حين سكت الفضاء: كيف أسقطت إيران شبكة ستار لينك في قلب الاحتجاجات

--

حين سكت الفضاء: كيف أسقطت إيران شبكة ستار لينك في قلب الاحتجاجات

المقدمة: الفجوة بين الوعد والواقع

في الوقت الذي كان فيه المتظاهرون الإيرانيون يلجأون إلى شبكة ستار لينك الفضائية كملاذ أخير للتواصل مع العالم الخارجي، فوجئوا بأن هذا الملاذ بدأ يتهاوى. فخلال أيام قليلة من بدء الاحتجاجات الاقتصادية في 8 يناير 2026، تحولت شبكة إيلون ماسك من أداة تحرر رقمي إلى هدف مباشر للنظام الإيراني. لكن كيف نجحت طهران في إسكات هذا النظام الذي كان يعتبر "غير قابل للإيقاف"؟

ستار لينك في إيران: قصة نجاح ومنع

دخلت أجهزة ستار لينك إلى إيران بشكل غير رسمي منذ 2022، بعد أن سمحت الولايات المتحدة لشركة سبيس إكس بتقديم الخدمة هناك. وعلى الرغم من أن القانون الإيراني يمنع استخدام التقنية، وصل إلى البلاد ما بين 50,000 و100,000 طبق فضائي وفقًا لتقديرات شهود الرقمية. وسرعان ما أصبحت هذه الأجهزة شريان حياة للناشطين والصحفيين والمواطنين في المناطق التي يغيب فيها الإنترنت التقليدي.

التشويش على GPS: سلاح طهران الرئيسي

تعتمد أجهزة ستار لينك على إشارات GPS لتحديد موقعها والاتصال بالأقمار الصناعية. واستغلت الحكومة الإيرانية هذه النقطة الضعف منذ مساء الخميس 8 يناير 2026. تقول المحللة الرقمية مهسا عليمرداني من منظمة شهود: "نحن نعتقد أن الطريقة التي حاولوا بها تعطيل ستار لينك منذ البداية كانت من خلال التشويش على GPS. وعبر القيام بهذا، يؤثرون على عمل المستقبلات الفضائية" (https://www.the-independent.com/news/world/middle-east/iran-protests-internet-blackout-starlink-elon-musk-b2898840.html).

ولم يكن هذا التشويش عادياً. بدأ بنسبة خسارة حزم (packet loss) حوالي 30%، لكنه ارتفع بسرعة إلى أكثر من 80% في بعض المناطق. وفقًا لأمير رشيدي من مجموعة ميان لمراقبة الحريات الرقمية: "لا أعتقد أن هذا تشويش عادي. يذكرني كثيرًا بما حدث في أوكرانيا. يبدو أن هذه حرب إلكترونية" (https://www.pcmag.com/news/iran-appears-to-be-jamming-starlink-amid-protests-internet-blackout).

الأسلحة العسكرية: الدرجة الجديدة من القمع

اتخذت الحكومة الإيرانية خطوة غير مسبوقة بإدخال معدات تشويش عسكرية إلى المعركة. وتشير تقارير إلى احتمالية شراء طهران لمعدات تشويش متقدمة من روسيا، التي تستخدم تقنيات مماثلة لمواجهة ستار لينك في أوكرانيا. ويؤكد خبراء أن هذا التطور يمثل "خطًا أحمرًا جديداً" في جهود القمع الرقمي.

النتيجة كانت مذهلة: خلال ساعات، انهار الوصول عبر القمر الصناعي بنسبة تتجاوز 80%. ويخلق هذا خريطة تواصل متقطعة، حيث تظل بعض المناطق تعمل بشكل جزئي، بينما تختفي الخدمة تمامًا في مناطق أخرى، خصوصًا في طهران والمدن الرئيسية.

الحرب الاقتصادية: التكلفة الباهظة للصمت

يأتي القمع الرقمي بتكلفة اقتصادية هائلة. تقدر مجموعة NetBlocks أن الخسائر تبلغ حوالي 1.56 مليون دولار لكل ساعة إنترنت متوقفة. مع استمرار الانقطاع لأكثر من 80 ساعة، انخفض حجم المرور الإلكتروني إلى 1% فقط من المعدل الطبيعي (https://www.ynetnews.com/tech-and-digital/article/skz11qigr11l).

بالنسبة للنظام، هذا ثمن يبدو مستعداً لدفعه. كما يقول سيمون ميجليانو، الخبير الدولي في إيقاف الإنترنت والرقابة الرقمية: "هذه علامة واضحة على الضغط - الحكومة مستعدة لدفع ثمن اقتصادي باهظ لاخنق الاحتجاجات".

لعبة القط والفأر: هل هناك حلول؟

على الرغم من نجاح طهران جزئياً، لا تزال هناك بارقة أمل. يعمل المتخصصون على حلول بديلة، أبرزها تقنية "الوصول المباشر للخلايا" (direct-to-cell) التي تحول الأقمار الصناعية إلى أبراج محمولة فضائية. لكن هذه التقنية تتطلب شراء نطاقات تردد خاصة بإيران، وهو ما ترفضه طهران لأنه يجعل عمليات الحجب المستقبلية أكثر صعوبة.

كما تحاول مجموعات مدنية مثل ناس نت (NasNet) العمل مع سبيس إكس لمواجهة التشويش، حيث أعلنت أن نسبة التداخل في طهران انخفضت من 35% إلى حوالي 10%، لكنها تحذر من أن "المشكلة لعبة قط وفأر مستمرة".

الخاتمة: دروس مستقبلية

نجحت إيران في تعطيل ستار لينك ليس بمعجزة تقنية، بل بنهج منظم يجمع بين التشويش العسكري والاستغلال الذكي لثغرات النظام. التجربة تؤكد أن لا تقنية منيعة تمامًا أمام الإرادة السياسية.

السؤال الحقيقي ليس كيف تعطلت ستار لينك، بل كيف يمكن للعالم أن يضمن استمرارية الوصول الرقمي في وجه الأنظمة التي ترى في الإنترنت تهديداً وجودياً. الإجابة قد تكمن في تنويع الحلول وتمويلها بشكل مستدام، لا الاعتماد على حل واحد سحري.

المصادر

الوسوم

ستار لينك | التشويش على GPS | الحرب الإلكترونية | الاحتجاجات الإيرانية | القمع الرقمي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

ترامب يكشف كواليس إلغاء ضربة إيران: "وقف 800 إعدام" غيّر قراري.. ونتنياهو طلب التريث

الذهب يقترب من حاجز الـ5000 دولار: توقعات بمواصلة الصعود رغم تردد الفيدرالي الأمريكي

تسونامي السيولة: 7 تريليونات دولار تفر من البنوك الصينية لإشعال أسواق الأسهم والذهب