الصين تكدس الذهب في الخفاء.. ماذا تخطط بكين بعيداً عن الأضواء؟
مقدمة: الرقم الحقيقي يفوق المعلن بأضعاف مضاعفة
تشير التقارير الاستخباراتية والمالية الحديثة إلى أن الصين تواصل برنامجاً ضخماً لتكديس الذهب بعيدًا عن الأضواء، حيث تعلن عن أرقام رسمية لا تمثل سوى جزء بسيط من مشترياتها الفعلية. فبينما يبلغ الرقم الرسمي المعلن من بنك الشعب الصيني نحو 2,304 طنًا من الذهب، تقدر التحليلات المستقلة أن الاحتياطي الحقيقي قد يصل إلى 5,000 طن أو أكثر، مما يجعل الصين ثاني أكبر حائز للذهب في العالم بعد الولايات المتحدة.
الفجوة بين الأرقام الرسمية والتقديرات الواقعية
الشراء المستمر منذ 14 شهراً
كشف تقرير حديث عن "كوبيسي ليتر" أن بنك الشعب الصيني اشترى نحو 0.9 طن إضافي من الذهب خلال شهر ديسمبر 2025، وهو ما يمثل الشهر الرابع عشر على التوالي من الشراء المستمر. وقد بلغ إجمالي المشتريات الرسمية المعلنة لعام 2025 نحو 27 طناً، لكن التقديرات الحقيقية تشير إلى أن المشتريات الفعلية قد تقترب من 270 طناً.

الرسم يوضح العلاقة العكسية بين تكديس الصين للذهب (الخط الأبيض) وتخفيض استثماراتها في سندات الخزانة الأمريكية (الخط الأحمر) - المصدر: Bloomberg/Crescat Capital
تقديرات جولدمان ساكس تؤكد التضخم الحقيقي
أصدر بنك جولدمان ساكس تقريراً يفيد بأن الصين اشترت أكثر من 15 طناً من الذهب في إحدى الفترات، وهو ما يعادل عشرة أضعاف الكمية التي أعلن عنها بنك الشعب الصيني رسميًا. وفي شهر نوفمبر 2025 تحديداً، قدر جولدمان ساكس أن مشتريات الصين تجاوزت 10 أطنان، أي ما يعادل نحو 11 ضعف الرقم الرسمي المعلن.
ووفقاً لتحليلات سوسيتيه جنرال، فإن مشتريات الصين الفعلية من الذهب خلال عام 2025 قد تصل إلى 250 طناً، مما يمثل أكثر من ثلث إجمالي طلب البنوك المركزية العالمية.
الآلية السرية للتكديس: كيف تتجاوز الصين الرقابة؟
الشراء من الخارج عبر قنوات غير تقليدية
تعتمد الصين على آليات معقدة للتكديس تتجاوز آليات التسجيل التقليدية. فبدلاً من الشراء عبر بورصة شنغهاي للذهب التي تخضع للرقابة، تقوم بكين بشراء سبائك الذهب مباشرة من الأسواق العالمية عبر لندن، حيث يتم نقل سبائك بوزن 400 أونصة من مصافي سويسرا وجنوب أفريقيا إلى الصين.
وقد لاحظ المحللون أنه عندما يتداول الذهب في شنغهاي بخصم مقارنة بلندن، يكون ذلك مؤشراً قوياً على قيام بنك الشعب الصيني بالشراء من الخارج، حيث لا يمكن للبنوك التجارية أن تشتري بسعر أعلى وتبيع بسعر أقل دون دعم سيادي.

الرسم يوضح فجوة العرض والطلب في سوق الذهب الصيني، حيث تتجاوز السحبات من بورصة شنغهاي (الدائرة السوداء) الإنتاج المحلي والواردات الرسمية - المصدر: Gainesville Coins
التكتم كاستراتيجية مالية
يعلق بروس إيكيميزو، مدير جمعية سوق الذهب اليابانية، على هذه الظاهرة بالقول: "لا أحد يصدق الأرقام الرسمية الصينية هذا العام على الإطلاق"، مقدرًا أن احتياطيات الصين الفعلية تقترب من 5,000 طن بدلًا من 2,303 طن المعلنة.
ويؤكد جيف كوري، كبير استراتيجيي الطاقة في كارلايل، أن "الصين تشتري الذهب كجزء من استراتيجية إزالة الدولار"، مشيرًا إلى صعوبة تتبع هذه التدفقات حيث أن الذهب لا يمكن مراقبته بالأقمار الصناعية مثل النفط.
الدوافع الاستراتيجية: حرب مالية وشيكة؟
التحوط ضد العقوبات وتجميد الأصول
تشير التحليلات إلى أن سلوك الصين في سوق الذهب يوحي بأن العالم يمر بأزمة مالية كبرى وشيكة. فمنذ أن قام الغرب بتجميد 300 مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الروسي عام 2022، أدركت بكين أن الأصول المقومة بالدولار في البنوك الغربية قد تكون عرضة للمصادرة في أي لحظة.
ويحتفظ بنك الشعب الصيني حاليًا بنحو 775 مليار دولار في سندات الخزانة الأمريكية، انخفاضاً من مستويات أعلى سابقاً. لكن هذه السندات تعتبر "رهائن" للسياسة الأمريكية، بينما الذهب في الخزائن المحلية لا يمكن تجميده من قبل حكومات أجنبية.

تطور احتياطيات الصين من الذهب مقارنة باحتياطيات النقد الأجنبي منذ عام 1985 - المصدر: Gainesville Coins/IMF
تنويع الاحتياطيات وإزالة الدولار
تشكل مشتريات الذهب جزءًا من استراتيجية أوسع للتنويع بعيدًا عن الدولار. فقد انخفضت نسبة الدولار في احتياطيات الصين من 59% عام 2016 إلى 25% حاليًا. ويسعى بنك الشعب الصيني إلى رفع نسبة الذهب في إجمالي احتياطياته من 8% حاليًا إلى مستويات تقترب من المتوسط العالمي.
وتظهر البيانات أن حصة الذهب في الاحتياطيات العالمية خارج الولايات المتحدة قفزت من 10% إلى 26% خلال العقد الماضي، مما يجعل الذهب ثاني أكبر أصل احتياطي بعد الدولار.
التداعيات على النظام المالي العالمي
دعم أسعار الذهب عند مستويات قياسية
ساهم التكديس الصيني السري في دفع أسعار الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت 4,300 دولار للأونصة في أكتوبر 2025. وقد ارتفع سعر الذهب بنحو 65% منذ أواخر عام 2022، مع استمرار الصين في التكديس.
ويشير تقرير مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية اشترت أكثر من 1,045 طناً من الذهب في عام 2024، وهو أعلى مستوى سنوي منذ عام 1971.

نصيب الصين من احتياطيات الذهب العالمية منذ عام 2000 - المصدر: ByteTree
إعادة تشكيل النظام النقدي العالمي
تسعى الصين من خلال تكديسها الضخم للذهب إلى بناء نظام مالي موازٍ يعمل خارج السيطرة الغربية. وتشمل الاستراتيجية إنشاء مركز عالمي لتداول الذهب يتركز في بورصة شنغهاي للذهب، وتشجيع الدول النامية الصديقة على تسوية معاملات الذهب باليوان وتخزين احتياطياتها في خزائن بورصة شنغهاي.
وقد بدأ الحديث عن لجوء الصين إلى تكديس الذهب بعيدًا عن الأضواء في الظهور منذ عام 2023، ثم تصاعد بقوة خلال عامي 2024 و2025. وتشير التقديرات إلى أن الصين تشتري منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا ما يقارب خمسة أضعاف الكميات التي تفصح عنها رسميًا لصندوق النقد الدولي.
التقديرات المستقبلية: ما الذي تخبئه بكين؟
احتياطيات قد تصل إلى 8,000 طن
تشير بعض التقديرات الجريئة إلى أن الاحتياطي الحقيقي للصين قد يصل إلى 8,000 طن عند إضافة مشتريات الصناديق السيادية والشركات المملوكة للدولة. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن الصين تقترب بشكل كبير من تجاوز ألمانيا (3,350 طن) والاتحاد الأوروبي، لتصبح ثاني أكبر حائز للذهب عالمياً.
ويرى المحللون أن الصين تتبع استراتيجية "التكديس التدريجي" لتجنب ارتفاع الأسعار بشكل مفاجئ، حيث أن الإعلان عن احتياطي يبلغ 8,000 طن غدًا من شأنه أن يرسل أسعار الذهب إلى مستويات غير مسبوقة ويهز ثقة الدولار بشكل كبير.
نظرة المستقبل: صعود الذهب كأصل استراتيجي
تتوقع جولدمان ساكس أن تستمر أسعار الذهب في الارتفاع لتصل إلى 4,900 دولار للأونصة بحلول نهاية عام 2026، مدفوعة باستمرار عمليات الشراء من البنوك المركزية وتدفقات المستثمرين الخاصين.
ويشير استطلاع رأي أجراه مجلس الذهب العالمي إلى أن 95% من البنوك المركزية المتوقعة تتوقع زيادة احتياطيات الذهب العالمية خلال الـ12 شهرًا القادمة، وأن 43% منها تخطط لزيادة احتياطياتها الخاصة، وهو أعلى مستوى منذ بدء الاستطلاع عام 2018.
الخاتمة: تحول جيو-سياسي في النظام المالي
يمثل التكديس الصيني السري للذهب واحداً من أهم التطورات النقدية في العصر الحديث. فمن خلال شراء كميات ضخمة تفوق ما تعلنه رسميًا بأضعاف مضاعفة، تبني الصين احتياطياً استراتيجياً يحميها من المخاطر الجيوسياسية ويعزز من مكانة اليوان كعملة بديلة للدولار.
وقد تغيرت خريطة الاحتياطيات العالمية بالفعل تحت السطح، حيث تتحول الصين من مجرد قوة اقتصادية ناشئة إلى قوة نقدية خفية تمتلك ثاني أكبر احتياطي ذهبي في العالم. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية والمخاوف من العقوبات الغربية، يبدو أن الموجة الصاعدة للذهب مدفوعة بعوامل هيكلية قوية ستستمر في دعم المعدن الأصفر كملاذ آمن في عالم متقلب.
المصادر
: China's Hidden Gold Buying Confirms a Structural Shift - Financial Times Analysis
: China added 15 tons to gold reserve in September: Goldman Sachs
: China's Secret Gold Hoarding Hits 8000 Tonnes - Medium Analysis
الوسوم
الصين | احتياطي الذهب | إزالة الدولار | البنوك المركزية | أسعار الذهب

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار