بين الأثر المحاسبي والعبء الحقيقي: قراءة في صعود الدين الخارجي المصري
مقدمة: مصر تواجه تحدياً جديداً في إدارة ديونها
سجل إجمالي الدين الخارجي المصري ارتفاعاً جديداً في الربع الثالث من عام 2025، ليصل إلى أعلى مستوياته التاريخية، وسط مخاوف من تأثير التقلبات العالمية في أسواق الصرف على قدرة القاهرة على إدارة أعباء ديونها المتنامية.
وكشفت بيانات البنك الدولي نمو الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة بين يوليو ونهاية سبتمبر، ليستقر عند 163.71 مليار دولار، مقارنة بـ 161.23 مليار دولار في نهاية يونيو من العام نفسه. وتأتي هذه الزيادة رغم إعلان الحكومة المصرية عن نجاحها في خفض إجمالي الدين الحكومي من خلال البنوك العامة والهيئات الاقتصادية.
رئيس الوزراء يعلق: العملات الأجنبية وراء الزيادة
علق رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي على هذه الزيادة مؤكداً أن السبب الرئيسي يكمن في تراجع سعر الدولار الأمريكي أمام العملات الأخرى، خاصة اليورو الذي تستدين به مصر بشكل كبير.
وقال مدبولي في تصريحات صحفية إن "الجزء الأكبر من الزيادة سببه العملات الأخرى غير الدولار وعلى رأسها اليورو، عند انخفاض الدولار أمام اليورو يزيد الرقم الإجمالي للديون الخارجية، وعندما يزيد سعر الدولار أمام هذه العملات سينخفض رقم الدين تلقائياً". وأكد سعي الحكومة لخفض الديون الخارجية بمعدل ملياري دولار سنوياً، مشيراً إلى استخدام بعض الصفقات التي تبرمها الدولة في تقليل حجم الديون بشكل مستدام.
وأوضح تقرير للبنك المركزي المصري أن الزيادة السنوية في الدين الخارجي بلغت 8.3 مليار دولار خلال العام المالي 2024-2025، منها 2.9 مليار دولار نتيجة تغيرات سعر الصرف، و5.4 مليارات دولار من المسحوبات الجديدة من القروض والتسهيلات الخارجية.
هيكل الدين: توزيع الأعباء بين جهات الدولة
يتوزع الدين الخارجي المصري بين عدة جهات رئيسية، حيث تتحمل وزارة المالية نحو 78 مليار دولار، أي ما يقارب نصف إجمالي الدين، وفقاً لتحليلات الخبراء الاقتصاديين. ويتوزع الباقي بين البنوك الحكومية وبعض الهيئات الاقتصادية والبنك المركزي.
وأشار فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري السابق، في حديث خاص بموقع CNN بالعربية، إلى أن جزءاً كبيراً من الدين الخارجي يأتي على شكل ودائع من دول شقيقة يتم تجديدها بشكل دوري ولا تشكل عبئاً فورياً على الاحتياطي النقدي. وأضاف أن "الودائع الخليجية لدى البنك المركزي، ومنها ودائع من السعودية والكويت وقطر، تُجدد بصفة مستمرة وبفوائد منخفضة، ورغم إدراجها محاسبياً ضمن الدين الخارجي، فإنها تختلف في طبيعتها عن القروض التقليدية".
خطة الحكومة: خفض تدريجي واستهداف نسبة 40% من الناتج المحلي
تستهدف الحكومة المصرية خفض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 40% خلال السنوات المقبلة، مقارنة بنحو 44% حالياً. وتسعى وزارة المالية إلى تخفيض الدين بمعدل يتراوح بين 1-2 مليار دولار سنوياً، من خلال عدة آليات تشمل:
- تنويع مصادر التمويل: الدخول إلى الأسواق الآسيوية من خلال إصدارات "سندات الباندا" الصينية و"سندات الساموراي" اليابانية المضمونة من مؤسسات تنموية.
- استخدام أدوات تمويل جديدة: إصدار صكوك إسلامية وسندات خضراء مستدامة.
- التركيز على التمويل الميسر: الاعتماد على القروض من المؤسسات التنموية ذات التكلفة المنخفضة.
كما تستهدف وزارة المالة إطالة متوسط عمر الدين وتحقيق فائض أولي مرتفع لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي من 84% في 2024-2025 إلى 68% بحلول 2029-2030.
تحسن التصنيف الائتماني وثقة الأسواق
في مؤشر على تحسن ثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد المصري، رفعت وكالة S&P للتصنيف الائتماني تصنيف مصر الطويلة الأجل إلى "B" مع نظرة مستقبلية مستقرة في أكتوبر 2025، وهي أول ترقية للبلاد منذ 7 سنوات. وأكدت الوكالة أن الإصلاحات الاقتصادية الجارية وتحسن نمو الناتج المحلي يدعمان هذا التحسن.
من جانبها، أبقت وكالة Fitch Ratings على تصنيف مصر عند "B" مع نظرة مستقرة، في حين أبقت moody's على تصنيف Caa1 مع نظرة إيجابية، مشيرة إلى أن البرنامج الإصلاحي المصري يدعم توقعات تحسن الوضع المالي والخارجي.
التحديات والمخاوف المستقبلية
رغم خطط الحكومة الطموحة، يحذر الخبراء من عدة تحديات قد تعيق جهود خفض الدين:
- تقلبات أسعار الصرف: استمرار تذبذب الدولار أمام اليورو والين يؤثر على القيمة الدفترية للدين بشكل كبير.
- أعباء خدمة الدين: تشكل خدمة الدين الخارجي نحو 50.2% من إجمالي المصروفات الحكومية في الموازنة العامة.
- الاعتماد على القروض الميسرة: 45% من الدين الخارجي يحمل فائدة متغيرة، مما يجعله عرضة لتغيرات أسعار الفائدة العالمية.
- المستحقات الكبيرة: رفع البنك المركزي تقديرات خدمة الدين الخارجي في 2026 بواقع 1.3 مليار دولار لتصل إلى 29.18 مليار دولار.
وحذر خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، من أن خطة خفض الدين تتطلب رؤية متكاملة واضحة، مشيراً إلى أن "مصر تستطيع بما لديها من إمكانيات، ولكن الأمر كله يتطلب وجود رؤية متكاملة يستطيع من خلالها رئيس الوزراء أن يتأكد فعلياً أن هذه الخطة الطموحة لخفض الدين قابلة للتنفيذ".
الخاتمة: هل تنجح مصر في إدارة أزمة الديون؟
تتزايد الضغوط على الحكومة المصرية لإثبات قدرتها على إدارة أزمة الديون المتنامية، خاصة مع ارتفاع كلفة خدمة الدين ومخاطر التقلبات العالمية. ورغم أن التحسن في التصنيف الائتماني يعكس ثقة المستثمرين، إلا أن التنفيذ الفعلي لخطة خفض الدين بمعدل 1-2 مليار دولار سنوياً يبقى تحدياً حقيقياً يتطلب إجراءات حاسمة وشفافية في الإدارة المالية.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستنجح مصر في تحقيق التوازن بين الوفاء بالتزاماتها المستحقة وزيادة الإنفاق على التنمية، أم أن الاعتماد المستمر على الاقتراض سيزيد من هشاشة الوضع المالي؟
المصادر:
- البنك الدولي: بيانات رسمية عن الدين الخارجي المصري
- RT Arabic: تقرير شامل عن ارتفاع الدين الخارجي
- CNN بالعربية: تحليل أسباب ارتفاع الدين الخارجي
ملاحظة: تم الاعتماد على بيانات رسمية صادرة عن البنك الدولي والبنك المركزي المصري وتصريحات رسمية لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بالإضافة إلى تحليلات خبراء اقتصاديين مستقلين.
الوسوم
المالية العامة | الدين الخارجي المصري | تصنيف الائتمان | الاقتراض الحكومي | سعر

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار