حصن طهران الأخير: كيف تخطط إيران لمواجهة "سيناريو الكابوس" والحرب متعددة الأبعاد؟
بينما تقف منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن، ومع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في أعقاب احتجاجات أواخر عام 2025، تتجه الأنظار صوب طهران ليس فقط لرصد ترسانتها الصاروخية، بل لفهم استراتيجيتها الدفاعية الأعمق. تشير المعطيات الحالية إلى أن النظام الإيراني لا يعتمد فقط على الجيش التقليدي أو الحرس الثوري في صد الهجمات الخارجية المحتملة، بل يراهن بشكل أساسي وحاسم على "جيش الظل" الداخلي المعروف بقوات "الباسيج" لضمان تماسك الجبهة الداخلية، وتحويل أي تهديد خارجي إلى فرصة لتوحيد الصفوف بدلاً من الانهيار.
[صندوق معلومات: حقائق الأزمة في أرقام]
- بداية الشرارة: 28 ديسمبر 2025 (إضراب البازار).
- ذروة العنف: 8-9 يناير 2026.
- قتلى الأمن والمدنيين (رواية الحكومة): 3117 قتيلاً.
- تقديرات المعارضة والغرب: 12,000 - 20,000 قتيل.
- القوة الدفاعية الداخلية (الباسيج): قرابة 20 مليون عضو (نظرياً).
الأرقام المتضاربة: الحقيقة الضائعة في الضباب السياسي
بدأت الأحداث في 28 ديسمبر 2025، حين بادر تجار "البازار الكبير" في طهران بالخروج احتجاجاً على تدهور الاقتصاد وانخفاض قيمة الريال الإيراني المتسارع أمام الدولار. لم تلبث هذه الاحتجاجات أن امتدت كالنار في الهشيم إلى المناطق الريفية والمحافظات الغربية، وتحولت إلى أعمال عنف وصلت العاصمة يومي 8 و9 يناير 2026.
في مواجهة ذلك، ردت السلطات الإيرانية بقطع الإنترنت وشبكات الاتصال، بينما دخلت الولايات المتحدة على الخط مبكراً عبر تهديدات مباشرة من الرئيس دونالد ترامب بضرب إيران "بشدة" في حال استهداف المتظاهرين.
وسط هذا التعتيم، تضاربت أرقام الضحايا؛ إذ زعم "رضا بهلوي"، نجل الشاه المخلوع، ومعه تقارير الصحافة الغربية أن عدد القتلى تراوح بين 12 ألفاً و20 ألف شخص. في المقابل، أعلنت مؤسسة الشهداء والمحاربين القدامى الإيرانية رسمياً أن العدد الإجمالي بلغ 3117 شخصاً، منهم 2427 من أفراد الأمن والمواطنين العاديين، مما يشير إلى عنف متبادل وليس قمعاً من طرف واحد فقط.
الاستعدادات الأمريكية: حشد عسكري أم ضغوط دبلوماسية؟
على الجانب الآخر من الجبهة، نشرت وول ستريت جورنال تقريراً يفيد بأن واشنطن أرسلت طائرات حربية متطورة من طراز "F-15E سترايك إيغل" إلى الأردن في 18 يناير 2026، وأن حاملة الطائرات "USS Abraham Lincoln" تشق طريقها نحو الخليج العربي مدعومة بمجموعة ضاربة تضم مدمرات ومقاتلات "F-35" وطائرات حرب إلكترونية.
وعلى الرغم من أن إدارة ترامب أجرت تقييماً خلص إلى أن القدرات العسكرية الحالية قد تكون غير كافية لهجوم واسع النطاق وفقاً لموقع Axios، إلا أن الرئيس الأمريكي يصر على إبقاء الخيار العسكري مطروحاً. فقد صرح في دافوس قائلاً: "إيران تريد التحدث، وسنتحدث نحن أيضاً"، مضيفاً بلهجة تحذيرية: "نحن نراقب إيران. لدينا أسطول ضخم يتجه إلى هناك" (المصدر: رويترز).
السيناريوهات الإيرانية: استعدادات الدفاع الداخلي
في طهران، يرى المستشار العسكري الأعلى للمرشد خامنئي، الجنرال رحيم صفوي، أن "الحرب القادمة ستحدد مصير الصراع". وبناءً على معلومات من مصادر مقربة من الإدارة الإيرانية، تضع طهران خططها بناءً على احتمال شن هجوم في أوائل فبراير 2026، وتجهز نفسها لسيناريوهين:
- سيناريو الانهيار المتزامن: يفترض شن تحالف أمريكي-إسرائيلي هجوماً ساحقاً، يتزامن معه خروج حركات انفصالية مسلحة (في الغرب والجنوب) ومؤيدي منظمة "مجاهدي خلق" والتيار الملكي إلى الشوارع، بدعم استخباراتي نشط من "الموساد".
- سيناريو التلاحم الوطني: وهو الرهان الاستراتيجي لطهران، حيث تتوقع أن يؤدي الهجوم الخارجي إلى توحيد الجبهة الداخلية (بما في ذلك الإصلاحيين والعلمانيين) خلف النظام، مما يعزل حركات التمرد ويجبرها على التراجع، في تكرار لسيناريو "حرب الـ 12 يوماً" السابقة بين إيران وإسرائيل.
الباسيج: العمود الفقري للدفاع الداخلي
تعتبر قوات التعبئة الشعبية "الباسيج"، التابعة للحرس الثوري، حجر الزاوية في استراتيجية "الدفاع غير المتماثل". تأسست هذه المنظومة عام 1979 بأمر من الخميني، ولعبت دوراً دموياً وحاسماً في الحرب الإيرانية-العراقية، حيث شكل أعضاؤها ما يقارب 39.2% من القتلى الإيرانيين، مما يعكس عقيدتهم القتالية القائمة على التضحية.
[رسم توضيحي: الهيكل التنظيمي الهرمي للباسيج]
تنتشر القوات وفق نظام دقيق يضمن السيطرة على كل متر مربع:
تتغلغل هذه الخلايا في الجامعات، المدارس، المصانع، القرى، والمساجد، مع تركيز كثيف في العاصمة طهران.
كتائب الظل: التخصصية العسكرية للباسيج
لضمان السيطرة، قسمت قيادة الحرس الثوري قوات الباسيج إلى كتائب متخصصة تغطي كافة الثغرات الأمنية:
- مقر الإمام الهادي (تأسس 2012):
يتولى مهام التدريب العسكري المتقدم وتخطيط المناورات، ويمتلك فروعاً نشطة في جميع أنحاء البلاد. - كتيبة عاشوراء:
تضم الرجال فوق سن 15 عاماً، وتتولى حماية التجمعات والتدخل في الطوارئ. تمتلك تاريخاً طويلاً في قمع الاضطرابات منذ التسعينيات، وتدير أكثر من 4200 مركز (إحصاء 2015). - كتيبة الزهراء:
وحدة نسائية بامتياز، تدير 1800 مركز، وتعمل في المجالات الاجتماعية والثقافية والدعم اللوجستي العسكري. - كتيبة بيت المقدس:
القوة الضاربة في مواجهة التظاهرات المدنية، تتوزع على 1500 مركز عسكري، وتتميز عناصرها بالولاء العقائدي المطلق للنظام. - كتيبة الإمام علي (تأسس 2011):
وحدة النخبة لمكافحة التهديدات الأمنية الخطيرة وقمع الانتفاضات المسلحة، تتولى أمن المباني الاستراتيجية وتعمل بصلاحيات واسعة. - كتيبة الإمام الحسين:
تختص بمكافحة الغزو الأجنبي، وتتكون من جنود محترفين وشبه محترفين. لعبت دوراً في تنظيم المليشيات التي قاتلت في سوريا. - كتيبة الكوثر:
وحدة نسائية خاصة بمهام أمن المدن، تعمل كوحدة تدخل سريع وقمع الشغب النسائي في فترات التمرد. - شبكة اتصالات الباسيج (الأعصاب الرقمية):
تعتمد على نظام "شباب" (SHABAB) للاتصال الداخلي الآمن والسريع، وتطبيق "SAMT Center". هذه الشبكة المستقلة عن الإنترنت العالمي لعبت دوراً حاسماً في استعادة السيطرة الميدانية خلال المواجهات السابقة. - وحدة حلقات الصالحين (التلقين العقائدي):
نظام تربوي هرمي يقسم الأعضاء إلى حلقات عمرية، تجتمع دورياً لتحليل توجيهات المرشد الأعلى ونشرها فورياً في الأسواق والمدارس، مما يضمن وحدة "الرسالة الإعلامية" للنظام.
الخلاصة: شبكة يصعب اختراقها
مع وجود قرابة 20 مليون عضو (بين نشط واحتياط) منظمين بدقة، وحضور فيزيائي في كل زاوية من زوايا البلاد، تشكل الباسيج "جدار صد" يمنع أي حركة تمرد من تحقيق أهدافها بسرعة.
يخلص المحللون إلى أن تقييم الأمن الداخلي الإيراني يتطلب النظر إلى هذا الهيكل المتكامل، وليس الاكتفاء برصد تحركات الجيش والشرطة. وكما أثبتت تجربة "حرب الـ12 يوماً"، فإن مرونة هذه الميليشيات وقدرتها على الانتشار الخاطف تجعل مهمة إسقاط النظام من الداخل أثناء الحرب الخارجية أمراً في غاية التعقيد، وربما مستحيلاً دون ثمن باهظ.
المصادر:
- "خطة دفاع إيران متعددة الأبعاد"، شبكة الجزيرة الإعلامية، 26 يناير 2026. الرابط المباشر
- تقرير وول ستريت جورنال حول التحركات العسكرية الأمريكية. الرابط المباشر
- تصريحات الرئيس ترامب في منتدى دافوس 2026. الرابط المباشر
الوسوم
إيران | الباسيج | الحرب متعددة الأبعاد | الاحتجاجات الإيرانية | التصعيد الأميركي

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار