ترامب وجرينلاند: هل يدخل التاريخ عبر «احتلال» القطب الشمالي؟
تحليل الصراع بين الإرادة الأميركية والرفض الدنماركي الأوروبي
مقدمة: تصريحات الكرملين تفتح الباب على مصراعيه
في تطور لافت للأحداث، لم يعد الحديث عن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السيطرة على جزيرة جرينلاند مجرد تهديدات إعلامية، بل تحول إلى موقف رسمي يثير جدلاً عالمياً. قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، في تصريحات صحفية إن خبراء دوليين يرون أن ترامب «سيدخل التاريخ، ليس فقط تاريخ الولايات المتحدة، بل تاريخ العالم» إذا نجح في ضم الجزيرة .
هذه التصريحات، التي أتت على لسان الخصم التقليدي لأميركا، لم تكن تأييداً للخطوة بقدر ما كانت توصيفاً للواقع الجيوسياسي المتغير، حيث تتصارع القوى الكبرى على موارد القطب الشمالي ومواقعه الاستراتيجية.
جرينلاند: ليست للبيع، لكنها محط أنظار العالم
الوضع القانوني والإداري
جرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتمتع بحكم ذاتي موسع ضمن مملكة الدنمارك منذ عام 1979، وتم تعزيز هذا الحكم بقانون 2009. تدير الجزيرة شؤونها الداخلية عبر برلمان محلي (Inatsisartut) يضم 31 عضواً، وحكومة محلية برئاسة رئيس وزراء منتخب، بينما تحتفظ الدنمارك بالسيادة على الدفاع والسياسة الخارجية والقضاء الأعلى .
تبعد الجزيرة أكثر من 2900 كيلومتر عن الدنمارك الأوروبية، لكنها تقع على بعد 2000 كيلومتر فقط من الساحل الشرقي للولايات المتحدة، ما يجعلها ذات أهمية استراتيجية بالغة لأميركا .
الموارد الطبيعية: الكنز تحت الجليد
تزخر جرينلاند بثروات طبيعية هائلة تشمل:- معادن نادرة حيوية للتكنولوجيا الحديثة
- احتياطيات نفطية وغازية
- معادن استراتيجية كاليورانيوم والزنك
يقول الخبير الصناعي الروسي ليونيد خازانوف إن ضم الجزيرة سيمثل «إثراء كبيراً» للاقتصاد الأميركي نظراً لهذه الموارد .
دوافع ترامب: الأمن قبل الاقتصاد
يربط ترامب سعيه لضم غرينلاند بما يصفه بـ«الأمن العالمي»، مؤكداً أن الدنمارك «لا تستطيع حماية هذه الأرض من روسيا أو الصين» . يوجد على الجزيرة بالفعل قاعدة بيتوفيك الجوية الأميركية، التي تشكل جزءاً من نظام الإنذار المبكر لصواريخ الأعداء .
في رسالة غير مسبوقة، ربط ترامب بين عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام وسعيه لضم الجزيرة، مما يكشف عن أهمية هذا الملف بالنسبة له شخصياً .
سيناريوهات السيطرة: أربعة مسارات محتملة
-
الغزو العسكري المباشر
رغم قدرة الجيش الأميركي على احتلال الجزيرة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، إلا أن هذا الخيار يحمل مخاطر هائلة. يشكل الدنمارك عضواً في حلف الناتو، واعتداء عليها قد يعني نهاية الحلف، ويدفع روسيا والصين إلى تصعيد في القطب الشمالي . -
الإكراه والضغط الاقتصادي
هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. يمتلك ترامب أدوات ضغط قوية تشمل:
- وعود بضخ مليارات الدولارات
- تهديدات بفرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على الدول الرافضة
- حملة «قلوب وعقول» عبر فتح قنصلية ودعم تنموي
-
الارتباط الحر
يجري تداول خيار توقيع اتفاقية شبيهة بترتيبات أميركا مع جزر المحيط الهادئ، حيث تحصل غرينلاند على استقلال شكلي، مقابل منح واشنطن حرية عسكرية وتجارية كاملة . -
اللعب على الحبلين
قد تنجح الدنمارك في الاحتفاظ بالسيادة الاسمية، مع تعزيز الوجود الأميركي واتفاقيات تجارية لاستغلال الموارد، وهو ما قد يرضي ترامب كنتيجة تفاوضية .
ردود الأفعال: من الكرملين إلى كوبنهاجن
الموقف الدنماركي والأوروبي
صرحت رئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن بأن «أوروبا لن تخضع للابتزاز» . أصدرت 8 دول أوروبية بياناً مشتركاً تؤكد «التضامن الكامل» مع الدنمارك وجرينلاند .حذر عضو حزب العمال البريطاني كايد عمر من أن أي تقاعس عن دعم الدنمارك «قد يفتح سابقة خطيرة تهدد تماسك الاتحاد الأوروبي» .
موقف سكان جرينلاند
تظهر استطلاعات الرأي أن 85% من السكان يعارضون الانضمام المباشر لأميركا، لكن 43% يرون في تهديدات ترامب «فرصة اقتصادية» للضغط على كوبنهاغن .مخاوف من عواقب واسعة
تحديات القانون الدولي
قال بيسكوف إنه «ربما يمكن التغاضي عن مسألة ما إذا كان هذا الأمر جيداً أم سيئاً، أو ما إذا كان يتوافق مع معايير القانون الدولي»، مشيراً إلى أن الخبراء ينظرون للأمر من زاوية النتائج وليس الشرعية .خطر انهيار الناتو
أكد محللون أن أي تدخل عسكري أميركي سيعني نزاعاً داخل حلف الناتو، مما يهدف الجبهة الموحدة ضد روسيا ويؤثر على القوة العسكرية الأوروبية في أوكرانيا .تحليل الكرملين: رسالة مرسومة بدقة
لم تكن تصريحات الكرملين عشوائية. فسكوت موسكو عن «المخططات الروسية المزعومة» وتحويلها إلى «إقرار بالواقع» يمثل:
- إحراجاً للغرب: بكشف ازدواجية المعايير حول السيادة والاحتلال
- استثماراً في الصراع: إشعال لنار الخلاف بين حليفات الناتو
- رسالة إلى الصين: تأكيد أن القطب الشمالي أصبح ساحة صراع رئيسية
كما أن الإشارة إلى «دخول التاريخ» لم تكن مديحاً، بل تلميحاً إلى أن مثل هذا الفعل سيغير نظام العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
المستقبل: لعبة شد الحبال
تشير التحليلات إلى أن ترامب يرفع سقف المطالب إلى «الاستحواذ الكامل» كنقطة بداية للتفاوض. وأن عقليته التجارية قد تجعله يقبل بأقل من طموحه الأول مقابل مكاسب عملية .
لكن كل الخيارات تحمل مخاطر:
- الخيار العسكري: كارثة على الناتو والعلاقات الأوروبية
- الخيار الاقتصادي: قد يقوض المصداقية الأميركية
- الخيار السياسي: يتطلب موافقة البرلمان الدنماركي التي ترفضها كوبنهاغن «بأي ثمن»
وبينما يصر ترامب على أنه «لن يرضى بأقل من امتلاك غرينلاند»، تؤكد الدنمارك أن الجزيرة «ليست للبيع» .
خاتمة: تاريخ أم فوضى؟
يثير ملف غرينلاند تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام الدولي. فإما أن يدخل ترامب التاريخ كأول رئيس يوسع الأراضي الأميركية منذ قرن، وإما أن يفتح الباب أمام فوضى عالمية تهدد أركان التحالفات الغربية.
كما قال بيسكوف، «هناك معلومات مقلقة تتداول»، لكن يبقى السؤال الأهم: هل العالم مستعد لإعادة رسم الخرائط بالقوة في القرن الحادي والعشرين؟
المصادر
-
سكاي نيوز عربية: الكرملين: ترامب سيدخل التاريخ إذا احتلت أميركا غرينلاند
-
الجزيرة نت: تايمز: 4 سيناريوهات محتملة لاستحواذ واشنطن على غرينلاند
-
رويترز: الكرملين: ترامب سيدخل التاريخ إذا استولت أمريكا على جرينلاند
ملاحظة: استخدمت مصادر إضافية لتعزيز التحليل مع الحفاظ على الروابط المباشرة للمصادر الثلاثة الرئيسية المطلوبة.
الوسوم
ترامب | جرينلاند | القطب الشمالي | الكرملين | حلف الناتو

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار