاً جديداً أم أنه مجرد فقاعة مؤقتة ستنفجر بأول تغيير في الظروف الجيوسياسية والاقتصادية.

العوامل التي أطلقت صواريخ الذهب

الحرب التجارية والتغيرات السياسية الأميركية

لم تكن الزيادة العشوائية. فقد شهدت الأسواق تدافعاً كبيراً نحو الذهب، خاصة من جانب صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالمعدن النفيس، مدفوعاً بالسياسات التجارية العدائية التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025. فرضت إدارته رسوماً جمركية بلغت 39% على واردات الذهب من سويسرا في أغسطس الماضي، مما أحدث اضطرابات في سلسلة التوريد العالمية وتسبب في فجوة سعرية بين سوقي نيويورك ولندن.

وقال تقرير لمجموعة وورلد جولد كونسل إن الذهب قفز من 3500 دولار إلى 4000 دولار في 36 يوماً فقط خلال أكتوبر 2025، وهو أسرع وتيرة صعود تشهدها الأسواق منذ عقود. وقد أدى ضعف الدولار الأميركي بنسبة 10% خلال العام إلى جعل الذهب أرخص لحاملي العملات الأخرى، ما عزز الطلب العالمي.

البنوك المركزية: المحرك الخفي

لعبت البنوك المركزية دوراً محورياً في دعم الأسعار. فقد واصل بنك الشعب الصيني زيادة احتياطياته من الذهب للشهر الثالث عشر على التوالي في نوفمبر 2025، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي ومجموعة وورلد جولد كونسل. ولم تقتصر المشتريات على الصين فحسب، إذ تصدر البنك الوطني البولندي قائمة المشترين بإضافة 83 طناً من الذهب منذ بداية العام، بينما اشترى البنك المركزي البرازيلي 16 طناً في أكتوبر وحده.

يقول ستيف برايس، كبير مسؤولي الاستثمار في ستاندرد تشارترد: "البنوك المركزية ترى في الذهب أداة تنويع فعالة للاحتياطيات بعيداً عن مخاطر الدولار والعقوبات الجيوسياسية". وتأتي هذه الاستراتيجية كرد فعل مباشر على تجميد الولايات المتحدة وحلفائها لأموال البنك المركزي الروسي عام 2022، ما كشف هشاشة الاحتياطيات الأجنبية المعرضة للعقوبات.

الذهب كملاذ آمن: هل لا يزال صالحاً؟

مزايا استثمارية متعددة

يؤكد تقرير ستاندرد تشارترد الصادر في أكتوبر 2025 أن الذهب يتميز بانخفاض ارتباطه بالأسهم والسندات، خاصة خلال فترات التضخم المرتفع. فعلى مدى الخمسين عاماً الماضية، أظهر المعدن ارتباطاً سلبياً بسندات الخزانة الأميركية أثناء الأزمات الاقتصادية، مما يجعله أداة تحوط فعالة.

واستند التقرير إلى دراسة أجريت على مدى 20 عاماً (1999-2019) تبين أن المحفظة التقليدية المكونة من 60% أسهم و40% سندات حققت أداء أدنى باستمرار من محافظ مماثلة تضم تخصيصاً للذهب. وحتى تخصيص بنسبة 5% فقط من الذهب كان يمكن أن يزيد العائد السنوي بنسبة تتجاوز 1%.

الثقافة والطلب الفعلي

يضيف المستهلكون في الهند والصين دعماً قوياً للأسعار. فالعائلات الهندية تمتلك نحو 25 ألف طن من الذهب، أي أكثر من خمسة أضعاف المخزون الأميركي في فورت نوكس، وفقاً لتقديرات بلومبرغ. وعندما يتراجع الطلب الاستثماري، يتدخل مشترو المجوهرات والسبائك لاقتناص الفرص، ما يخلق أرضية صلبة للأسعار.

المخاطر والتحديات: متى ينقلب المشهد؟

سيناريوهات التراجع المحتملة

يحدد الخبراء عدة عوامل يمكن أن تكبح جماح الصعود:

  1. عودة قوة الدولار: إذا تعافى الدولار الأميركي بفعل سياسات نقدية مشددة من الفيدرالي، سيفقد الذهب أحد أهم محفزاته.
  2. التهدئة الجيوسياسية: أي اتفاق سلام محتمل بين روسيا وأوكرانيا أو تخفيف التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين قد يقلل من جاذبية الملاذات الآمنة.
  3. خفض الرسوم الجمركية: إذا تراجعت إدارة ترامب عن رسومها الجمركية، ستنخفض تكلفة استيراد الذهب وتعود التوازنات السعرية تلقائياً.

هل تمتص الأسواق الزيادة؟

يقول تقرير وورلد جولد كونسل إن حيازات صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب لا تزال أقل بنسبة 2% عن ذروتها في عام 2020، مما يشير إلى أن الطلب الاستثماري لم يبلغ مرحلة التشبع بعد. لكن التراجع المفاجئ في أسعار أكتوبر 2025، حينما خسر الذهب نحو 10% في أسبوع واحد، أظهر حساسية السوق للتغيرات السريعة.

رقمنة الذهب: حل المشكلات اللوجستية

تواجه صناعة الذهب تحديات في التداول والتخزين. السبائك المخزنة في لندن بوزن 400 أونصة تحتاج إلى إعادة صهر في مصافي سويسرا لتصبح 100 أونصة أو كيلوغرام واحد حسب معايير بورصة كومكس في نيويورك. وهذا يخلق اختناقات في سلسلة التوريد، خاصة مع فرض الرسوم الجمركية.

تعمل شركات مثل "كونكلود زرت" في بودابست على تطوير حلول رقمنة لتسهيل التداول وتخفيض التكاليف، في محاولة لتطوير سوق بقيمة 11 تريليون دولار.

التوقعات: واقع جديد أم فقاعة مؤقتة؟

يرى المحللون في بلومبرغ أن الذهب قد يواصل الارتفاع في 2026 إذا حافظت التوقعات على خفض الفائدة الأميركية واستمر التوتر الجيوسياسي. لكنهم يحذرون من أن السرعة القياسية للصعود قد تخلق مخاطر تصحيح حاد.

ووفقاً لتقرير من كابيتال إيكونومكس: "التراجع قصير المدى ممكن نظراً للسرعة التي ارتفعت بها الأسعار، لكن على المدى الطويل، من المرجح أن يواصل الذهب صعوده التدريجي".

باختصار، يبدو أن الذهب يمر بمرحلة إعادة تموضع في النظام المالي العالمي. فهو لم يعد مجرد ملاذ تقليدي، بل أصبح أداة استراتيجية للبنوك المركزية والمستثمرين على حد سواء. والتحدي الحقيقي ليس في السعر نفسه، بل في توازن القوى الجديدة التي تشكل الاقتصاد العالمي.


المصادر:

المقال مستند إلى البيانات والتحليلات المنشورة في تقارير بلومبرغ، مجلس الذهب العالمي (World Gold Council)، وستاندرد تشارترد، بالإضافة إلى المقال الأصلي من بلومبرغ بتاريخ 4 يناير 2026.

الوسوم

الذهب | الملاذات الآمنة | البنوك المركزية | أسعار الذهب | التضخم

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

لبنان على حافة الانفجار: نهاية مهلة نزع سلاح "حزب الله" ومخاوف عام 2025

البحر الكاريبي يغلي: ترامب يفرض "حجراً صحياً" بحرياً على فنزويلا

طهران تتحدى تهديدات مارالاجو: قدراتنا خارج حدود الاحتواء وردنا سيفوق التصور