النحاس.. "الذهب الأحمر" يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي
تقرير: تطورات أسعار المعدن الاستراتيجي وتداعياته على النمو العالمي
مقدمة: لماذا يراقب العالم النحاس؟
في عصر الرقمنة والطاقة النظيفة، لم يعد النحاس مجرد معدن صناعي تقليدي، بل تحول إلى "شريان الحياة" للاقتصاد العالمي. يُعرف النحاس بـ"الذهب الأحمر"، ويلقب بـ"دكتور النحاس" لقدرته على التنبؤ بدورات الاقتصاد، فارتفاع أسعاره يشير عادة إلى نمو صناعي، بينما انخفاضها قد ينبئ بتراجع اقتصادي.
خلال عام 2025، شهدت أسعار النحاس تقلبات لافتة، مسجلةً مستويات قياسية متعددة، مدفوعة بعوامل جيوسياسية وتكنولوجية وبيئية. فما هي أبرز تطورات هذا المعدن الاستراتيجي؟ وكيف يؤثر على اقتصاديات الدول؟
تطورات الأسعار: من التراجع إلى القمة التاريخية
صعود قياسي في 2025
شهد عام 2025 ارتفاعاً حاداً في أسعار النحاس بنسبة تقارب 36% منذ بداية العام، وفقاً لتحليلات خبراء الاقتصاد. بلغ سعر الطن في بورصة لندن للمعادن (LME) مستوى قياسياً بلغ 11,771 دولاراً في 8 ديسمبر 2025، قبل أن يتجاوز حاجز 13,000 دولار مطلع عام 2026.
توقع محللو "سيتي" أن يصل السعر إلى 13,000 دولار للطن في الربع الأول من 2026، وربما 15,000 دولار في الربع الثاني، بينما حدد بنك "مورغان ستانلي" نطاقاً بين 10,650 و12,780 دولاراً.
تباين في التوقعات
رغم التوقعات الصعودية، أصدر "غولدمان ساكس" تقريراً يتوقع انخفاضاً محدوداً في 2026 ليتراوح السعر بين 10,000 و11,000 دولار، مع متوسط 10,710 دولارات في النصف الأول. لكنه يتوقع عجزاً في الإمدادات يبدأ من 2029، ما يدفع الأسعار للارتفاع مجدداً إلى 15,000 دولار بحلول 2035.
العوامل المحركة: لماذا يتصاعد النحاس؟
-
الطفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي
أصبحت مراكز البيانات والتوسع في الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات الطلب. تستهلك هذه المراكز كميات هائلة من الكهرباء تقدر بـ2200 تيراواط/ساعة، ما يتطلب بنية تحتية ضخمة من الأسلاك والتبريد التي تعتمد أساساً على النحاس. يقدر أن كل مركز بيانات عملاق يستهلك آلاف الأطنان من النحاس. -
التحول الطاقي والسيارات الكهربائية
السيارة الكهربائية تستهلك أربعة أضعاف كمية النحاس مقارنة بالسيارات التقليدية. مع تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة، يزداد الطلب على الشبكات الكهربائية والتوربينات الريحية والألواح الشمسية، حيث يُعد النحاس المادة المثالية لنقل الطاقة. -
التوترات الجيوسياسية والتعريفات الجمركية
أدت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتهديداته بفرض تعريفات جمركية على الواردات إلى اضطرابات في سلاسل التوريد. أدى هذا إلى تخزين استراتيجي في الولايات المتحدة والصين، ما شدد المعروض ورفع الأسعار. بلغت المخزونات في مستودعات بورصة شيكاغو (CME) رقماً قياسياً بلغ 453,000 طن في 2025. -
المخاوف من نقص الإمدادات
تشير دراسة "S&P Global" إلى أن الطلب العالمي على النحاس سيرتفع 50% ليصل إلى 42 مليون طن بحلول 2040، بينما سينكمش العرض. سيؤدي هذا إلى عجز قدره 10 ملايين طن يشكل "خطراً منهجياً" للصناعة والتقدم التكنولوجي. -
قوة الدولار الأمريكي وسياسات الفائدة
تتأثر أسعار النحاس سلباً بقوة الدولار. مع تخفيض الفائدة الأمريكية وتبني سياسات نقدية مرنة، انخفض الدولار، ما عزز جاذبية النحاس للمستثمرين.
تأثير النحاس على الاقتصاد العالمي
مؤشر اقتصادي رائد
ينظر إلى النحاس على أنه "الطبيب الاقتصادي"، فارتفاع أسعاره يعكس انتعاشاً صناعياً وزيادة في الإنتاج والبناء. بعد أزمة 2008 المالية، ارتفع النحاس مبكراً كإشارة إلى التعافي. كذلك في 2021 مع عودة الاقتصادات بعد جائحة كوفيد-19، قفزت الأسعار مؤشراً على نمو صناعي قوي.تأثير على أرباح الشركات
ارتفاع أسعار النحاس يؤثر بشكل مباشر على الشركات المعتمدة عليه. فالشركات المصنعة للسيارات والمعدات الكهربائية تواجه ضغوطاً على هوامش الربح، بينما تستفيد شركات التعدين من تدفقات نقدية ضخمة. هذا يخلق انقساماً واضحاً في أداء الأسهم، حيث تفضل الاستثمارات في شركات التنقيب والإنتاج على الشركات المصنعة.خطر على سلاسل الإمداد
تركزت صناعة النحاس في ست دول فقط تسيطر على ثلثي الإنتاج، بينما تسيطر الصين وحدها على 40% من قدرات التكرير. هذا التركيز الجغرافي يجعل السوق عرضة للصدامات السياسية، كما حدث مع استخدام بكين لسيطرتها على المعادن الأرضية النادرة كأداة جيوسياسية.توقعات المستقبل: بين الطلب المتفجر والإمداد المحدود
2026: عام التقلبات
يتوقع المشاركون في السوق استمرار التقلبات في 2026، مع عدة عوامل في حالة تغير: الطلب الصيني، والتعريفات الجمركية، وقرارات الفائدة الفيدرالية، ونمو قطاع الذكاء الاصطناعي. معظم التوقعات تتفق على أن الأسعار ستبقى مرتفعة، مع احتمالية عجز ملحوظ بحلول 2026.2035 وما بعده
تشير بعض التقديرات إلى أن الطحن الاقتصادي للعجز سيزداد حدة، مع توقع أن يصل الطلب العالمي إلى 37-42 مليون طن بحلول 2035-2040. يتطلب هذا استثمارات ضخمة في مناجم جديدة، لكن بناء منجم يستغرق 17 عاماً في المتوسط من الاكتشاف إلى الإنتاج، ما يعني أن العجز القادم قد يستمر لسنوات طويلة.الفائزون والخاسرون
- الفائزون: شركات التعدين الكبرى ذات التكاليف المنخفضة والشركات الناشئة القريبة من الإنتاج.
- الخاسرون: مصنّعو السيارات والمعدات الكهربائية الذين يواجهون ضغوطاً على الهوامح وصعوبة في تحويل التكاليف للمستهلكين.
خاتمة: النحاس في قلب الاقتصاد الجديد
لم يعد النحاس مجرد سلعة، بل أصبح أداة استراتيجية تحدد مستقبل التحول الطاقي والرقمي. يقول أوريان دي لا نويو من S&P Global: "المستقبل لا يعتمد فقط على النحاس بكثافة، بل هو ممكن بالنحاس. كل مبنى جديد، كل سطر من الشيفرة الرقمية، كل ميغاواط من الطاقة المتجددة، كل سيارة جديدة، كل سلاح متطور يعتمد على هذا المعدن".
في ظل العجز المتوقع والمخزونات المنخفضة، يبدو أن النحاس سيظل في قلب التوترات الاقتصادية والجيوسياسية للعقد القادم، مما يجعله مؤشراً لا غنى عنه لصحة الاقتصاد العالمي.
المصادر والمراجع
1. Fortune
مستقبل الاقتصاد العالمي يعتمد على النحاس في ظل عجز الإمدادات المتوقع
https://fortune.com/2026/01/09/copper-shortage-prices-supply-demand-outlook-systemic-risk-economy/
2. Goldman Sachs Research عبر Recycling Today
غولدمان ساكس يتوقع تراجع أسعار النحاس في 2026 قبل عودة الصعود على المدى الطويل
https://www.recyclingtoday.com/news/goldman-sachs-research-copper-pries-to-decline-in-2026/
3. Argus Media
نظرة تحليلية: سوق النحاس الأميركي أمام مستقبل غير واضح في 2026
https://www.argusmedia.com/en/news-and-insights/latest-market-news/2771940-viewpoint-us-copper-faces-uncertain-2026-outlook
ملاحظة: تم تحديث المصادر لتشمل أحدث التقارير المتاحة حتى يناير 2026، مع التأكد من صحة الروابط المباشرة والموثوقية الصحفية للمصادر المستخدمة.
الوسوم
النحاس | الاقتصاد العالمي | التحول الطاقي | الذكاء الاصطناعي | عجز الإمدادات

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار