الاقتصاد العالمي تحت ضغط مزدوج: حرب إيران تطلق إنذارات الركود التضخمي

-- دقائق

الاقتصاد العالمي تحت ضغط مزدوج: حرب إيران تطلق إنذارات الركود التضخمي

أظهرت بيانات مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن مؤسسة إس آند بي غلوبال (S&P Global) في 24 مارس 2026 أولى مؤشرات الصدمة المزدوجة التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي جراء الحرب في الشرق الأوسط. هذه البيانات كشفت عن تراجع النشاط الاقتصادي في معظم الاقتصادات الكبرى، في الوقت الذي تسارعت فيه ضغوط التضخم، مما أثار مخاوف من دخول العالم في مرحلة ركود تضخمي (Stagflation).

الاقتصاد العالمي تحت ضغط مزدوج: حرب إيران تطلق إنذارات الركود التضخمي

منطقة اليورو: أجراس إنذار الركود التضخمي

تراجع النشاط الاقتصادي

تراجع المؤشر المركب لمنطقة اليورو إلى 50.5 نقطة في مارس 2026، من 51.9 في فبراير، مسجلا أدنى مستوى في 10 أشهر، وهو ما يقل كثيرا عن التوقعات التي كانت تستهدف 51.0 نقطة. هذا التراجع يعكس تباطؤا حادا في قطاع الخدمات الذي اقترب من حد الركود، فيما أظهر قطاع التصنيع مرونة نسبية مدفوعة بتسارع الشراءات الاحتياطية تحسبا لاضطرابات الإمدادات.

حذر كريس ويليامسون، كبير اقتصاديي الأعمال في إس آند بي غلوبال ماركت إنتليجنس، من أن "مؤشر مديري المشتريات الأولي لمنطقة اليورو يقرع أجراس الإنذار بشأن الركود التضخمي، إذ تدفع الحرب في الشرق الأوسط الأسعار إلى الارتفاع الحاد بينما تكبح النمو".

ضغوط تضخمية متصاعدة

سجل مؤشر تكاليف المدخلات في منطقة اليورو أسرع وتيرة ارتفاع منذ فبراير 2023، مدفوعا بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الوقود واضطرابات الشحن البحري المرتبطة بتهديد مضيق هرمز. وامتدت أوقات تسليم الموردين إلى أشد حدة منذ أغسطس 2022.

موقف البنك المركزي الأوروبي

حذرت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، من أن الحرب "أدت إلى زيادة كبيرة في عدم اليقين" وستكون لها "تأثير مادي على التضخم في المدى القريب". وأكدت أن الصراع خلق "مخاطر صعودية للتضخم ومخاطر هبوطية للنمو الاقتصادي".

توقعات البنك المركزي الأوروبي تشير إلى تسارع التضخم إلى 2.6% في 2026، مع نمو اقتصادي ضعيف لا يتجاوز 0.9%. وفي السيناريو السلبي، قد يصل التضخم إلى 3.5%، بينما في السيناريو الشديد قد يصل إلى 4.4% إذا استمرت اضطرابات إمدادات الطاقة.

أستراليا: انكماش مفاجئ وضغوط تكلفة حادة

دخول الاقتصاد في الانكماش

شهدت أستراليا أكبر تحول حاد بين الاقتصادات الكبرى، حيث انخفض المؤشر المركب إلى 47.0 نقطة في مارس، من 52.4 في فبراير، مسجلا أول انكماش في 18 شهرا. وتراجع مؤشر قطاع الخدمات بشكل حاد إلى 46.6، مسجلا أول انكماش في أكثر من عامين.

أظهر قطاع الخدمات ضعفا ملحوظا، مع تدهور كبير في زخم المصانع، مما أدى إلى انكماش فعلي في نشاط القطاع الخاص في نهاية الربع الأول من 2026.

ارتفاع تكاليف الإنتاج

بلغت تكاليف الشركات في أستراليا أعلى مستوى في أكثر من ثلاث سنوات، مع ارتفاع أسعار المدخلات بأسرع وتيرة منذ يونيو 2022. ردت الشركات برفع أسعار البيع بأسرع وتيرة منذ أغسطس 2023، مما يزيد الضغوط التضخمية على المستهلكين.

تراجعت ثقة الأعمال إلى أدنى مستوى في 20 شهرا وسط عدم اليقين المتعلق بالشرق الأوسط.

الهند: أضعف نمو منذ 2022

تباطؤ القطاع الخاص

تراجع المؤشر المركب للقطاع الخاص في الهند إلى 56.5 نقطة في مارس، من 58.9 في فبراير، مسجلا أضعف وتيرة نمو منذ أكتوبر 2022. شهد قطاع التصنيع أكبر تباطؤ، حيث هبط مؤشر مديري المشتريات إلى 53.8، وهو أدنى مستوى في أربع سنوات ونصف.

أشار بروانجول بهانداري، كبير اقتصاديي الهند في بنك HSBC، إلى أن "نمو الإنتاج تراجع في كل من التصنيع والخدمات مع تفاعل صدمة الطاقة. ضعف الطلب المحلي أثقل كاهل الطلبيات الجديدة، التي ارتفعت بأبطأ وتيرة في أكثر من ثلاث سنوات".

ضغوط تضخمية متصاعدة

ارتفعت تكاليف المدخلات في الهند بأسرع وتيرة في قرابة أربع سنوات، مع ارتفاع أسعار الألومنيوم والمواد الكيميائية والمكونات الإلكترونية والطاقة والغذاء وخام الحديد والجلود والنفط والمطاط والصلب.

على الرغم من ذلك، سجلت الطلبيات التصديرية أقوى وتيرة نمو في تاريخ المؤشر، بفضل الطلب من آسيا وأستراليا وأوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والولايات المتحدة.

اليابان: تباطؤ النمو وتراجع الثقة

فقدان الزخم الاقتصادي

تراجع المؤشر المركب في اليابان إلى 52.5 نقطة في مارس، من 53.9 في فبراير، مسجلا أبطأ وتيرة نمو في ثلاثة أشهر. أظهر كلا القطاعين (التصنيع والخدمات) تباطعا، حيث هبط مؤشر التصنيع إلى 51.4، ومؤشر الخدمات إلى 52.8.

ضعفت وتيرة نمو الطلبيات الجديدة إلى أضعف مستوى في ثلاثة أشهر، مع تراجع الطلب الخارجي على السلع.

ارتفاع التكاليف وتراجع الثقة

ارتفعت تكاليف المدخلات في اليابان بأسرع وتيرة في 11 شهرا، مدفوعة بالحرب في الشرق الأوسط واضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الوقود، بالإضافة إلى ضعف الين الذي زاد من تكاليف الاستيراد.

تراجعت ثقة الأعمال إلى أدنى مستوى في قرابة عام amid مخاوف من الحرب في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بأسعار الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد.

ألمانيا والمملكة المتحدة: موازنة صعبة

ألمانيا: تسارع تضخم التكاليف

سجل مؤشر تضخم تكاليف المدخلات في ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، أسرع وتيرة ارتفاع في أكثر من ثلاث سنوات. وعلى الرغم من تحسن قطاع التصنيع بشكل غير متوقع، إلا أن هذا التحسن يعكس جزئيا تسارع الشركات في بناء المخزونات تحسبا لاضطرابات الإمدادات.

المملكة المتحدة: أعلى تضخم في التصنيع منذ 1992

أظهر قطاع التصنيع في المملكة المتحدة مرونة أكبر من الخدمات، رغم أن المؤشر المركب جاء أقل من المتوقع. وكان الارتفاع الحاد في أسعار المصانع الأكبر منذ تأثير تراجع الجنيه الإسترليني بعد أزمة الأربعاء الأسود في 1992.

يواجه بنك إنجلترا فترة صعبة سيتعين عليه خلالها تحقيق توازن بين مخاطر النمو والتضخم عند تحديد السياسة، مع السعي لكبح احتمالات ترسخ موجة التضخم، مع ضمان ألا يؤدي التوجه المتشدد لأسعار الفائدة إلى تفاقم مخاطر التراجع.

الاقتصاد العالمي تحت ضغط مزدوج: حرب إيران تطلق إنذارات الركود التضخمي

السيناريوهات المحتملة والمخاطر المستقبلية

سيناريوهات البنك المركزي الأوروبي

طور البنك المركزي الأوروبي ثلاثة سيناريوهات للتطورات المحتملة:

  1. السيناريو الأساسي: اضطرابات محدودة لأسعار الطاقة والإمدادات تستمر لبضعة أسابيع فقط، مع عودة أسعار برنت إلى حوالي 60 دولارا للبرميل بحلول نهاية العام.
  2. السيناريو السلبي: ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز يستمر لفترة أطول، مع عودة الأسعار إلى المستويات الأساسية بنهاية فترة التوقعات.
  3. السيناريو الشديد: ارتفاع حاد في الأسعار يستمر لفترة طويلة، مع بقاء الأسعار مرتفعة بعد نهاية فترة التوقعات.

مضيق هرمز: العامل الحاسم

تظل مدة إغلاق مضيق هرمز هي السؤال المحوري الذي يحدد التوقعات الاقتصادية. يمر حوالي 20% من إمدادات النفط العالمية عبر هذا المضيق الاستراتيجي، وإغلاقه يهدد بصدمة إمدادات حادة.

قال جيمي راش، مدير الاقتصاد العالمي في بلومبرغ إيكونوميكس: "تشير بيانات مؤشرات مديري المشتريات الصادرة عن الاقتصادات المتقدمة إلى أن التعافي الناشئ معرض لخطر الاختناق بفعل مزيج من ارتفاع تكاليف النفط، وتشديد الأوضاع المالية، وتراجع المعنويات".

وأضاف: "تظل الأسئلة الرئيسية التي تشكل التوقعات هي مدة إغلاق مضيق هرمز، وكيف ستستجيب البنوك المركزية لهذه الصدمة".

استجابة السياسة النقدية

توجهات البنوك المركزية

اتجه مسؤولو السياسة النقدية في كل من فرانكفورت ولندن نحو تشديد السياسة النقدية بحذر، مع احتمال رفع أسعار الفائدة في منطقة اليورو خلال اجتماع أبريل المقبل. ويستعد نظراؤهم في اليابان لاتخاذ خطوة أخرى في أبريل، بينما تبنى المسؤولون في أستراليا ثاني زيادة متتالية بالفعل.

التحدي المزدوج

تواجه البنوك المركزية معضلة نادرة: كيفية التعامل مع ارتفاع التضخم الناجم عن صدمة العرض (أسعار الطاقة) في الوقت الذي يتباطأ فيه النمو الاقتصادي. الخيارات التقليدية إما أن تؤدي إلى تفاقم الركود إذا رفعت الفائدة لكبح التضخم، أو أن تسمح بترسخ التضخم إذا تجاهلت الارتفاعات.

حذر سيلفان برواير، كبير اقتصاديي أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في إس آند بي غلوبال ريتينغز، من أن "البنك المركزي الأوروبي من غير المرجح أن يبدي نفس الصبر الذي أظهره خلال صدمة التضخم الأخيرة".

الخلاصة

أظهرت بيانات مارس 2026 أولى مؤشرات الصدمة المزدوجة للاقتصاد العالمي جراء الحرب في إيران. ففي الوقت الذي يتراجع فيه النشاط الاقتصادي في معظم الاقتصادات الكبرى، تسارعت ضغوط التضخم بشكل ملحوظ، مما أثار مخاوف من دخول العالم في مرحلة ركود تضخمي.

تتفاقم التحديات بسبب ترابط الاقتصادات العالمية واعتمادها على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، تظل التوقعات الاقتصادية محاطة بشديدة عدم اليقين، مما يضع صناع السياسة في موقف حرج يتطلب توازنا دقيقا بين مكافحة التضخم ودعم النمو.

المصادر

الوسوم

الركود التضخمي | حرب إيران | مضيق هرمز | التضخم العالمي | مؤشرات مديري المشتريات

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

ترامب يصعد لهجته ضد إيران: كيف تهدد التوترات في الشرق الأوسط الاقتصاد العالمي؟

أزمة الطاقة العالمية: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء ارتفاع الذهب والنفط؟

موجة ارتفاعات شاملة تضرب الأسواق العالمية.. الحرب على إيران تعيد رسم خريطة الاقتصاد الدولي