أزمة القطب الشمالي.. ترامب يلوح بامتلاك جرينلاند بالقوة لوقف روسيا والصين
جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته بضم جزيرة جرينلاند، مؤكدًا أن الولايات المتحدة بحاجة ماسة إلى "امتلاك" الإقليم لمنع روسيا والصين من الوصول إليه. وفي تصريحات أثارت قلق الحلفاء الأوروبيين، قال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة:
"يجب أن تمتلك الدول أراضيها، ويجب الدفاع عن الملكية لا عن عقود الإيجار. سنضطر للدفاع عن جرينلاند"
محذراً من أن واشنطن ستتصرف "إما بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة".
تأتي هذه التصريحات في توقيت حساس، بعد ساعات من عملية عسكرية أمريكية في فنزويلا أطاحت برئيسها نيكولاس مادورو، ما يمنح التهديدات مصداقية عملية. ويرى مسؤولون في البيت الأبيض أن مثل هذه العمليات تبعث برسالة واضحة للعالم بأن "أمريكا لا تمزح"، وفقًا لما أوردته صحيفة بوليتيكو.
السياق القانوني: من يملك جرينلاند؟
تتمتع جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم بمساحة 2.16 مليون كيلومتر مربع، بنظام حكم ذاتي موسع منذ عام 2009. وبموجب قانون الحكم الذاتي، تتحكم حكومة نوك في معظم شؤونها الداخلية، بما في ذلك الموارد الطبيعية والتعليم والرعاية الصحية، بينما تتولى الدنمارك السياسة الخارجية والدفاع والشؤون المالية.
يبلغ عدد سكان الجزيرة نحو 57 ألف نسمة، ويمنحهم القانون الدنماركي الحق في تقرير مصيرهم عبر استفتاء شعبي. وفي حال التصويت لصالح الاستقلال، يجب أن تتبع ذلك مفاوضات مع كوبنهاجن، وموافقة البرلمان الدنماركي على أي تغيير في الوضع القانوني للإقليم، وفق المادة 21 من قانون الحكم الذاتي.
الدوافع الاستراتيجية الأمريكية
الموقع الجغرافي الحيوي
تقع حرينلاند بين أمريكا الشمالية والقطب الشمالي، ما يجعلها حجر زاوية في أنظمة الإنذار المبكر ضد الهجمات الصاروخية، ولمراقبة السفن في المنطقة. ويسعى ترامب لنشر رادارات في الممرات المائية التي تربط الجزيرة بآيسلندا والمملكة المتحدة، وفقًا لتقرير رويترز.
الثروات الطبيعية
أظهر مسح عام 2023 أن 25 من أصل 34 معدناً حرجاً حددها الاتحاد الأوروبي موجودة في جرينلاند، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة واليورانيوم والحديد. ويعتقد العلماء أن الجزيرة قد تحتوي على احتياطات كبيرة من النفط والغاز، أصبح استخراجها أسهل مع ذوبان الجليد نتيجة تغير المناخ.
الوجود العسكري الحالي
تستند الولايات المتحدة إلى اتفاقية الدفاع الموقعة مع الدنمارك عام 1951، التي تسمح لواشنطن ببناء "مناطق دفاعية" إضافية. ويتواجد أكثر من 100 جندي أمريكي بشكل دائم في قاعدة بيتوفيك الفضائية (Pituffik Space Base)، المعروفة سابقًا باسم "قاعدة ثول الجوية"، والتي تديرها واشنطن منذ الحرب العالمية الثانية.
لكن ترامب يعتبر هذه الترتيبات غير كافية، وقال بوضوح:
"لا يمكن للدول إبرام اتفاقيات لمدة تسع سنوات أو حتى مائة عام، يجب أن تمتلك الأرض".
خيارات "الطريقة السهلة" للاستحواذ
محاولة الشراء التجارية
بحسب تقارير رويترز، ناقش مسؤولو البيت الأبيض عروضاً تتراوح بين 10 آلاف و100 ألف دولار لكل من سكان الجزيرة، ليصل إجمالي المبلغ إلى نحو 5.6 مليار دولار كحد أقصى.
لكن هذه المحاولة تواجه رفضاً قاطعاً. فقد أظهر استطلاع للرأي أن 85% من سكان جرينلاند يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، بينما أيد 7% فقط من الأمريكيين فكرة الغزو العسكري للإقليم.
الضغط الدبلوماسي
من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الأسبوع المقبل مع قادة دنماركيين لمناقشة الملف. ويؤكد البيت الأبيض أن "الدبلوماسية هي الخيار الأول"، مع عدم استبعاد أي خيار آخر.
تهديدات "الطريقة الصعبة" والسيناريو العسكري
التفسير القانوني للقوة
بحسب تحليلات رويترز، فإن القوات الأمريكية في قاعدة بيتوفيك أقوى بكثير من القوات الدنماركية الموجودة في الجزيرة. ويعتقد محللون أنه إذا قررت واشنطن استخدام هذه القوات لاحتلال جرينلاند، فقد تتمكن من ذلك دون مقاومة عسكرية كبيرة.
لكن هذا السيناريو يهدد بحل حلف الناتو. فقد حذرت الدنمارك من أن أي عمل عسكري سيؤدي إلى "انهيار التحالف الدفاعي عبر الأطلسي". كما أصدرت سبع دول أوروبية كبرى، إلى جانب كندا، بياناً مشتركًا أكدت فيه أن:
"الدنمارك وجرينلاند وحدهما من يملكان الحق في البت في المسائل المتعلقة بهما".
وشدد البيان على أن أمن القطب الشمالي يتطلب تضافر جهود الحلفاء، بمن فيهم الولايات المتحدة، مع الالتزام بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود.
الرسائل التصعيدية
قال ترامب إن السيطرة على غرينلاند ليست سوى مسألة "متى وكيف"، مضيفاً:
"سنفعل شيئًا بشأن جرينلاند، سواء أحبوا ذلك أم لا".
كما شكك في الأساس التاريخي للمطالبة الدنماركية، قائلاً:
"مجرد أن قارباً وصل إلى هناك قبل 500 عام لا يعني أنهم يملكون الأرض".
وأقر ترامب في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز بأنه يدرك تكلفة هذا الخيار، مشيرًا إلى أنه "قد يكون خيارًا"، حتى لو أدى ذلك إلى نهاية الناتو.
الموقف الأوروبي الموحد والموقف الشعبي
أشارت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إلى أن الرسائل الصادرة من واشنطن "مقلقة للغاية"، لافتة إلى وجود نقاشات أوروبية حول مدى جدية التهديدات وكيفية التعامل معها.
وفي بيان مشترك، أكد قادة الأحزاب في جرينلاند، بمن فيهم أحزاب المعارضة:
"لا نريد أن نكون أمريكيين، ولا نريد أن نكون دنماركيين، نريد أن نكون جرينلانديين. يجب أن يقرر شعب جرينلاند مستقبل جرينلاند".
تحليل المستقبل: لعبة ضغط أم بداية صراع؟
يرى مسؤولون أمريكيون أن استراتيجية ترامب تقوم على استخدام الضغط والتهديد كأدوات فعالة، سبق أن أجبرت حلفاء الناتو على زيادة الإنفاق الدفاعي. ويعتقدون أن الأسلوب ذاته قد ينجح مع الدنمارك.
في المقابل، يحذر خبراء من أن أي عمل عسكري ستكون له تداعيات كارثية على العلاقات عبر الأطلسي. ويقول الاقتصادي جيفري ساكس:
"ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يوضح لترامب أن يتوقف عن هذا الانتهاك للسيادة الأوروبية. جرينلاند ليست للبيع أو للاستيلاء عليها من قبل الولايات المتحدة".
ومع اقتراب محادثات روبيو مع الدنمارك، تبقى جرينلاند في قلب أزمة جيوسياسية مرشحة لإعادة تشكيل التحالفات الغربية لسنوات طويلة.
المصادر المباشرة
-
إدارة ترامب تؤكد أن جميع الخيارات مطروحة للسيطرة على حرينلاند – رويترز | 10 يناير 2026
-
مقامرة ترامب في جرينلاند: كيف يمكن أن تنقلب سياسة الضغط ضد حلف الناتو – بوليتيكو | 10 يناير 2026
-
من يملك جرينلاند؟ تحليل قانوني للحكم الذاتي والسيادة – تشاتهام هاوس | 10 يناير 2026
الوسوم
جرينلاند | القطب الشمالي | حلف الناتو | ترامب | السيادة الدنماركية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار