احتجاجات إيران تتصاعد: من الغلاء إلى المواجهات الدامية
تشهد إيران منذ مطلع عام 2026 موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ ثلاث سنوات، امتدت من أسواق طهران التجارية إلى الجامعات والمحافظات الريفية النائية، محطمة حاجز الخوف أمام المتظاهرين الذين يواجهون أزمة اقتصادية خانقة. وقد لقي سبعة أشخاص على الأقل مصرعهم في أولى حالات الوفيات المؤكدة بين المحتجين وقوات الأمن، وفقاً لما أعلنته السلطات الإيرانية الرسمية.
الأزمة الاقتصادية: الشرارة التي أشعلت النار
انهيار الريال وتآكل القدرة الشرائية
تفجرت الاحتجاجات على خلفية انهيار قياسي في قيمة العملة الإيرانية، حيث وصل سعر الدولار الأمريكي إلى 1.38 مليون ريال إيراني مطلع يناير 2026، مقارنة بـ430 ألف ريال فقط عام 2022، وبـ32 ألف ريال عند توقيع الاتفاق النووي عام 2015. هذا التدهور العملة أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، مع تضخم يتجاوز 50%، وفق تصريحات المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني.
تغيير قيادة البنك المركزي
في محاولة لاحتواء الأزمة، أقال الرئيس مسعود بزشكيان محافظ البنك المركزي السابق محمد رضا فرزين، وعاد بـعبد الناصر همتي (68 عاماً) إلى المنصب الذي شغله سابقاً. وقد وعد همتي بـ"إلغاء سعر الصرف التفضيلي وتوحيد سعر الصرف"، و"القضاء على منظومة الفساد المرتبطة بتعدد أسعار الصرف"، لكن المحللين يشكون في قدرة هذه الإجراءات على تهدئة الشارع المتفجر.
تطور الأحداث: من الأسواق إلى الشوارع
بداية الاحتجاجات
انطلقت التظاهرات يوم الأحد 29 ديسمبر 2025 من وسط طهران، حيث أغلق التجار محالهم وخرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على تدهور أوضاعهم المعيشية. وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات إلى عشر جامعات على الأقل في العاصمة، مع تسجيل تجمعات طلابية في جامعات أصفهان وكرمانشاه وشيراز ويزد وهمدان وأراك، بحسب تقارير CNN العربية.
الانتقال إلى المحافظات الريفية
ما يميز هذه الموجة عن سابقاتها هو انتقالها إلى المحافظات الريفية. فقد شهدت محافظات فارس وأصفهان وخراسان وكرمانشاه ولرستان احتجاجات متواصلة لليوم الخامس على التوالي. وفي مدينة فسا بجنوب إيران، حاول محتجون اقتحام مبنى حاكم المحافظة، مما أدى إلى اعتقال "زعيمة مثيري الشغب" (امرأة تبلغ 28 عاماً) وأربعة "مهاجمين" آخرين، مع إصابة ثلاثة من أفراد الأمن، وفق وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري.
سقوط أولى الضحايا
أعلنت وكالة فارس الإيرانية الرسمية، الخميس 2 يناير 2026، عن سقوط أول قتيلين مدنيين في مدينة لردغان جنوب البلاد، بعدما هاجم متظاهرون مباني حكومية بالحجارة. وفي تطور لاحق، أشارت مونت كارلو الدولية إلى ارتفاع حصيلة القتلى إلى ستة أشخاص، أحدهم من قوات الباسيج، خلال مواجهات عنيفة استخدمت فيها قوات مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.
ردود الفعل الرسمية: بين الاعتراف والتهديد
موقف الحكومة: اعتراف مشروط
أقرت الحكومة الإيرانية رسمياً بـ"حق الاحتجاج السلمي"، مع التأكيد على فصل المطالب الاقتصادية عن "القضايا السياسية". وقد شدد الرئيس بزشكيان على "سماع صوت الناس والحفاظ على التفاعل معهم"، وطلب من وزير الداخلية الاستماع إلى "المطالب المشروعة" للمحتجين.
لكن المدعي العام الإيراني محمد كاظم موحدي آزاد حذر بشدة من أن "أي محاولة لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى أداة لخلق انعدام الأمن، أو تخريب الممتلكات العامة، أو تنفيذ سيناريوهات مصممة من الخارج، ستواجه برد قانوني متناسب وحاسم".
موقف الباسيج والحرس الثوري
اتهم غلام رضا سليماني، قائد ميليشيا الباسيج، المحتجين بأنهم "أدوات لإسرائيل والولايات المتحدة"، معتبراً أن "الأعداء يركزون على القضايا الاقتصادية والمعيشية، وتسعى عبر الركوب على بعض حالات السخط إلى دفع عناصرهما إلى الواجهة".
المواقف الدولية: تدخل وفقاعات إعلامية
الولايات المتحدة: دعم صريح
جددت وزارة الخارجية الأميركية دعمها للمحتجين عبر حسابها الناطق باللغة الفارسية على منصة "إكس"، معربة عن "قلق عميق إزاء التقارير التي تظهر أن محتجين سلميين يواجهون الترهيب والعنف والاعتقال". وأكدت أن "المطالبة بالحقوق الأساسية ليست جريمة".
إسرائيل والموساد: تدخل غير مسبوق
في تطور لافت، بث جهاز الموساد الإسرائيلي بياناً باللغة الفارسية على منصة "إكس" دعا فيه المتظاهرين الإيرانيين إلى "تكثيف تحركاتهم"، معلناً وقوفه "معهم على الأرض". وجاء هذا بعد رسالة من نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، قال فيها: "أيها الشعب الإيراني العزيز، لستم وحدكم".
المعارضة الإيرانية
علق المخرج السينمائي البارز جعفر بناهي بقوة على الأحداث، قائلاً: "هذه الانتفاضة إرادة قررت أن تبقى، وأن تمضي قدماً، وأن تدفع التاريخ إلى الأمام. منذ أربعة أيام والشعب صامد، لا من أجل الصراخ، بل من أجل التغيير".
مقارنة تاريخية: هل تكرر سيناريو 2022؟
تشير تقارير وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن وتيرة هذه التحركات "لا تزال أقل اتساعاً من موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة الشابة مهسا أميني". لكن المختلف هذه المرة هو أن الاحتجاجات بدأت بشكل محض اقتصادي ثم تبنى شعارات سياسية، كما أنها امتدت إلى المناطق الريفية التي كانت تاريخياً بؤراً داعمة للنظام.
تحليل وتوقعات
عوامل الاستمرار
تبدو الاحتجاجات أكثر استدامة من سابقاتها لعدة أسباب:
- الضغوط الاقتصادية المشتركة: تضرر جميع الشرائح الاجتماعية من التضخم وانهيار العملة
- الانتشار الجغرافي: وصول الاحتجاجات إلى المحافظات الريفية يشير إلى تغير في المزاج العام
- الشرعية الدولية: الدعم الأميركي والإسرائيلي يمنح المحتجين دفعة معنوية، رغم اتهامات النظام بالتآمر
العقبات أمام التغيير
رغم ذلك، يواجه المحتجون تحديات كبيرة:
- قمع أمني حازم: تهديدات المدعي العام والحرس الثوري بالرد "الحاسم"
- انقسام داخلي: تبني الصحيفة المحافظة "كيهان" موقفاً متشدداً، ووصفت المحتجين بـ"أدوات إسرائيل"
- غياب قيادة موحدة: الاحتجاجات تفتقر إلى زعامة واضحة أو مطالب محددة
خاتمة
تشكل الاحتجاجات الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة نظام الجمهورية الإسلامية على إدارة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة دون اللجوء إلى قمع دموي يزيد من حدة التوتر. بينما يبدو الموقف الدولي أكثر تدخلاً من أي وقت مضى، تبقى النتائج غير محسومة، ويعتمد مصير هذه الموجة على مدى قدرة الحكومة على تقديم حلول حقيقية للضغوط المعيشية، وعلى قدرة المحتجين على الحفاظ على زخمهم السلمي رغم التحديات الأمنية.
المصادر المباشرة
: وكالة أسوشيتد برس عبر مونت كارلو الدولية - تقرير عن سقوط ستة قتلى في الاحتجاجات الإيرانية: https://www.mc-doualiya.com/الشرق-الأوسط/20260101-الاحتجاجات-في-إيران-متواصلة-ثلاثة-قتلى-أحدهم-من-الباسيج-خلال-المواجهات-بين-متظاهرين-والأمن
: CNN بالعربية - تصريحات الحكومة الإيرانية حول الاحتجاجات: https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2025/12/31/iran-protests-against-high-prices
: الشرق الأوسط - تقرير شامل عن تطورات الاحتجاجات والمواقف الدولية: https://aawsat.com/شؤون-إقليمية/5224917-احتجاجات-إيران-تدخل-يومها-الرابع-وتحذيرات-من-زعزعة-الاستقرار
الوسوم
احتجاجات إيران|الأزمة الاقتصادية الإيرانية | انهيار الريال | قوات الأمن الإيرانية | المظاهرات الشعبية

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار