سيناء 2026: "التجلي الأعظم" يغير وجه الوادي المقدس.. مليارات التنمية تصطدم بـ"مخاوف التاريخ"
القاهرة – خاص | 22 يناير 2026
في سباق محموم مع الزمن، تضع الحكومة المصرية لمساتها الأخيرة على مشروع "التجلي الأعظم" في قلب مدينة سانت كاترين، وهو المشروع الذي تحول من مجرد خطة تنموية سياحية إلى ساحة جدل واسعة النطاق. فبينما ترى القاهرة فيه "هدية للعالم" ستجذب الملايين، ترتفع أصوات إسرائيلية ودولية محذرة من طمس هوية أحد أقدم المواقع الروحية على وجه الأرض تحت عجلات الجرافات وفخامة الفنادق الحديثة.
25 مليار جنيه لإعادة رسم الخريطة
وفقا للبيانات الرسمية وتقارير وكالة بلومبرغ، رصدت مصر ميزانية ضخمة تجاوزت 25 مليار جنيه مصري لهذا المشروع الاستراتيجي. تهدف الدولة من خلاله إلى تحويل سانت كاترين من مزار ديني محدود يستقبل الحجاج، إلى وجهة عالمية للسياحة الروحانية والجبلية والاستشفائية.
وتشير الأرقام إلى استحواذ قطاع الفنادق والخدمات على نحو 12 مليار جنيه من الميزانية، لإنشاء نزل بيئية وفنادق فاخرة -من بينها فندق "شتيجنبرجر"- ومراكز مؤتمرات، لضمان تجربة رفاهية وسط الطبيعة القاسية. ويأتي هذا في سياق خطة قومية طموحة تستهدف الوصول إلى 21 مليون سائح بنهاية العام الجاري، عبر تنويع المنتج السياحي ليشمل "السياحة الروحانية" كركيزة أساسية.
(مرر الماوس أو اضغط على النقاط للتفاصيل)
دير سانت كاترين
نقطة الارتكاز التاريخية والروحية (تراث عالمي).
الفندق الجبلي والنزل البيئية
فنادق فاخرة تحاكي الطبيعة (استثمار 12 مليار جنيه).
توسعة المطار الدولي
تطوير شامل للممرات وصالات الركاب لاستقبال الوفود.
حي الزيتونة السكني
مئات الوحدات السكنية والخدمات الجديدة.
البنية التحتية
محطة محولات كهرباء (40 ميجا فولت) وشبكات طرق.
إسرائيل تراقب بـ"انزعاج": هل تضيع قدسية العزلة؟
لم يغب الصدى الإقليمي عن المشهد. فقد خصصت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مساحة لانتقاد المشروع، معتبرة أن ما يجري في سيناء يمثل تهديدا مباشرا لـ"الوادي المقدس". وتستند المخاوف الإسرائيلية إلى أن القيمة الروحية للمكان نبعت تاريخيا من عزلته وتقشفه منذ بناء الدير في القرن السادس الميلادي.
وترى الصحيفة أن تحويل المنطقة إلى مركز سياحي صاخب يهدد الطابع الروحي المنعزل الذي ميز الموقع لأكثر من 1600 عام، محذرة من أن "التطوير المفرط" قد يفرغ المكان من محتواه الديني والتاريخي لصالح الاستهلاك السياحي التجاري.
ما وراء الواجهة: جرافات في المحمية وقلق أممي
بعيدا عن الجدل السياسي، كشفت تقارير ميدانية عن وجه آخر للمشروع. فوفقا لتقرير مفصل نشره موقع المونيتور، أبدى خبراء بيئة وتراث مخاوفهم من أن أعمال البناء الجارية داخل نطاق "محمية سانت كاترين" -المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو- قد ألحقت أضرارا بالنظام البيئي الفريد.
ونقل التقرير شهادات مؤلمة للسكان المحليين من قبيلة "الجبالية"، حيث صرح أحدهم: "سانت كاترين التي كنا نعرفها اختفت.. الجيل القادم لن يعرف إلا هذه المباني الخرسانية". وأشار التقرير إلى وقائع محددة مثل إزالة مقبرة المدينة القديمة لإنشاء موقف للسيارات، مما أثار حفيظة المجتمع المحلي.
ووصف جون غراينجر، المدير السابق لمشروع الاتحاد الأوروبي لحماية المحمية، ما يحدث بـ"التشويه"، مشددا على أن خصوصية المكان تكمن في تلاحم الطبيعة مع الروحانيات، وهو ما بات مهددا.
اشتباك دبلوماسي وجدل قانوني
امتدت ارتدادات المشروع لتشمل الجانب الدبلوماسي والقانوني. ففي مايو 2025، صدر حكم قضائي مصري اعتبر أن أرض الدير ملك للدولة، وأن للرهبان "حق الانتفاع" فقط، وهو ما فجر أزمة صامتة مع اليونان والبطريركيات الأرثوذكسية، انتهت باستقالة رئيس الأساقفة في سبتمبر الماضي وسط حديث عن ضغوط غير مسبوقة.
وفي أروقة اليونسكو، ورغم مطالبة منظمة "وورلد هيرتج ووتش" بوضع الموقع تحت قائمة "الخطر"، إلا أن انتخاب وزير السياحة المصري السابق خالد العناني رئيسا للمنظمة في نوفمبر 2025 قد يمنح القاهرة مساحة للمناورة الدبلوماسية لاحتواء هذه الانتقادات.
الواقع على الأرض: 90% إنجاز
على أرض الواقع، تشير المصادر الرسمية إلى أن نسبة التنفيذ بلغت 90% بحلول يناير 2026. وتستعد المدينة لافتتاح رسمي مرتقب في أكتوبر القادم. وتشمل الأعمال المنجزة:
- توسعة كبيرة للمطار المحلي لاستيعاب الطائرات الكبيرة.
- إنشاء محطة محولات كهربائية بقدرة 40 ميجا فولت أمبير.
- مئات الوحدات السكنية والمنتجعات السياحية.
ويبقى السؤال المعلق الذي يطرحه الخبراء الاقتصاديون: هل ستتمكن هذه الفنادق الفخمة في منطقة نائية من جذب العدد الكافي من السياح لتغطية تكاليفها الفلكية؟ أم أن المشروع سيواجه تحديات التشغيل بعد انتهاء حمى البناء؟
في المحصلة، تقف سانت كاترين اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ بين طموح الدولة في خلق "ريفيرا جبلية" تدر العملة الصعبة، وبين تحذيرات من أن تفقد "أرض التجلي" روحها التي شكلت هويتها لآلاف السنين.
المصادر:
- بلومبرج + RT العربية: تفاصيل الميزانية والأهداف الحكومية للمشروع. رابط مباشر
- المونيتور (Al-Monitor): تقرير حول الأضرار البيئية وشهادات السكان المحليين. رابط مباشر
- صحيفة هآرتس (نقلا عن RT): الموقف الإسرائيلي والمخاوف بشأن "الوادي المقدس". رابط مباشر
الوسوم
مشروع التجلي الأعظم | تطوير مدينة سانت كاترين | دير سانت كاترين | سياحة سانت كاترين | أخبار سيناء اليوم

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار