جرينلاند على صفيح ساخن: سخرية ميدفيديف ورسائل ترامب تشعل سباق القطب الشمالي

--

تصريحات نارية من نائب رئيس مجلس الأمن الروسي تكشف حجم التنافس الدولي على "جوهرة القطب الشمالي"

جرينلاند على صفيح ساخن: سخرية ميدفيديف ورسائل ترامب تشعل سباق القطب الشمالي

في تطور مفاجئ يعكس تصاعد حدة التوتر حول القطب الشمالي، أطلق نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري ميدفيديف تحذيراً ساخراً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مفاده أن روسيا قد تضم جزيرة غرينلاند إذا تأخر في تنفيذ مساعيه للاستحواذ عليها، لتضع موسكو نفسها طرفاً مباشراً في أزمة لم تكن تبدو معنية بها.

ميدفيديف يضغط على ترامب: "عليك التسريع"

نقلت وكالة "إنترفاكس" الروسية للأنباء عن ميدفيديف، الرئيس الروسي السابق، قوله يوم الاثنين 13 يناير 2026: "ينبغي لترامب أن يسرع. وفقاً لمعلومات لم يتم التحقق منها، قد يجري خلال أيام قليلة استفتاء مفاجئ، يمكن أن يصوت فيه جميع سكان غرينلاند، البالغ عددهم 55 ألف نسمة، على الانضمام إلى روسيا... وبعد ذلك ينتهي الأمر. لا نجوم صغيرة جديدة على العلم الأميركي" .

هذا التصريح يأتي في سياق تصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين من جهة، وروسيا من جهة أخرى، حول النفوذ في المنطقة القطبية الشمالية. وبحسب مراقبين، فإن تصريحات ميدفيديف لا تعدو كونها "حرب نفسية" ورسالة ساخرة موجهة أساسًا لواشنطن، لكنها تكشف في الوقت ذاته مدى أهمية غرينلاند في الحسابات الاستراتيجية للكرملين.

سعي ترامب المتجدد: "بالطريقة السهلة أو الصعبة"

لم تكن تصريحات ميدفيديف عشوائية. فهي جاءت ردًا على مساعي ترامب المتجددة للسيطرة على غرينلاند، وهي جزيرة دنماركية تتمتع بالحكم الذاتي. فقد أكد ترامب في تصريحات متكررة أن الولايات المتحدة "ستفعل شيئًا ما بشأن غرينلاند، سواء راق لهم ذلك أم لا" .

وخلال اجتماع حضره نائبه جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في البيت الأبيض، قال ترامب: "أود عقد صفقة، كما تعلمون بالطريقة السهلة، ولكن إذا لم نفعل ذلك بالطريقة السهلة فسنفعل ذلك بالطريقة الصعبة"، مضيفاً أنه "إذا لم نفعل ذلك، فستستولي روسيا أو الصين على غرينلاند، ولن نقبل أن تكون روسيا أو الصين جارة لنا" .

يبرر ترامب مساعيه بالحاجة الملحة لأمن الولايات المتحدة القومي، مشيرًا إلى أن موقع الجزيرة ومواردها يجعلها حيوية لمواجهة التهديدات الروسية والصينية في القطب الشمالي. وقد زادت هذه التصريحات من مخاوف الدنمارك وجرينلاند، اللذين أكدا رفضهما القاطع لأي محاولة تسوية بالقوة .

الأهمية الاستراتيجية: لماذا "جوهرة القطب الشمالي"؟

جرينلاند على صفيح ساخن: سخرية ميدفيديف ورسائل ترامب تشعل سباق القطب الشمالي

تعد جرينلاند أكبر جزيرة في العالم بمساحة تزيد على 2.1 مليون كيلومتر مربع، وتقع في قلب المنطقة القطبية الشمالية بين قارتَي أمريكا الشمالية وأوروبا، مما يمنحها أهمية جيوسياسية فريدة .

الموقع العسكري والفضائي

تضم غرينلاند قاعدة "بيتوفيك" الفضائية الأمريكية، إحدى أهم نقاط الإنذار المبكر ضد الصواريخ العابرة للقارات القادمة عبر القطب الشمالي. وتشرف الجزيرة على جزء مما يعرف بفجوة "GIUK" (غرينلاند - آيسلندا - المملكة المتحدة)، حيث يراقب الناتو تحركات البحرية الروسية في شمال الأطلسي .

الموارد الطبيعية

تحتوي الجزيرة على موارد معدنية كبيرة، بما في ذلك المعادن النادرة التي تعد أساسية للصناعات التكنولوجية والعسكرية. كما أن ذوبان الجليد يفتح طرقاً ملاحية جديدة، مثل طريق الشمال الغربي، الذي يقلل زمن الشحن بين آسيا وأوروبا بشكل كبير مقارنة بالطرق التقليدية عبر قناة السويس .

السيطرة على الممرات

مع ذوبان الجليد القطبي، أصبحت غرينلاند بوابة حاسمة للتحكم في الممرات البحرية والجوية الجديدة التي تربط بين المحيطين الأطلسي والمتجمد الشمالي، مما يجعلها محط أنظار القوى العظمى المتنافسة على النفوذ في المنطقة .

ردود الفعل: من تهديد عسكري إلى تفعيل مراسيم ملكية

ردود الفعل الدنماركية

أثارت تصريحات ترامب غضباً دنماركياً واضحاً. فقد ذكرت صحيفة "بيرلينغسكي" الدنماركية بأمر ملكي صدر عام 1952 يلزم القوات الدنماركية بالرد بالقوة "إذا لزم الأمر" على أي هجوم على مملكة الدنمارك. وينص المرسوم على أن "الجنود الدنماركيين وأفراد الحرس الوطني وضباط الشرطة عدم انتظار التعليمات في حال تعرض مملكة الدنمارك للهجوم. يجب عليهم التحرك فوراً" .

واعتبرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن أن استيلاء الولايات المتحدة على غرينلاند سيكون بمثابة "نهاية التحالف العسكري لحلف الناتو"، محذرةً من أن "إذا اختارت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى من دول الناتو، فإن كل شيء سيتوقف" .

موقف حرينلاند 

تعارض حكومة غرينلاند أي محاولة للاستحواذ الأمريكي. فقد أكد رئيس وزراء جرينلاند ميوت بوروب إيجيدي أن "مستقبل جرينلاند يقرره شعب جرينلاند فقط" .

الموقف الأوروبي

تناقش مجموعة من الدول الأوروبية، بقيادة بريطانيا وألمانيا، خططًا لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند عبر تشكيل قوة من الناتو، لإظهار الجدية بشأن أمن القطب الشمالي دون الاعتماد على الولايات المتحدة .

السياق التاريخي: من الحرب العالمية إلى سباق القطب الحديث

يذكر أن الولايات المتحدة احتلت غرينلاند خلال الحرب العالمية الثانية لمنع سقوطها بيد ألمانيا النازية. وبعد الحرب، وقعت معاهدة الدفاع عام 1951 التي تتيح لأمريكا إقامة قواعد عسكرية على الجزيرة .

وقد طرح ترامب فكرة شراء غرينلاند لأول مرة عام 2019، لكن الدنمارك رفضت العرض باعتباره "مضحكاً"، مما أدى إلى أزمة دبلوماسية وقتذاك. الآن، يعود ترامب بمقاربة أكثر عدوانية، ما يُذكّر بسياسات القرن التاسع عشر في شراء الأراضي .

سيناريوهات المستقبل: ما هي الخيارات الممكنة؟

السيناريو الأول: استقلال جرينلاند 

قد يتجه سكان جرينلاند نحو الاستقلال الكامل في العقود القادمة. وهذا الخيار يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية مع واشنطن أو غيرها، لكن دون أن تكون جزءًا من دولة أخرى .

السيناريو الثاني: التعاون الاقتصادي والعسكري

بما أن جرينلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع، يمكن أن تدخل في اتفاقيات استثمار وتعاون مع الولايات المتحدة أو الصين أو دول أوروبية بالتنسيق مع الدنمارك .

السيناريو الثالث: التصعيد والتوتر

إذا استمر ترامب في تهديداته باللجوء للقوة، فقد ترد الدنمارك عسكرياً وفقاً لمرسومها الملكي، مما يضع الناتو أمام تحدٍ غير مسبوق. وقد تستغل روسيا هذا التوتر لتعزيز نفوذها في القطب الشمالي .

تحليل خبير: لماذا لا تريد روسيا جرينلاند فعلياً؟

يرى محللون أن تصريحات ميدفيديف تندرج في إطار "حرب المعلومات" أكثر من كونها نية حقيقية. فروسيا تراقب بقلق التوتر بين حليفتها التقليدية (الولايات المتحدة) والدنمارك، لكنها لا تسعى فعليًا لضم منطقة بعيدة جغرافياً وغير متجانسة ثقافياً.

بدلاً من ذلك، تستخدم روسيا هذه التصريحات لإضعاف موقف ترامب وتعزيز مكانتها كقوة قطبية، مع الحفاظ على القطب الشمالي كمنطقة مصالحها القومية والاستراتيجية .

خاتمة: حجر الزاوية في جيوسياسية القرن الـ21

تعدّ غرينلاند حجر زاوية في الجيوسياسية القطبية الحديثة، حيث تتلاقى مصالح القوى العظمى: الولايات المتحدة التي تريد ضمان موقع استراتيجي قوي، وروسيا التي ترى فيها تهديدًا لتوازن قوتها في الشمال، والصين التي تراها فرصة اقتصادية ضمن خططها العالمية، والدنمارك التي تحاول الموازنة بين السيادة القانونية ومصالح سكان الجزيرة .

في حين أن تصريحات ميدفيديف قد تبدو ساخرة، إلا أنها تكشف عن حقيقة أن غرينلاند لم تعد مجرد جزيرة نائية، بل أصبحت ساحة للتنافس الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين. ويبدو أن مستقبلها سيتقرر ليس عبر القوة العسكرية، بل عبر مزيج من الحكم الذاتي، والتعاون الدولي، وإرادة شعبها.


المصادر:

  1. سكاي نيوز عربية - مفاجأة.. روسيا قد تضم غرينلاند "إذا تأخر ترامب" - 13 يناير 2026

  2. صحيفة الشرق الأوسط - لماذا غرينلاند ذات أهمية استراتيجية لأمن القطب الشمالي؟ - 08 يناير 2026

  3. سكاي نيوز عربية - هل ترد الدنمارك بالقوة على محاولة ترامب "ضم" غرينلاند؟ - 08 يناير 2026

الوسوم

جرينلاند | ترامب | روسيا | الدنمارك | القطب الشمالي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

ترامب يكشف كواليس إلغاء ضربة إيران: "وقف 800 إعدام" غيّر قراري.. ونتنياهو طلب التريث

الذهب يقترب من حاجز الـ5000 دولار: توقعات بمواصلة الصعود رغم تردد الفيدرالي الأمريكي

تسونامي السيولة: 7 تريليونات دولار تفر من البنوك الصينية لإشعال أسواق الأسهم والذهب