بدائل مضيق هرمز: هل تنجح خطوط الأنابيب في إنقاذ إمدادات النفط العالمية؟
مقدمة: عنق الزجاجة العالمي تحت المجهر
يُعد مضيق هرمز الشريان الحيوي لاقتصاد العالم، إذ يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط، ما يمثل ربع التجارة العالمية المنقولة بحراً و20% من الاستهلاك العالمي . مع تصاعد التوترات الإقليمية وتهديدات بإغلاق المضيق، تبرز مسألة البدائل البحرية والبرية بقوة على طاولة صانعي القرار في الخليج العربي.
لكن الحقيقة الصادمة تكمن في أن البدائل المتاحة لا تغطي سوى ربع الإمدادات التي تمر عبر هرمز، مما يجعل المنطقة رهينة هذا الممر الاستراتيجي رغم استثمارات ضخمة في البنية التحتية البديلة.
أولاً: السعودية وخط شرق-غرب.. العملاق الصحراوي
السعة والقدرات
يعد خط أنابيب شرق-غرب (Petroline) أقوى مسار بري بديل في المنطقة. يمتد الخط لمسافة 750 ميلاً (نحو 1200 كم) من مركز أبقيق لتكرير النفط في المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر .
- السعة التصميمية: 5 ملايين برميل يومياً
- السعة القصوى: 7 ملايين برميل يومياً بعد تحويل بعض خطوط الغاز المسال لنقل النفط الخام في 2019
- الطول: 745 ميلاً
التحديات اللوجستية
رغم القدرة النظرية للخط، فإن ميناء ينبع يواجه قيوداً حقيقية. وفقاً لبيانات Kpler، فإن طاقة تحميل الناقلات في ينبع تقتصر على 4.3 إلى 4.5 ملايين برميل يومياً فقط، وهو ما يقل كثيراً عن سعة الخط نفسه . كما أن الميناء لم يصمم ليكون المحور الرئيسي للصادرات السعودية، مما يخلق اختناقات في مرحلة التحميل .
الاستخدام الفعلي
مع اندلاع الأزمة الحالية، ثلثت السعودية صادراتها عبر البحر الأحمر، حيث ارتفعت الشحنات من 786 ألف برميل يومياً في فبراير إلى 2.5 مليون برميل يومياً في أول أربعة أيام من مارس 2026 . وقد لجأت أرامكو إلى توجيه شحنات لعملاء آسيويين عبر ينبع بدلاً من رأس تنورة.
ثانياً: الإمارات وخط حبشان-الفجيرة.. البوابة الشرقية
البنية التحتية
يُعد خط أدنوك لنقل النفط الخام (ADCOP) أو خط حبشان-الفجيرة، المشروع الاستراتيجي الذي يتيح للإمارات تجاوز هرمز بالكامل. يمتد الخط لمسافة 360 كم من حقول حبشان في أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على خليج عمان .
- السعة التصميمية: 1.5 مليون برميل يومياً
- السعة القصوى المحتملة: 1.8 مليون برميل يومياً
- التكلفة: 4.2 مليار دولار
- الطول: 360 كم، منها 14 كم تحت الماء
الأهمية الاستراتيجية
يمنح هذا الخط الإمارات استقلالية كاملة عن المخاطر الجيوسياسية لمضيق هرمز. وقد لعب دور "ممتص الصدمات" خلال توترات 2025، حيث ساهم في استقرار الإمدادات الإماراتية حين تأثرت ممرات الخليج.
وفقاً لبيانات Kpler، فإن معظم صادرات خام مربان تُشحن عبر محطة أدنوك في الفجيرة، مما يفسر ارتفاع أسعار هذا الخام إلى علاوة 6.70 دولارات للبرميل فوق swaps دبي في مارس 2026 .
التوسعات المستقبلية
تعمل أدنوك على إنشاء خط جديد يربط جبل الظنة بالفجيرة بسعة 1.5 مليون برميل يومياً، بتكلفة 3 مليارات دولار وطول 300 كم، على أن يبدأ العمل به في 2027 . هذا المشروع سيرفع قدرة الإمارات على تصدير أكثر من نصف إنتاجها دون المرور بهرمز.
ثالثاً: مصر وسوميد.. الحلقة الوسيطة
خط سوميد الاستراتيجي
يعد خط سوميد (SUMED) شرياناً حيوياً يربط البحر الأحمر بالمتوسط، مما يتيح نقل النفط الخليجي إلى أوروبا دون المرور بقناة السويس. يمتد الخط من عين السخنة على خليج السويس إلى سيدي كرير على المتوسط .
- السعة: 2.5 مليون برميل يومياً
- الطول: 320 كم
- القطر: 42 بوصة (خطان متوازيان)
- الملكية: شركة خطوط أنابيب البترول العربية (مشروع مشترك بين مصر 50%، والسعودية 15%، والإمارات 15%، والكويت 15%، وقطر 5%)
الدور في الأزمة الحالية
أكد وزير البترول المصري كريم بدوي استعداد مصر لتسهيل نقل النفط السعودي من ينبع عبر سوميد إلى المتوسط . هذا المسار يُكمل سلسلة النقل البري: من حقول الشرقية السعودية عبر خط شرق-غرب إلى ينبع، ثم عبور البحر الأحمر إلى عين السخنة، وأخيراً عبر سوميد إلى سيدي كرير.
في سيناريو الإغلاق الكامل، يمكن للسعودية الاعتماد على الجمع بين خط شرق-غرب وسوميد لنقل نحو 6.8 مليون برميل يومياً إلى أوروبا والأسواق المتوسطية .
رابعاً: إيران وخط غوره-جاسك.. بديل محدود
يمتد خط غوره-جاسك الإيراني من حقول غوره إلى ميناء جاسك على خليج عمان، لكنه يعاني من قيود جسيمة:
- السعة الفعلية: 300 ألف برميل يومياً فقط
- التوقف عن العمل: توقف التحميل بعد سبتمبر 2024
- الصادرات الصيفية 2024: أقل من 70 ألف برميل يومياً
رغم أهميته النظرية، إلا أن العقوبات الأمريكية والهجمات العسكرية جعلت هذا الخط غير قابل للاستخدام بشكل موثوق في الوقت الراهن .
خامساً: الغاز الطبيعي.. العجز الكامل في البدائل
تواجه صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG) تحدياً أكبر بكثير من النفط. فقطر، أكبر مصدر للغاز المسال في العالم، تعتمد على هرمز في 93% من صادراتها البالغة 112 مليار متر مكعب سنوياً . والإمارات تعبر هرمز بـ96% من صادراتها .
لا توجد حالياً أي خطوط أنابيب إقليمية قادرة على نقل الغاز المسال بعيداً عن المضيق، مما يجعل الغاز الخليجي رهينة هرمز بشكل كامل .
الحسابات النهائية: كم تغطي البدائل؟
| البديل | السعة (برميل/يوم) | الحالة |
|---|---|---|
| خط شرق-غرب السعودي | 5-7 ملايين | يعمل حالياً |
| خط حبشان-الفجيرة الإماراتي | 1.5-1.8 مليون | يعمل حالياً |
| خط سوميد المصري | 2.5 مليون | يعمل حالياً |
| خط غوره-جاسك الإيراني | 300 ألف | متوقف |
| الإجمالي المتاح | 3.5-5.5 مليون | مقابل 20 مليون عبر هرمز |
هذا يعني أن البدائل تغطي 17.5% إلى 27.5% فقط من الإمدادات التي تمر عبر هرمز .
التحليل الاستراتيجي: ممتصات صدمات أم بدائل حقيقية؟
يصف خبراء الطاقة هذه البدائل بأنها "ممتصات صدمات" (Shock Absorbers) وليست بدائل حقيقية . فهي تقلل من حدة الأزمة لكنها لا تحلها.
المخاطر المحيطة
- مضيق باب المندب: حتى الصادرات عبر البحر الأحمر يجب أن تعبر هذا المضيق المعرض لهجمات الحوثيين
- استهداف البنية التحتية: قد تصبح خطوط الأنابيب نفسها أهدافاً للهجمات
- الاختناقات المينائية: محدودية طاقة التحميل في ينبع والفجيرة
التأثير على الأسواق
حذر محللو جيه بي مورغان من أن استمرار الإغلاق قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل . وقد ارتفعت أسعار الشحن بالناقلات العملاقة (VLCC) إلى أكثر من الضعف، حيث وصلت تكلفة الشحنة الواحدة من ينبع إلى كوريا الجنوبية إلى 28 مليون دولار .
الخلاصة: أمن إمدادات منقوص
رغم توسع شبكة الأنابيب الإقليمية خلال العقد الماضي، تبقى المنطقة بعيدة عن امتلاك قدرة حقيقية على تجاوز مضيق هرمز بالكامل. لكن التطور اللافت هو أن الخليج - خاصة السعودية والإمارات - بات يمتلك خط دفاع أول يقلل من شدة الصدمة.
مع استمرار المشاريع الجديدة مثل توسعة خطوط الإمارات، قد نشهد بنية تحتية أكثر قدرة على امتصاص الأزمات، لكنها ستظل مكملة لا بديلة عن واحد من أهم شرايين الطاقة على الكوكب.
المصادر
- Saudi Arabia triples Red Sea oil exports to bypass blocked Strait of Hormuz - Daily News Egypt، 5 مارس 2026. https://www.dailynewsegypt.com/2026/03/05/saudi-arabia-triples-red-sea-oil-exports-to-bypass-blocked-strait-of-hormuz/
- Saudi Arabia Starts to Shift Crude Exports to Red Sea as Hormuz Disruption Mounts - Morningstar/Dow Jones، 5 مارس 2026. https://www.morningstar.com/news/dow-jones/202603053828/saudi-arabia-starts-to-shift-crude-exports-to-red-sea-as-hormuz-disruption-mounts
- Amid regional conflict, the Strait of Hormuz remains critical oil chokepoint - U.S. Energy Information Administration، 16 يونيو 2025. https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=65504
الوسوم
مضيق هرمز | خطوط أنابيب | صادرات النفط | البحر الأحمر | أمن الطاقة

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار