ترامب يلوح بضم جرينلاند بالقوة… تصعيد يكشف عجز أوروبا ويهدد بتفكيك الناتو

--

في أعقاب عملية فنزويلا، يصعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تهديداته ضد أكبر جزيرة في العالم، محذراً من أن الخيار العسكري "يبقى مطروحاً"، بينما تتكشف أوروبا عن عجزها في مواجهة حليفها التقليدي.

ترامب يلوح بضم جرينلاند بالقوة… تصعيد يكشف عجز أوروبا ويهدد بتفكيك الناتو

مقدمة: تصعيد غير مسبوق

بعد أيام من العملية العسكرية الأمريكية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وجه ترامب أنظاره نحو هدف جديد: جزيرة غرينلاند القطبية الشمالية التابعة للدنمارك. وفي مؤتمر صحفي عقد نائبه جاي دي فانس يوم الخميس، حض أوروبا على أخذ تهديدات الرئيس "على محمل الجد"، مؤكدًا أن واشنطن سـتضطر لـ"فعل شيء حيال ذلك" إذا لم تتحرك الدنمارك وحلفاؤها الأوروبيون لحماية الجزيرة.

وقال فانس بشكل صريح: "ما نطلبه من أصدقائنا الأوروبيين هو أن يأخذوا أمن تلك الكتلة الأرضية على محمل الجد، لأنه إذا لم يفعلوا ذلك، فسيتعين على الولايات المتحدة أن تفعل شيئا حيال ذلك". وأضاف أنه سيترك تحديد "ماهية ذلك" للرئيس، فيما تسعى إدارته لعقد اجتماع مع مسؤولين دنماركيين وجرينلانديين الأسبوع المقبل.

الخلفية التاريخية: حلم أمريكي قديم

اهتمام الولايات المتحدة بجرينلاند لا يبدأ مع ترامب. فقد عرض وزير الخارجية الأمريكي ويليام سيوارد شراء الجزيرة بعد نجاحه في شراء ألاسكا عام 1867، رأى أن غرينلاند ستساعد أمريكا على "السيطرة على التجارة العالمية" بفضل موقعها الاستراتيجي وثرواتها المعدنية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، قدم الرئيس هاري ترومان أول عرض رسمي للدنمارك بقيمة 100 مليون دولار من الذهب، لكن الدنمارك رفضت. وفي عام 1979، منحت غرينلاند حكماً ذاتياً أوسع، مما جعلها أكثر استقلالية عن كوبنهاجن.

مع ذلك، ظلت أمريكا تحافظ على وجود عسكري في الجزيرة عبر قاعدة بيتوفيك الفضائية، وهي آخر ما تبقى من قواعدها العسكرية المتعددة هناك.

الموقف الأمريكي الحالي: من الصفقة العقارية إلى التهديد العسكري

في المؤتمر الصحفي الذي عقده في مارالاغو قبل عام، لم يستبعد ترامب اللجوء إلى القوة العسكرية، وقال بكل وضوح: "أعتقد أننا سنحصل عليها. بطريقة أو بأخرى، سنحصل عليها". وفي بيان رسمي نشرته المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، أكدت أن "ضم غرينلاند يمثل أولوية للأمن القومي للولايات المتحدة"، وأن استخدام الجيش "يبقى خياراً مطروحاً".

وحسب مصادر رويترز، تدرس إدارة ترامب آلية جديدة لـ"شراء" الجزيرة عبر تقديم دفعات نقدية مباشرة لسكانها البالغ عددهم 57 ألف نسمة، في محاولة لإقناعهم بالانضمام طوعاً إلى الولايات المتحدة.

الموقف الدنماركي والأوروبي: رفض وتحذير من الكارثة

منذ البداية، رفضت الدنمارك وجرينلاند عروض ترامب بشكل قاطع. يقول رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن: "الجزيرة ليست للبيع، وسكانها وحدهم من يقررون مستقبلها". وتحذر رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن من أن أي هجوم أمريكي على غرينلاند "سيؤدي إلى انهيار حلف الناتو".

وفي رد أوروبي منسق، أصدرت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة بياناً مشتركاً أعربت فيه عن دعمها للدنمارك، وتعهدت بالدفاع عن "المبادئ العالمية" المتمثلة في "السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود".

لكن صحيفة لوفيغارو الفرنسية تشير إلى حقيقة مؤلمة: "لم يكن هناك أحد على استعداد لمحاربة الولايات المتحدة". ويرى محللون أن أوروبا لا تملك أدوات فعالة لردع أي تصرف أمريكي، وستكتفي بخطوات رمزية مثل زيارة وزراء الاتحاد الأوروبي للجزيرة أو فتح قنصلية فرنسية في عاصمتها نوك.

الأهمية الاستراتيجية: لماذا غرينلاند؟

تبلغ مساحة غرينلاند 836 ألف ميل مربع، وتقع بين الولايات المتحدة وأوروبا على ممر استراتيجي يربط القطب الشمالي بالمحيط الأطلسي. وتحتوي الجزيرة على موارد طبيعية هائلة من نفط وغاز ومعادن أرضية نادرة، رغم أن استغلالها اقتصادياً صعب وغير مربح حاليًا.

لكن الحجة الأمنية التي يسوقها ترامب تلقى انتقادات واسعة. فاتفاق الدفاع الموقع عام 1951 يمنح أمريكا بالفعل وجوداً عسكرياً في الجزيرة لمواجهة التحديات الروسية والصينية في القطب الشمالي. ويرى منتقدون أن دوافع ترامب الحقيقية تكمن في رغبته بتسجيل اسمه كرئيس وسع أراضي الولايات المتحدة، لا في المخاوف الأمنية.

السيناريوهات والخيارات المستقبلية

استعرضت صحيفة لوباريزيان الفرنسية أربعة سيناريوهات محتملة:

  1. تعزيز الدفاعات الأوروبية: عبر الناتو لقطع الطريق أمام ذريعة الأمن القومي الأمريكي.
  2. الضغط الدبلوماسي والاقتصادي: مع دفع واشنطن نحو استقلال جزئي لجرينلاند لتسهيل صفقة توسع الوجود الأمريكي.
  3. الخيار العسكري المباشر: الأقل احتمالاً لكنه لم يعد مستحيلاً، وتداعياته ستكون كارثية على الناتو.
  4. ردود أوروبية رمزية: مثل نشر قوات رمزية في غرينلاند دون مواجهة أمريكا مباشرة.

خاتمة: أزمة تكشف هشاشة العلاقات الأطلسية

تؤكد صحيفة لوموند أن "سياسة المجاملة والانحناء" لم تؤدِ إلا لمزيد من التصعيد، وأن "الحزم لا المسايرة" هو السبيل الوحيد لإعادة التوازن. فضم جرينلاند بالقوة سيقوض جوهر الناتو ويفرغ المادة الخامسة من معناها، مانحاً روسيا نصراً استراتيجيًا مجانياً.

لكن الحقيقة الأشد وضوحاً هي أن أوروبا تواجه "مفترساّ ثالثاً" إلى جانب روسيا والصين، كما يقول الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة جان ماري جيهينو. والسؤال ليس فقط عن مستقبل غرينلاند، بل عن مستقبل التحالفات الغربية نفسها في عهد ترامب الثاني.

المصادر:

الوسوم

ترامب | جرينلاند | حلف الناتو | الأزمة الأطلسية | الأمن القومي الأمريكي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الذهب يتربع على عرش الملاذات الآمنة: هل يستمر الصعود أم أن التراجع بات وشيكاً؟

ترامب بعد الإطاحة بمادورو: مطالب بجرينلاند وتوسع النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي

المثلث الأميركي المرعب.. خطة واشنطن للاستحواذ على نفط فنزويلا وكابوس الصين