أزمة جرينلاند: هل يكتب طموح ترامب شهادة وفاة حلف الناتو؟

--

أزمة جرينلاند: هل يكتب طموح ترامب شهادة وفاة حلف الناتو؟

تمر العلاقات الدولية باختبار هو الأصعب منذ عقود، حيث وضعت رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، النقاط على الحروف في مواجهة تلميحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة بضم جزيرة جرينلاند. لم تكتفِ فريدريكسن بالرفض الدبلوماسي، بل حذرت بوضوح من أن أي تحرك عسكري أمريكي تجاه الجزيرة سيعني "النهاية الفعلية" لحلف شمال الأطلسي (الناتو).

تصريحات "الـ 20 يوماً" تثير استنفار كوبنهاجن

عادت القضية إلى الواجهة بعد تصريحات أدلى بها ترامب على متن الطائرة الرئاسية، وصف فيها جرينلاند بأنها "ضرورة للأمن القومي الأمريكي"، ساخراً من القدرات الدفاعية الدنماركية للجزيرة بقوله إنهم لم يضيفوا سوى "زلاجة كلاب واحدة". لكن الجملة التي أشعلت المخاوف كانت: "لنتحدث عن جرينلاند بعد 20 يوماً".

هذا التوقيت، الذي يتزامن مع عملية "كاراكاس" العسكرية التي نفذتها واشنطن في فنزويلا واعتقلت خلالها الرئيس نيكولاس مادورو، جعل القادة في الدنمارك وجرينلاند ينظرون إلى تهديدات ترامب كخطة عمل وشيكة وليست مجرد تصريحات عابرة.

رد صاعق: "الأمن العالمي في خطر"

قالت فريدريكسن في لقاء مع قناة TV2 الدنماركية: "إذا هاجمت الولايات المتحدة دولة أخرى من دول الناتو عسكرياً، فسيتوقف كل شيء، بما في ذلك أمننا الذي استقر منذ الحرب العالمية الثانية". وأضافت: "يجب أخذ ترامب على محمل الجد عندما يقول إنه يريد جرينلاند. لن نقبل وضعاً يهددنا نحن وجرينلاند بهذه الطريقة".

في "نيوك" عاصمة جرينلاند، بدا رئيس الوزراء ينس فريدريك نيلسن أكثر هدوءاً لكنه كان حازماً، حيث أكد أن بلاده ليست "فنزويلا ثانية" ولا يمكن غزوها بين عشية وضحاها، مشدداً على أن "شعبنا ليس للبيع، وبلدنا ليس محلاً للتفاوض".

لماذا يصر ترامب على "الكنز القطبي"؟

لا ينبع الاهتمام الأمريكي من فراغ، فالمعطيات الجيوسياسية والاقتصادية تجعل من جرينلاند جائزة كبرى:

وجه الأهمية التفاصيل الدقيقة

الموارد الطبيعية تضم الجزيرة 43 من أصل 50 معدناً حيوياً للأمن الأمريكي، بينها الجرافيت والليثيوم وعناصر الأرض النادرة التي تدخل في صناعة الهواتف الذكية والصواريخ.
الموقع الاستراتيجي تتحكم جرينلاند في فجوة (GIUK) التي تربط الأطلسي بالقطب الشمالي، وتتيح مراقبة الأساطيل الروسية والصينية.
الدفاع الصاروخي تحتضن "قاعدة بيتوفيك الفضائية" (Pituffik Space Base) في شمال غرب الجزيرة، وهي أقصى منشأة دفاعية أمريكية شمالاً.
المراقبة الفضائية تدعم القاعدة 20 ألف عملية تواصل سنوية مع الأقمار الصناعية الأمريكية والحليفة، وتعمل كخط دفاع أول ضد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

وجه الأهمية التفاصيل الدقيقة
الموارد الطبيعية تضم الجزيرة 43 من أصل 50 معدناً حيوياً للأمن الأمريكي، بينها الجرافيت والليثيوم وعناصر الأرض النادرة التي تدخل في صناعة الهواتف الذكية والصواريخ.
الموقع الاستراتيجي تتحكم جرينلاند في فجوة (GIUK) التي تربط الأطلسي بالقطب الشمالي، وتتيح مراقبة الأساطيل الروسية والصينية.
الدفاع الصاروخي تحتضن "قاعدة بيتوفيك الفضائية" (Pituffik Space Base) في شمال غرب الجزيرة، وهي أقصى منشأة دفاعية أمريكية شمالاً.
المراقبة الفضائية تدعم القاعدة 20 ألف عملية تواصل سنوية مع الأقمار الصناعية الأمريكية والحليفة، وتعمل كخط دفاع أول ضد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

القاعدة العسكرية: "بيتوفيك" قلب الدفاع الأمريكي

قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي كانت تسمى سابقاً "ثول"، تم بناؤها بموجب اتفاقية 1951 الدفاعية بين الدنمارك والولايات المتحدة. تقع على بعد 750 ميلاً شمال الدائرة القطبية الشمالية، و1500 ميل جنوب القطب الشمالي، وتضم حوالي 550 شخصاً بين عسكريين ومدنيين.

تقوم القاعدة بثلاث مهام رئيسية:

  • الإنذار المبكر: رادار الصواريخ الباليستية الذي تديره السرب 12 للإنذار الفضائي (12 SWS)
  • مراقبة الفضاء: محطة تتبع السرب 23 لعمليات الفضاء (Detachment 1)، التي تجرى 15-20 ألف تواصل سنوي مع الأقمار الصناعية
  • التدريب القطبي: يعمل كمنصة تدريب فريدة للقوات الأمريكية والحليفة في البيئة القطبية

تداعيات على العلاقات الأوروبية-الأمريكية

أعربت عدة دول أوروبية عن تضامنها مع الدنمارك. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تستورد طائرات F-35 الدنماركية ووافقت كوبنهاجن العام الماضي على السماح بإنشاء قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، إلا أن تصريحات ترامب الأخيرة تهدد بإلحاق ضرر بالغ بالتحالف عبر الأطلسي.

تجدر الإشارة إلى أن جرينلاند تتمتع بحكم ذاتي منذ 1979، ورئيس وزرائها مجمع على رفض أي محاولة أمريكية للسيطرة. وقال نيلسن: "نحن شعب صغير لكننا أقوياء، ولسنا كائناً للمفاوضات".

الدبلوماسية الرقمية تزيد الطين بله

زادت من حدة الأزمة منشورات لمسؤولين أمريكيين على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل كاتي ميلر، زوجة مستشار ترامب ستيفن ميلر، التي نشرت خريطة لجرينلاند بألوان العلم الأمريكي مع تعليق "قريباً". يرى المحللون في وكالة أسوشيتد برس أن هذه السلوكيات تقوض الثقة بين الحلفاء وتدفع الدول الأوروبية لإعادة النظر في اعتمادها الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية.

السيناريوهات المفتوحة: ماذا بعد 20 يوماً؟

بينما يرى ترامب أن السيطرة على جرينلاند خطوة لتأمين القطب الشمالي ضد النفوذ الروسي والصيني المتزايد، تراها أوروبا "عدواناً" ينسف ميثاق الناتو من الداخل. الأيام العشرون القادمة، حسب تصريحات الرئيس الأمريكي، ستكشف ما إذا كانت واشنطن ستمضي قدماً في مغامرة قطبية أم أن صوت العقل الدبلوماسي سينتصر.

ما يجعل هذا التهديد مختلفاً عن السابق، هو أنه يأتي في سياق إدارة ترامب الثانية، التي أظهرت استعداداً لاستخدام القوة خارج الأطر الدولية، كما حدث في فنزويلا. وكما قالت فريدريكسن: "التاريخ علمنا أن التهديدات تجاه حلفاء الناتو يجب أخذها على محمل الجد".


المصادر المباشرة:

  1. وكالة أسوشيتد برس: https://apnews.com/article/greenland-american-military-pituffik-space-base-denmark-746d67b1bc8e6681328a809787412495

  2. Bloomberg: https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-01-05/danish-premier-says-us-attack-on-greenland-would-mean-nato-over

  3. Reuters: https://www.reuters.com/world/europe/denmark-pm-urges-trump-stop-threats-take-over-greenland-2026-01-04/

الوسوم

جرينلاند | دونالد ترامب | حلف الناتو | الدنمارك | الأمن القومي

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الذهب يتربع على عرش الملاذات الآمنة: هل يستمر الصعود أم أن التراجع بات وشيكاً؟

ترامب بعد الإطاحة بمادورو: مطالب بجرينلاند وتوسع النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي

المثلث الأميركي المرعب.. خطة واشنطن للاستحواذ على نفط فنزويلا وكابوس الصين