فنزويلا: كنز نفطي “ثقيل” يرعب ترامب ويربك شركات الطاقة الأمريكية
تبدو فنزويلا على الورق “الجنة النفطية” الكبرى: 303 مليارات برميل من الاحتياطيات – أي ما يعادل 17 % من الاحتياطي العالمي – تجعلها الدولة صاحبة أكبر مخزون على كوكب الأرض. لكن في الممارسة، يتحول هذا الكنز إلى “نفط ثقيل ومرير” يصعب هضمه في معدة السوق الأمريكية، ويضع إدارة الرئيس دونالد ترامب في مواجهة مباشرة مع شركات النفط العملاقة التي تضع “الجيب الاقتصادي” فوق “الجيب السياسي”.
مطب الأرقام: 50 دولاراً أم 70؟
يطالب ترامب بسعر برميل قريب من 50 دولاراً لإرضاء الناخبين الذين يتذمرون من ارتفاع أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية. لكن الشركات تضع يدها على قلبها عند هذا الرقم، لأن:- 60 دولاراً: الحد الأدنى الذي تبدأ معه شركات النفط الصخري الأمريكية بتقليص الحفر الجديد.
- 61–70 دولاراً: متوسط نقطة التعادل (Break-even) للاستثمارات الجديدة.
- 57 دولاراً: متوسط سعر الخام اليوم، أي دون منطقة الربح الآمن.
نتيجة هذه الحسابات: أي تدفق فنزويلي إضافي للسوق قد يدفع الأسعار للهبوط أكثر، ويفقِد الشركات هامش الربح.
المصدر: تحليل بيانات Trading Economics لأسعار خام برنت – يناير 2026
لماذا يكلف نفط فنزويلا أكثر؟
أ) طبيعة الخام
- ميري 16 (Mer-16) هو الخام القياسي الفنزويلي: ثقيل الحرارة، عالي الكبريت (Heavy & Sour).
- يحتاج إلى وحدات تقطير متقدمة + مذيبات كيميائية لخفض اللزوجة.
- تكلفة التكرير أعلى بنحو 5–8 دولارات للبرميل مقارنة بخام “خفيف حلو” مثل برنت.
ب) البنية التحتية المنهارة
- إنتاج البلاد انهار من 3.2 مليون برميل/يوم (1998) إلى 800 ألف برميل/يوم (2025) بسبب نقص الاستثمار والصيانة.
- يحتاج القطاع إلى 12–15 مليار دولار على الأقل لاستعادة مليون برميل إضافي يومياً خلال 5 سنوات.
تقرير OPEC الشهري – ديسمبر 2025، ص 47-49
ج) حزام أورينوكو: كنز بلا مقبض
- 60 % من الإنتاج الحالي يأتي من هذا الحزام.
- الكثافة 8–10 °API، أي أنه أثقل من الماء في بعض المناطق، ويستدعي خلطه بالمذيبات قبل النقل.
دراسة معهد Baker Hughes عن الخواص الفيزيائية لخامات أورينوكو – 2024
ترامب يعد بـ100 مليار… فماذا ترد الشركات؟
في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض، تحدّث ترامب عن “فرصة تاريخية” تتجاوز 100 مليار دولار استثمارات أمريكية في فنزويلا. لكن الرئيس التنفيذي لإكسون موبيل، دارين وودز، ردّ ببرود:“نحتاج تغييرات تجارية وقانونية جوهرية قبل أن نكتب شيكاً واحداً” – مؤتمر “CERAWeek”، هيوستن، 11 يناير 2026
أبرز هذه التغييرات من منظور الشركات:
- تعديل قانون الهيدروكربونات 2001 ليعيد السماح بعقود المشاركة (Production Sharing) بدلاً من خدماتية فقط.
- إلغاء متطلبات الأغلبية الحكومية (51 %) في أي مشروع مشترك.
- الاعتراف بالتحكيم الدولي (ICSID) في حال النزاع.
- إنهاء العقوبات الأمريكية المفروضة على شركة PDVSA – وهو أمر خارج السلطة الفنزويلية الخالصة.
درس 2020 لا ينسى
عندما انهار الطلب بسبب الجائحة، وصل سعر النفط إلى سالب 37 دولاراً للبرميل في أبريل 2020. أُغلِق 40 % من منصات الحفر الأمريكية، وخسرت الشركات 110 مليار دولار.اليوم، ترفض الشركات تكرار السيناريو: “سنحافظ على أرباحنا وتوزيعات الأرباح أولاً، ثم نفكّر بالتوسّع” – تصريح شيفرون في تقرير أرباح الربع الرابع 2025
من يربح المعركة إذن؟
- السياسة تريد نفطاً رخيصاً وسريعاً.
- السوق تريد أسعاراً مريحة واستثمارات آمنة.
كل المؤشرات ترجّح أن “صبر السوق” سيفوز على “حماسة السياسة”. فالشركات تستطيع الانتظار حتى يرتفع السعر أو تتحسّن شروط الاستثمار، بينما السياسة تُقاس بسنوات الولاية لا بعقود النفط.
رسم إيضاحي (نصي)
سعر الخام الحالي ≈ 57 دولاراً ├─ ترامب يريد 50 دولاراً └─ الشركات تريد 61–70 دولاراً └─ فنزويلا تحتاج 12–15 مليار دولار + إصلاحات تشريعية
خلاصة
فنزويلا تمتلك “الذهب الأسود” لكنه مطلي بـ”الإسفلت الثقيل”. حتى لو رفعت واشنطن العقوبات غداً، ستبقى التكاليف الفنية والتجارية عائقاً أمام أي تدفق سريع. المعادلة إذن ليست سياسية فقط، بل اقتصادية صرفة: لا استثمار بلا ربح، ولا ربح اليوم بسعر 57 دولاراً.المصادر
الوسوم
فنزويلا | النفط الثقيل | أسعار النفط | ترامب | شركات الطاقة الأمريكية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار