واشنطن تشعل الحروب... والدولار "المأوى الآمن" الوهمي

-- دقائق

واشنطن تشعل الحروب... والدولار "المأوى الآمن" الوهمي

في خضم الاضطرابات الجيوسياسية التي تعصف بالعالم، يبرز الدولار الأمريكي كعملة عالمية أولى يلجأ إليها المستثمرون بحثاً عن الأمان. لكن الباحث الروسي دميتري كوندراتوف يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، مؤكداً أن واشنطن تتعمد إشعال الصراعات في العالم ثم تقدم عملتها كملاذ آمن، في "خدعة" كبرى حسب وصفه.

فهل الدولار فعلاً ملاذ آمن أم أن واشنطن تستخدمه كأداة جيوسياسية بامتياز؟

استراتيجية "الحروب المربحة"

يقول كوندراتوف، الباحث الرئيسي في معهد الاقتصاد التابع لأكاديمية العلوم الروسية، في تصريح لوكالة "نوفوستي": "تتعمد الولايات المتحدة إشعال صراعات عسكرية في جميع أنحاء العالم، لكي يبدو الدولار الأمريكي، على خلفية الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، العملة الأكثر جاذبية للاستثمارات الرأسمالية".

هذا الطرح يثير تساؤلات جوهرية حول آلية عمل النظام المالي العالمي. فكلما اشتعلت حرب جديدة، تتدفق رؤوس الأموال باتجاه الدولار، مما يعزز قوته ويخفض قيمة العملات الأخرى. وفي اللحظة التي يبحث فيها المستثمرون عن الأمان، يكون الدولار في انتظارهم.

دورة "الملاذ الآمن": كيف تستفيد واشنطن من الازمات؟
⚔️ اشعال صراع عسكري في منطقة حيوية
⚠️ حالة ذعر وعدم يقين عالمي
🏃‍♂️ المستثمرون يبحثون عن ملاذ امن
💵 تدفق رؤوس الاموال الى الدولار
📈 ارتفاع قيمة الدولار الامريكي
🌍 تعزيز مكانة الدولار كعملة احتياطي عالمي
🔄 وتتكرر الدورة من جديد عند اندلاع ازمة اخرى

رحلة الصعود من جنيه إسترليني إلى دولار

لم تكن هيمنة الدولار وليدة لحظة، بل استغرقت عقوداً من الزمن. ويشير كوندراتوف إلى أن "الدولار الأمريكي لم يتمكن من مزاحمة الجنيه الإسترليني كعملة احتياطية إلا بحلول أوائل الأربعينيات من القرن الماضي، على الرغم من أن الولايات المتحدة تجاوزت بريطانيا في مؤشرات الاقتصاد والتجارة الرئيسية منذ عشرينيات القرن نفسه".

ويكشف التاريخ أن الحرب كانت دائماً حاضنة لصعود العملات. فبعد الحرب العالمية الأولى، بدأت مكانة الدولار في الصعود، لكن اتفاق "بريتون وودز" عام 1944 كان نقطة التحول الحاسمة، حيث ربط العملات الرئيسية بالدولار الذي كان قابلاً للتحويل إلى ذهب. ورغم أن الرئيس نيكسون ألغى هذا الربط نهائياً عام 1971، فإن هيمنة الدولار استمرت بل وتعززت.

ويؤكد المحلل الروسي أن "كل صراع عسكري استخدمت فيه الولايات المتحدة الدولار، وقدمته كعملة وقائية". هذا يعني أن الحرب ليست مجرد صراع عسكري، بل أداة اقتصادية بامتياز.

الحرب في الشرق الأوسط.. اختبار عملي للنظرية

تقدم الأحداث الجارية في الشرق الأوسط دليلاً عملياً على هذه الآلية. فمع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قفز الدولار إلى أعلى مستوى له منذ بداية عام 2026.

وتشير بيانات "بلومبيرغ" إلى أن مؤشر الدولار الفوري سجل مكاسب أسبوعية هي الثانية على التوالي، مع تحول ملحوظ في ثقة المستثمرين. فقد عدل خبراء استراتيجيون في "جي بي مورغان تشيس" موقفهم تجاه العملة الأمريكية إلى نظرة إيجابية للمرة الأولى منذ عام، بينما أشار بنك "ستيت ستريت" إلى أن تدفقات الأموال من المستثمرين المؤسساتيين إلى الدولار هي الأقوى منذ ما يقارب عامين.

اختبار عملي: كيف دعمت حرب الشرق الاوسط الدولار؟
🔥 بؤرة الصراع العسكري
🚀 ضربات جوية ايرانية (823 ضربة)
🛩️ ضربات امريكية واسرائيلية (1879 ضربة)
🏭 استهداف منشات اقتصادية ونفطية متبادلة
🛢️ مخاوف ارتفاع اسعار النفط فوق 100 دولار
📉 اضطراب اسواق العملات العالمية
🏃‍♂️💵 تدفقات استثمارية ضخمة نحو الدولار كملاذ امن
📈 ارتفاع مؤشر الدولار بنسبة 2.5% خلال شهر
🔻 تراجع قيمة العملات الاخرى (مثل الين الياباني واليورو)

ويقول الاستراتيجي لدى "بايونير إنفستمنتس" باريش أوبادهيايا: "التدفق المتواصل للأخبار الجيوسياسية السلبية الصادرة من الشرق الأوسط يعزز جاذبية الدولار الأمريكي كملاذ آمن، ومن الصعب تصور أن هذا الاتجاه لن يستمر على المدى القصير".

ضرب البنية الاقتصادية.. تعزيز غير مباشر للدولار

تظهر بيانات حللتها "بلومبيرغ" استناداً إلى منظمة "أيه سي إل إي دي" المتخصصة في تتبع النزاعات أن طبيعة الأهداف في الصراع الحالي تحولت تدريجياً من المواقع العسكرية إلى منشآت اقتصادية وبنى تحتية مدنية.

فقد سجلت 823 ضربة جوية إيرانية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير وحتى 13 مارس 2026، اعترضت الدفاعات الجوية 483 منها. في المقابل، نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل 1879 ضربة خلال الفترة نفسها.

ويؤكد سيث جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، أن "الإيرانيين رسخوا أنفسهم كنظام قادر على تنفيذ عمليات غير متكافئة"، مشيراً إلى أن بنية النظام الإيراني صُممت "لتحمل ضغوط كبيرة والاستمرار في القتال".

هذا التصعيد في استهداف البنية الاقتصادية يخلق حالة من عدم اليقين تطال أسواق الطاقة والنفط، وهو ما يدفع المستثمرين تلقائياً نحو الدولار كملاذ آمن، حتى لو كانت الحرب تستهدف مصالح أمريكية أو حلفاء لواشنطن.

هل بدأ عصر ما بعد الدولار؟

رغم هذه الآلية التي تبدو محكمة، هناك مؤشرات على تراجع هيمنة الدولار على المدى الطويل. فوفقاً لأحدث بيانات صندوق النقد الدولي، انخفضت حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية إلى 57.8% بنهاية عام 2024، مسجلة أدنى مستوى لها منذ عام 1994.

وتراجع إجمالي حيازات الأوراق المالية المقومة بالدولار لدى البنوك المركزية الأخرى بمقدار 59 مليار دولار إلى 6.63 تريليون دولار بحلول نهاية عام 2024. ويحدث هذا الانخفاض بنسبة 7.3% على مدى عشر سنوات لأن البنوك المركزية تعمل على تنويع حيازاتها والاستثمار في الأصول المقومة بعملات أخرى غير الدولار وفي الذهب.

📉 تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية (2004 - 2026)
2004
68.5%
2008
66.2%
2012
63.8%
2016
61.2%
2020
59.5%
2024
57.8%
2026
56.5%
🏦 تتجه البنوك المركزية لتنويع احتياطياتها بالذهب والعملات الاخرى لتخفيف الاعتماد على الدولار

لكن كوندراتوف يرى في تصريحاته أن "على المدى الطويل، تحقق البنوك المركزية والمستثمرون عوائد أكبر من الاستثمارات في الأصول الأمريكية مقارنة بالاستثمارات في أصول أي دول أخرى". هذا يعني أن العوامل الاقتصادية الأساسية تظل داعمة للدولار، بغض النظر عن الصراعات.

خاتمة

يبقى الدولار عملة متناقضة: هو نتاج قوة الاقتصاد الأمريكي، لكنه أيضاً أداة جيوسياسية تستخدمها واشنطن لتعزيز نفوذها. وفي كل مرة تشتعل فيها حرب في العالم، يتدفق رأس المال "خائفاً" إلى الدولار، في محاولة للاحتماء من العاصفة، دون أن يدرك أن هذه العاصفة قد تكون صنعتها واشنطن ذاتها لتعزيز عملتها.

لكن التراجع التدريجي لحصة الدولار في الاحتياطيات العالمية يشير إلى أن المستثمرين بدأوا يبحثون عن بدائل. فهل نشهد خلال العقود القادمة نهاية عصر الهيمنة الدولارية، أم أن العملة الأمريكية ستظل "الملاذ الآمن" حتى في وجه الحقائق الجديدة؟

المصادر:

  1. روسيا اليوم - خبير اقتصادي: واشنطن تشعل الحروب... والدولار المأوى الآمن الوهمي
  2. The Independent - حرب إيران تدفع الدولار لأعلى مستوى خلال 2026
  3. الجزيرة نت - اتساع الحرب بالشرق الأوسط يضرب البنية الاقتصادية

الوسوم

الدولار | الملاذ الآمن | الحروب العالمية | الاقتصاد الأمريكي | الشرق الأوسط

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

الحرب مع إيران تكبد الاقتصاد الإسرائيلي خسائر أسبوعية بـ2.9 مليار دولار.. والخزينة تبحث عن مخارج

الدولار يخترق حاجز 52 جنيهاً في السوق المصرفية.. قفزة تاريخية تضع الاقتصاد المصري أمام تحديات جديدة

النفط فوق 100 دولار مع إغلاق هرمز وتصاعد الحرب مع إيران