النفط فوق 100 دولار مع إغلاق هرمز وتصاعد الحرب مع إيران

-- دقائق

تقرير: تحليل تطورات أسواق الطاقة في ظل الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني

النفط فوق 100 دولار مع إغلاق هرمز وتصاعد الحرب مع إيران

مقدمة: من الاستقرار إلى الذروة

شهدت أسواق النفط العالمية تحولاً دراماتيكياً خلال الأيام العشرة الماضية، حيث قفزت الأسعار من مستويات الاستقرار النسبي إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022. فقد ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي (WTI) بنسبة 53.4% ليصل إلى 100.5 دولار للبرميل، فيما تجاوز خام برنت حاجز 102 دولار للبرميل بزيادة 44.9% عن مستويات ما قبل الحرب.

هذه القفزة التاريخية تأتي في أعقاب الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير 2026، والذي أدخل المنطقة في دوامة من العنف المتبادل أدت إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط العالمية.

السياق الجيوسياسي: حرب تستهدف البنية التحتية للطاقة

الضربات الإسرائيلية داخل العاصمة الإيرانية

فجرت الغارات الجوية الإسرائيلية مفاجأة من العيار الثقيل عندما استهدفت مستودعات ضخمة لتخزين الوقود داخل العاصمة الإيرانية طهران، في هجوم غير مسبوق على هذا النوع من المنشآت داخل المدينة. وأظهرت مقاطع متداولة انفجارات ضخمة وحرائق اندلعت في مواقع لتخزين الوقود ومحطات للتزود به في مناطق قدسية وشهران وكرج، إضافة إلى مستودع يقع بالقرب من محطة التكرير الرئيسية في طهران.

وقد تحول صباح طهران إلى "ليل حالك" نتيجة الدخان الكثيف الذي خلّفه قصف مستودعات النفط، مما أثار قلقاً واسعاً بين السكان وتفاعلاً كبيراً على شبكات التواصل الاجتماعي. ويبدو أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الضربات إلى خلق حالة فوضى طويلة الأمد وتفكك سياسي في المنطقة دون اعتبار لمصالحها المباشرة.

رد إيران وإغلاق مضيق هرمز

ردت إيران بإعلان الحرس الثوري إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، وهو القرار الذي أدى إلى توقف شبه كامل لحركة الناقلات. فقد أدى تعطل حركة الناقلات وتزايد المخاطر الأمنية إلى تباطؤ الشحن بالفعل، مما يجعل المشترين الآسيويين أكثر عرضة للتأثر نظراً لاعتمادهم الكبير على النفط الخام من الشرق الأوسط.

وتأتي هذه التطورات في وقت تحتل فيه إيران موقعاً مهماً في سوق الطاقة العالمية، إذ تُعد ثالث أكبر منتج للنفط داخل منظمة "أوبك"، وتضخ نحو 4.5% من الإمدادات العالمية، بإنتاج يقارب 3.3 ملايين برميل يومياً، كما صدّرت خلال عام 2025 أكثر من 800 ألف برميل يومياً.

مضيق هرمز: شريان النفط العالمي المهدد

أهمية استراتيجية حاسمة

يمثل مضيق هرمز واحداً من أهم نقاط الاختناق النفطية في العالم، إذ يمر عبره عادة ما يقرب من خُمس إمدادات النفط العالمية، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يومياً. ويتحكم هذا المضيق الضيق في مصير صادرات الدول المنتجة للنفط في الخليج العربي، حيث تمر شحنات السعودية (5.5 مليون برميل يومياً) والعراق (3.4 مليون) والإمارات (2.5 مليون) والكويت (1.8 مليون) وقطر (1.2 مليون) عبر هذا الممر المائي الحيوي.

بدائل محدودة وتحديات لوجستية

تكمن المشكلة الأساسية في محدودية البدائل المتاحة لتفادي المضيق. فقدرة خطوط الأنابيب البديلة التي تملكها السعودية والإمارات لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يومياً، مما يعني أن نحو 17.4 مليون برميل يومياً من صادرات النفط عرضة للتعطل الكامل في حال استمرار إغلاق المضيق.

وقد أدى الوضع الأمني المتدهور إلى تعليق العراق والكويت إنتاج النفط في بعض الحقول، لأنه لا يوجد مكان لتخزين النفط الذي كانت ستنتجه هذه الحقول. كما توقفت شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر، التي تمر عبر المضيق بكميات تصل إلى 80 مليون طن سنوياً (19% من إمدادات الغاز المسال العالمية).

تأثيرات الأسعار: من التدرج إلى القفزة

مراحل الارتفاع

الفترة سعر WTI سعر برنت نسبة التغير
قبل الحرب (فبراير) 65.5 70.8 -
بداية الحرب (2-3 مارس) 71.2 77.7 +8.7%
التصعيد (5-6 مارس) 81.0 85.4 +23.7%
الذروة (9 مارس) 100.5 102.6 +53.4%

تقديرات Goldman Sachs للتأثيرات المحتملة

  • إغلاق جزئي 25%: زيادة بمقدار دولار واحد للبرميل
  • إغلاق جزئي 50%: زيادة بمقدار 4 دولارات للبرميل
  • إغلاق كلي مع استخدام خطوط الأنابيب البديلة: زيادة بمقدار 10 دولارات
  • إغلاق كلي مع الاستعانة بالاحتياطي الاستراتيجي: زيادة بمقدار 12 دولاراً
  • إغلاق كلي بدون أي تعويض: زيادة بمقدار 15 دولاراً للبرميل

الانعكاسات العالمية: من المحطات إلى المصانع

أسعار البنزين في أمريكا

لم تقتصر تداعيات الارتفاع على أسواق النفط الخام، بل امتدت إلى المنتجات المكررة. فقد ارتفعت أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات بشكل ملحوظ في الولايات المتحدة، حيث قفز متوسط سعر البنزين بنحو 50 سنتاً في الأسبوع الواحد فقط، من 2.98 دولار إلى 3.45 دولار للغالون، ومن المتوقع أن يصل إلى 4 دولارات هذا الأسبوع.

أسعار الغاز في أوروبا

تعاني أوروبا من ارتفاع حاد في أسعار الغاز الطبيعي بنحو 25%، مما يفاقم أزمة الطاقة التي تواجهها القارة منذ الحرب الروسية الأوكرانية. ويستورد الاتحاد الأوروبي كميات كبيرة من الغاز المسال من قطر عبر مضيق هرمز، مما يجعله عرضة بشكل خاص للصراع في المنطقة.

محاولات إعادة فتح المضيق: تحديات لوجستية وأمنية

مبادرات التأمين البحري

عرضت الولايات المتحدة تقديم سفن تأمين وحراسة بحرية للناقلات العابرة، حيث أعلنت الوكالة المسؤولة عن تقديم هذا التأمين أنها يمكن أن توفر تغطية تصل إلى 20 مليار دولار على أساس متجدد للسفن المؤهلة. لكن بنك JPMorgan Chase قدر أن مبلغ التأمين المطلوب لتغطية جميع الناقلات في الخليج يتجاوز 350 مليار دولار.

تحفظ أصحاب السفن

يعرب بعض مالكي السفن عن تحفظهم إزاء الحماية الأمريكية، حيث يرى نيل روبرتس، رئيس قسم البحرية والطيران في جمعية لويدز للتأمين، أن "الرأي السائد هو أنه قد يكون من الأفضل وجود قوافل محايدة بدلاً من الأمريكيين، لأن الولايات المتحدة طرف في النزاع".

ويشير إلى أنه عندما قامت البحرية الأمريكية بمرافقة السفن عبر المضيق في الثمانينيات خلال الحرب بين إيران والعراق، كانت الولايات المتحدة طرفاً محايداً.

السيناريوهات المستقبلية: بين التفاؤل والتشاؤم

السيناريو الأول: تأثير محدود وقصير المدى

إذا انتهت المعارك العسكرية في منطقة الخليج خلال الأيام القليلة القادمة، فإن الاضطرابات في صناعة الشحن وأسواق النفط والغاز ستتراجع، مما يمنح الأسواق العالمية فرصة للتعافي السريع. وقد أعلنت منظمة أوبك+ عن زيادة الإنتاج بمقدار 206 ألف برميل يومياً اعتباراً من أبريل، مما قد يساعد في تخفيف الضغوط.

السيناريو الثاني: تأثير حاد وطويل المدى

إذا أدت الهجمات الأمريكية الإسرائيلية والردود الإيرانية إلى صراع إقليمي أكبر في الخليج، أو حتى حرب شاملة في الشرق الأوسط لفترة طويلة (أسابيع أو أكثر)، فإن ذلك سيؤثر بشكل حاد على أسواق النفط والغاز العالمية والاقتصادات.

ففي أسوأ السيناريوهات – مع إغلاق مضيق هرمز واستمرار الصراع الإقليمي – قد ترتفع أسعار النفط الخام لتتجاوز 100 دولار للبرميل، خاصة إذا تضررت المنشآت بشكل يتطلب إصلاحات أو إعادة إنشاء واسعة.

الخلاصة: أزمة طاقة عالمية في المهد

تواجه أسواق الطاقة العالمية لحظة فارقة، حيث يتجاوز الخام الأمريكي حاجز المئة دولار للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2022. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات العسكرية، يبدو أن المزيد من الارتفاعات في الأسعار أمر حتمي، خاصة مع تعيين مجتبى خامنئي زعيماً أعلى لإيران خلفاً لوالده، مما يشير إلى استمرار سياسة المحافظين المتشددين في طهران.

وحذر فاسو مينون، المدير الإداري لاستراتيجية الاستثمار في بنك أو سي بي سي بسنغافورة، من أن "ما لم يتم استئناف تدفق النفط عبر مضيق هرمز قريباً وتخف حدة التوترات الإقليمية، فمن المرجح أن يستمر الضغط التصاعدي على الأسعار".

المصادر

  1. NPR - Oil soars past 100 a barrel as conflict continues in Iran
  2. Goldman Sachs - How Will the Iran Conflict Impact Oil Prices?
  3. American Action Forum - Global Oil Market Implications of U.S.-Israel Attack on Iran

الوسوم

أسعار النفط | مضيق هرمز | الحرب على إيران | إغلاق مضيق هرمز | أسعار النفط العالمية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الأسواق تسعر الحرب: هروب المليارات من مصر وإسرائيل تتصدر مؤشرات الخطر عالميا

إيران تتواصل سراً مع واشنطن.. وترامب وإسرائيل على مفترق طرق الحرب

الدولار يتجاوز 50 جنيها والذهب يقفز لمستويات قياسية مع تصاعد الحرب الإقليمية