موجة هبوط عالمية… والكوميسا تقفز 154% بدعم مصري

-- دقائق
رغم التراجع العالمي.. تدفقات الاستثمار تصل إلى 65 مليار دولار بنمو 154%

موجة هبوط عالمية… والكوميسا تقفز 154% بدعم مصري

في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي من تباطؤ حاد في النشاط الاستثماري، تسجل منطقة دول السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا) أداءً استثنائياً يناقض كل التوقعات السائدة. فقد كشف تقرير الاستثمار في الكوميسا 2025 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) عن ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى التكتل إلى مستوى قياسي بلغ نحو 65 مليار دولار خلال عام 2024، مسجلة نمواً هائلاً قدره 154% مقارنة بالعام السابق.

هذا الرقم يحمل في طياته قصة نجاح تستحق التأمل، خاصة أنه يأتي في ظل انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً بنحو 11%، نتيجة تشديد الأوضاع التمويلية وارتفاع أسعار الفائدة واستمرار حالة عدم اليقين في السياسات الاقتصادية، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية في مختلف أنحاء العالم.

مصر.. القاطرة الاستثمارية للتكتل

تصدرت مصر المشهد داخل الكوميسا، محققة قفزة نوعية في جذب الاستثمارات الأجنبية ارتفعت من 9.8 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 46.6 مليار دولار في عام 2024، لتستحوذ بذلك على أكثر من 70% من إجمالي التدفقات داخل دول التكتل الـ21. هذا النمو يعادل خمسة أضعاف ما حققته مصر في العام السابق، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد المصري رغم التحديات المحلية والإقليمية.

العامل الرئيسي وراء هذه الطفرة يعود إلى مشروع "رأس الحكمة" الضخم، الذي يعد أحد أكبر المشروعات الاستثمارية في المنطقة الأفريقية بأكملها. يشمل المشروع تطويراً حضرياً متكاملاً يتضمن بنية تحتية متقدمة ومشروعات سياحية وتعليمية وخدمية، وقد ساهم بشكل مباشر في تعزيز الاستثمارات الجديدة وتمويل المشروعات الدولية، ما جعل مصر الوجهة الأولى للاستثمار داخل الكوميسا.

النمو الحقيقي يتجاوز المشروعات الضخمة

رغم الدور المحوري الذي لعبه مشروع رأس الحكمة في دفع الأرقام نحو مستويات قياسية، يؤكد تقرير الأونكتاد أن أداء التكتل يظل قوياً حتى عند استبعاد هذا المشروع. فقد كانت التدفقات الاستثمارية سترتفع بنسبة 16% بدون احتساب المشروع، وهو ما يعكس تحسناً هيكلياً حقيقياً في بيئة الاستثمار داخل دول الكوميسا، وليس مجرد تأثير مؤقت لمشروع واحد.

هذا التحسن الهيكلي يظهر جلياً في ارتفاع حصة الكوميسا من تدفقات الاستثمار إلى الاقتصادات النامية من 3% في عام 2023 إلى نحو 7% في عام 2024. كما ارتفعت حصتها من التدفقات العالمية إلى 4% مقارنة بنحو 2% في العام السابق، ما يعكس تنامي جاذبية التكتل كمقصد استثماري مهم على خريطة الاستثمار العالمية.

تمويل المشروعات الدولية.. قفزة غير مسبوقة

من أبرز مؤشرات الأداء القوي في دول الكوميسا خلال عام 2024 الارتفاع الكبير في تمويل المشروعات الدولية، حيث قفزت قيمته بنسبة 93% لتصل إلى نحو 79 مليار دولار مقارنة بنحو 41 مليار دولار في عام 2023. هذا التحول يكتسب أهميته من كونه يأتي في ظل التراجع العالمي الحاد في هذا النوع من التمويل، الذي انخفض عالمياً بنسبة 26% نتيجة القيود التمويلية وعدم اليقين الاقتصادي.

استحوذت دول الكوميسا على نحو 80% من إجمالي تمويل المشروعات في أفريقيا، وحوالي 9% من الإجمالي العالمي، ما يعكس تنامي دورها كمركز رئيسي للاستثمار في البنية التحتية. وكان لمصر النصيب الأكبر من هذه الطفرة، حيث ساهمت بنحو 69 مليار دولار من إجمالي التمويل، مدفوعة بالمشروعات الكبرى في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتنمية العمرانية.

تحولات في هيكل الاستثمارات

كشف التقرير عن تغير واضح في هيكل الاستثمارات داخل الكوميسا، حيث تصدر قطاع التشييد المشهد مسجلاً أعلى معدلات النمو مع زيادة الاستثمارات بنحو خمسة أضعاف، مدفوعة بشكل رئيسي بالنشاط في مصر. كما سجلت استثمارات قطاع الطاقة وإمدادات الغاز نمواً بنسبة 22%، وارتفعت الاستثمارات في المعادن الأساسية بنسبة 71%.

في المقابل، تراجعت الاستثمارات في الصناعات الاستخراجية بنسبة 61%، وانخفضت الاستثمارات في قطاع التصنيع بنسبة 50%، ما يعكس تحديات مستمرة في جذب الاستثمار الصناعي. أما قطاع الخدمات فقد شهد زيادة في قيمة الاستثمارات بنسبة 49% رغم انخفاض عدد المشروعات، ما يشير إلى ارتفاع متوسط حجم المشاريع.

وفي قطاع سلاسل الإمداد، تراجعت استثمارات قطاع السيارات بنسبة 54%، بينما سجلت صناعات الإلكترونيات والمنسوجات نمواً قوياً، ما يعكس تحولاً في أولويات الاستثمار الصناعي داخل المنطقة.

التحديات.. التركز الجغرافي والاعتماد على المشروعات الكبرى

على الرغم من الأداء الإيجابي، يؤكد التقرير استمرار التركز الجغرافي للاستثمارات داخل التكتل، حيث استحوذت خمس دول رئيسية هي مصر وإثيوبيا وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وكينيا على نحو 90% من إجمالي التدفقات خلال عام 2024، مقارنة بنحو 80% في العام السابق.

هذا التركز يعكس هيمنة الاقتصادات الأكبر والأكثر تطوراً نسبياً على نصيب الأسد من الاستثمارات، في مقابل حصول بقية الدول الأعضاء على حصة محدودة، ما يشير إلى الحاجة الملحة لتوسيع قاعدة جذب الاستثمار داخل التكتل لضمان استفادة أكبر عدد من الدول من هذه التدفقات.

من بين التحديات الأخرى التي رصدها التقرير: الاعتماد الكبير على مشروعات ضخمة فردية، وضعف تنوع القاعدة الإنتاجية في بعض الدول، وفجوات البنية التحتية خاصة الرقمية، حيث لا تزال الاستثمارات في الحلول الرقمية محدودة في ظل فجوة تمويلية كبيرة تتجاوز 8 مليارات دولار في البنية التحتية الرقمية.

دول صاعدة وفرص جديدة

رغم هيمنة الدول الكبرى، سجلت بعض الدول الأخرى تحسناً ملحوظاً في تدفقات الاستثمار. حققت زامبيا نمواً استثنائياً تجاوز 14 ضعفاً، بينما ارتفعت الاستثمارات في إثيوبيا بنسبة 22%، وفي كل من تونس وجمهورية الكونغو الديمقراطية بنسبة 21%. كما شهدت دول مثل رواندا وسيشيل والصومال زيادات معتدلة، ما يعكس تحسناً تدريجياً في جاذبية الاستثمار عبر مختلف أنحاء الكوميسا، وإن كان بوتيرة متفاوتة.

المناطق الاقتصادية الخاصة برزت كمحور رئيسي لجذب الاستثمارات الكبرى، خاصة في مصر حيث تتركز مشروعات ضخمة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. كما شهدت هذه المناطق نشاطاً متزايداً في دول مثل كينيا وزامبيا ورواندا وإثيوبيا.

آفاق المستقبل.. نمو متوقع وتعافٍ اقتصادي

يتبنى التقرير نظرة متفائلة بحذر بشأن آفاق الاستثمار في الكوميسا، مشيراً إلى توقعات بتسارع النمو الاقتصادي خلال عام 2025، بالتوازي مع تعافي النشاط التجاري العالمي. ويرى التقرير أن هناك فرصاً كبيرة لتعزيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية والبنية التحتية والطاقة النظيفة، بما يدعم التحول الاقتصادي في دول الكوميسا.

للحفاظ على هذا الزخم، يوصي التقرير بتوسيع قاعدة الاستثمارات لتشمل عدداً أكبر من الدول والقطاعات، وتقليل الاعتماد على الصفقات الضخمة، بما يضمن تحقيق نمو مستدام ومتوازن على المدى الطويل. كما يؤكد على ضرورة تسريع جهاز التصنيع من خلال التركيز على الصناعات ذات القيمة المضافة وتطوير الموردين من الشركات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى سد الفجوة في البنية التحتية الرقمية وتوسيع الاستثمار في رأس المال البشري.

الخلاصة

تجسد أرقام الكوميسا لعام 2024 قصة نجاح ملهمة في عالم يعج بالتحديات الاقتصادية. فقد تمكن التكتل من تحقيق نمو استثنائي في جذب الاستثمارات رغم كل الرياح المعاكسة التي هبت على الاقتصاد العالمي. وقد لعبت مصر دوراً محورياً في هذه القصة، مستفيدة من مشروعاتها الضخمة وموقعها الاستراتيجي وإمكاناتها البشرية والاقتصادية.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأرقام القياسية إلى نمو شامل ومستدام يستفيد منه جميع أعضاء التكتل، وليس مجرد عدد محدود من الدول. فالاستثمار الحقيقي لا يقاس بالأرقام فقط، بل بقدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص عمل وتعزيز التنمية المستدامة وتحسين حياة الملايين من سكان المنطقة.

المصادر

الوسوم

الكوميسا | الاستثمار الأجنبي المباشر | اقتصاد مصر | رأس الحكمة | تمويل المشروعات

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

موجة ارتفاعات شاملة تضرب الأسواق العالمية.. الحرب على إيران تعيد رسم خريطة الاقتصاد الدولي

ترامب يصعد لهجته ضد إيران: كيف تهدد التوترات في الشرق الأوسط الاقتصاد العالمي؟

أزمة الطاقة العالمية: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء ارتفاع الذهب والنفط؟