واشنطن تدق طبول الحرب مع إيران.. وإسرائيل تنسحب من غرفة القرار
المقدمة: تقاطع المصالح والتباينات السياسية
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، يبرز تناقض واضح في السياسة الأمريكية-الإسرائيلية تجاه إيران. من جهة، تؤكد مصادر إسرائيلية رفيعة المستوى أن إسرائيل ليست شريكاً في أي مخطط أميركي لعمل عسكري ضد إيران، ولا تملك معلومات عن موعد أو طبيعة أي خطوة أمريكية محتملة. من جهة أخرى، يؤكد خبراء أن واشنطن تحتاج بشكل حاسم إلى الاستخبارات الإسرائيلية لتنفيذ أي ضربة فعالة ضد إيران.
هذا التناقض يعكس عمق العلاقة المعقدة بين الحليفين الاستراتيجيين، حيث التعاون الاستخباراتي يتصارع مع الحسابات السياسية المستقلة لكل دولة.
الموقف الإسرائيلي الرسمي: استقلالية القرار العسكري
نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، عن مصادر أمنية إسرائيلية رفيعة، تأكيدات واضحة بأن إسرائيل غير مشتركة في التخطيط الأمريكي لضربة عسكرية محتملة ضد إيران. وأشارت المصادر إلى أن القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية مركزة على ثلاثة محاور رئيسية: المراقبة الدقيقة للبرنامج النووي، تتبع قدرات الصواريخ الباليستية، ومراقبة الأنشطة التخريبية عبر الوكلاء في المنطقة.
يأتي هذا الموقف في سياق تقليدي إسرائيلي طويل الأمد. فكما أشار معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، فإن إسرائيل ترفض أن تكون مجرد "شريك تنفيذي" في المخططات الأمريكية، بل تتمسك بحقها في اتخاذ قراراتها العسكرية بشكل مستقل عندما ترى أن تهديداً وجودياً يتطلب تدخلاً فورياً.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أكد هذه الاستراتيجية خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، حيث أبلغ الرئيس دونالد ترامب أن إسرائيل لن تنتظر موافقة أمريكية إذا ما تغيرت الظروف الأمنية بشكل جوهري، خاصة إذا اقتربت إيران من "نقطة اللاعودة" النووية.
الحاجة الأمريكية للاستخبارات الإسرائيلية: مصدر قلق واشنطن
على الرغم من استقلالية الموقف الإسرائيلي، يؤكد خبراء أمنيون أن أي عملية عسكرية أمريكية ضد إيران ستعتمد بشكل كبير على المعلومات الإسرائيلية لثلاثة أسباب رئيسية:
-
الغطاء الاستخباراتي الإقليمي: تفتقر الولايات المتحدة إلى وجود استخباراتي ميداني عميق داخل إيران، بينما تمتلك إسرائيل شبكة استخبارات ناشطة تتمثل في عملاء ميدانيين وتعاون مع معارضين إيرانيين وقدرات تقنية متقدمة.
-
القدرات التقنية المتخصصة: نجحت إسرائيل في توقف برنامج إيران النووي عبر عملية "عام كلافي" في يونيو 2025، حيث دمرت منشآت التخصيب في نطنز وفوردو وإصفهان. هذه الخبرة العملية تجعل الاستخبارات الإسرائيلية "أكثر قيمة" للبنتاجون من أي مصدر آخر.
-
التحذيرات المبكرة: حذرت مصادر إسرائيلية من أن إيران تعيد بناء قدراتها الصاروخية بوتيرة سريعة، وأنها قد تستغل الاضطرابات الداخلية كذريعة لتسريع البرنامج النووي. هذه المعلومات تمثل "خط الدفاع الأول" لتوقيت أي ضربة أمريكية احتياطية.
السياق التاريخي: التعاون والخلاف
العلاقة الاستخباراتية بين واشنطن وتل أبيب ليست جديدة. في عام 2011، كشفت تسريبات أن إسرائيل اعتمدت على قدرات الاستخبارات الأمريكية لتقييم برنامج إيران النووي، بينما تتبع وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) تحركات سلاح الجو الإسرائيلي عبر الأقمار الصناعية.
لكن التوترات تزايدت بعد تسريب أسرار عسكرية في أكتوبر 2024، حيث كشف محلل CIA سراً عن خطط إسرائيلية لضرب إيران، مما أدى إلى توتر العلاقات بين الجانبين. رغم ذلك، استمر التعاون في المجال الدفاعي، حيث شاركت الولايات المتحدة في اعتراض الهجمات الإيرانية على إسرائيل في يونيو 2025، لكنها امتنعت عن المشاركة الهجومية المباشرة.
تقديرات الخبراء: السيناريوهات المحتملة
سيناريو عدم المشاركة
تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن الولايات المتحدة قد لا تمتلك قوات كافية في المنطقة لتنفيذ ضربة شاملة، وبالتالي قد تكتفي بدور داعم لوجستي واستخباري. كما أبلغت إدارة ترامب إسرائيل سراً أن أي عملية ستكون "مهمة منفردة" من الجانب الإسرائيلي، مع تقديم مساعدة دفاعية فقط.سيناريو التنسيق المحدود
إذا قررت واشنطن الهجوم، فإن التنسيق قد يقتصر على تبادل المعلومات وتوفير الدعم الجوي لإعادة التزود بالوقود، دون مشاركة مباشرة في القصف. هذا يعكس "الأسلوب النموذجي" الذي اتبعه ترامب في السياسة الخارجية: دعم الحلفاء دون الانغماس العسكري المباشر.سيناريو الصدام المحتمل
حذر خبراء من أن أي ضربة أمريكية-إسرائيلية مشتركة قد تدفع إيران إلى الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) وتسريع برنامجها النووي السري. كما أنها قد توحد الصفوف الداخلية حول النظام الإيراني، الذي يواجه حالياً احتجاجات شعبية.الجوانب التقنية والاستخباراتية
أبرز التحديات الفنية التي تواجه واشنطن:
-
القدرات الدفاعية الإيرانية: دمرت إسرائيل معظم منظومات الدفاع الجوي الإيرانية في عملية يونيو 2025، مما يجعل إيران "مكشوفة" أمام أي ضربة جوية. لكن إيران أعادت بناء شبكة دفاعية بدائية من خلال شراء منظومات روسية وكورية شمالية.
-
التعقيد الجغرافي: الموقع الجبلي لمنشأة فوردو تحت الأرض يتطلب قنابل اختراق تحتاج إلى B-2 أو B-52، وهي قاذفات لا تمتلكها إسرائيل. هذا يجعل المشاركة الأمريكية "ضرورية تقنياً" لكن غير مؤكدة سياسياً.
-
التحذيرات الاستخباراتية: رصدت أجهزة الاستخبارات الغربية نشاطاً غير عادي للحرس الثوري الإيراني، يشمل تمرينات صاروخية وتعزيزاً للوحدات الجوية دون طيار. يتم تفسير هذا كرسالة ردع لإسرائيل والولايات المتحدة.
التداعيات السياسية والإقليمية
الموقف الإيراني
تتهم طهران واشنطن بالبحث عن "ذريعة" للتدخل العسكري، خاصة بعد أحداث الاضطرابات الداخلية. الحرس الثوري أجرى تدريبات صاروخية استعراضية لإرسال رسالة واضحة: "أي هجوم سيواجه برد قاسٍ".الموقف الأمريكي الداخلي
يواجه ترامب ضغوطاً من الجمهوريين المتشددين لاتخاذ موقف حازم، لكنه يفضل "صياغة صفقة" تضمن وقف البرنامج النووي دون حرب. مستشاروه يحذرونه من تكرار أخطاء حرب العراق.الخيارات الإسرائيلية
تدرس إسرائيل خيار "تغيير النظام" كحل دائم، لكنها تدرك أن أي تدخل عسكري الآن قد يعزز شرعية النظام لدى الشعب الإيراني. بناءً على ذلك، فضلت إسرائيل "الجلوس والانتظار" لترى كيف تتطور الاحتجاجات الداخلية.الخلاصة: توازن القوى والمصالح المتعارضة
تُظهر التطورات الأخيرة أن التعاون الاستخباراتي بين واشنطن وتل أبيب لا يعني بالضرورة تطابقاً في السياسة العسكرية. واشنطن تحتاج المعلومات الإسرائيلية لتقييم التهديدات بدقة، لكنها ترفض الانجرار إلى حرب شاملة. إسرائيل بدورها تتمسك بحقها في الدفاع عن نفسها بشكل مستقل، لكنها لا تريد مواجهة إيران وحدها.
النتيجة الحالية هي "حالة انتظار استراتيجي"، حيث يُراقب الطرفان الاضطرابات الإيرانية عن كثب، مع استعداد عسكري للرد إذا لزم الأمر. كما يقول المحلل الإسرائيلي رون بن يشاي: "من مصلحة ترامب ونتنياهو الانتظار والسعي إلى اتفاق يبعد التهديد"، لأن "الهجوم، حتى لو كان فعالاً، قد يؤدي إلى توحيد الصفوف داخل إيران".
المصادر المباشرة
-
سكاي نيوز عربية: "خبراء: واشنطن تحتاج استخبارات إسرائيل لتنفيذ ضربة ضد إيران" (2026-01-14) https://www.skynewsarabia.com/live-story/1732640/66320-خبراء-واشنطن-تحتاج-استخبارات-إسرائيل-لتنفيذ-ضربة-ضد-إيران
-
Axios: "U.S. told Israel it won't participate in an Israeli strike on Iran" (2025-06-12) https://www.axios.com/2025/06/12/israel-strike-iran-us-not-participate
-
موقع الخنادق: مقال رون بن يشاي من "يديعوت أحرونوت" المترجم "لا خطر على النظام ولا حرب وشيكة مع إيران" (2026-01-07) https://alkhanadeq.com/post/9994/يديعوت-أحرنوت-لا-خطر-على-النظام-ولا-حرب-وشيكة-مع-إيران
ملاحظة: جميع التواريخ المذكورة هي وفقاً لتاريخ نشر المصادر الأصلية.
الوسوم
واشنطن | الاستخبارات الإسرائيلية | إيران | الضربة العسكرية | البرنامج النووي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار