عندما يُبرم ترامب "فوق رأس" نتنياهو: كيف حولت إسرائيل "الردع" إلى استنزاف ذاتي؟
إجماع إسرائيلي نادر على وصف الاتفاق الأمريكي-الإيراني بـ"الفشل الاستراتيجي"، بينما يُصرّح ترامب صراحةً أن نتنياهو "لن يكون أمامه أي خيار" — فما الذي تغيّر في معادلة العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية؟
مفاوضات دولية مغلقة الأبواب تشبه تلك التي أُبرمت فيها صفقة واشنطن-طهران دون حضور إسرائيلي (صورة توضيحية)في اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اكتمال التوصل إلى اتفاق مع إيران، وقّع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على شهادة فشل استراتيجي لا يمكن سحبها. ليس لأن الاتفاق نفسه يمثّل كارثة عسكرية مباشرة — فالتفاصيل لا تزال طي الكتمان — بل لأنه أُبرم "فوق رأس" إسرائيل، وفق تعبير رئيس حزب الديمقراطيين الإسرائيلي يائير غولان، مما يكشف عن تآكل بنيوي في العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب لم يكن متخيلاً قبل ثلاث سنوات.
المعطيات المتوفرة حتى 15 يونيو/حزيران 2026 تشير إلى أن الاتفاق المرتقب التوقيع في جنيف يوم 19 من الشهر الجاري، برعاية باكستانية، ينص على إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات بما فيها الساحة اللبنانية. لكن الأهم من البنود هو ما يكشفه عن تحول جيو-سياسي أعمق: إسرائيل التي كانت تفرض أجندتها على الإدارات الأمريكية لعقود، باتت اليوم تتلقى قرارات واشنطن كـ"أمر واقع" لا مجال للنقاش فيه.
لماذا يصف الإسرائيليون الاتفاق بـ"الفشل الاستراتيجي"؟
الإجماع الإسرائيلي النادر حول رفض الاتفاق يمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لكن الدوافع تختلف. وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أعلن أن إسرائيل "ليست ملزمة" بالاتفاق وأنها "غير خاضعة" للولايات المتحدة — تصريح يعكس وهم السيادة الذي يحكم الفكر اليميني المتطرف. بينما رأى رئيس الأركان الأسبق بيني غانتس أن الاتفاق يمثّل "فشلاً استراتيجياً" سيُدخل إسرائيل في "صراع دبلوماسي وعسكري وقانوني" خلال السنوات المقبلة.
لكن الأخطر من التصريحات هو ما كشفته صحيفة "هآرتس" في تحليلها الاستقصائي: نتنياهو تسبب بهزيمة استراتيجية لإسرائيل أمام "عدوتها الأكبر" — إيران — وقوّض الدعم الأمريكي. الصحيفة اعترفت بأن الحرب التي بدأت بوهم "النصر السهل" على حزب الله تبيّنت أنها مغامرة غير مسؤولة، وأن إيران خرجت منها أكثر قوة وقدرة على الردع.
تحذير استراتيجي
حذّر ترامب نتنياهو صراحةً من أن واشنطن "لن تكون شريكة لإسرائيل إذا عادت إلى الحرب"، وأكد أن القرار النهائي في ملف إيران "هو بيد الولايات المتحدة لا بيد إسرائيل".
كيف حوّل نتنياهو الردع إلى استنزاف؟
السؤال المركزي الذي يشغل المحللين الإسرائيليين ليس "لماذا فشل الاتفاق؟" بل "كيف وصلنا إلى هنا؟". الإجابة تكمن في ما وصفته صحيفة "معاريف" بـ"الحرب الأبدية" كاستراتيجية بقاء شخصية. المحلل بن كاسبيت كتب بلسان حال النخبة الإسرائيلية: "لم يكن نتنياهو يريد إنهاء الحرب، بل كان يريد الوصول إلى نهاية ولايته".
هذا التوظيف الساخر للدماء أدى إلى نتائج عكسية. بدلاً من فصل الساحات — الاستراتيجية الإسرائيلية التقليدية — خلقت إسرائيل "وحدة الساحات" بمبادرتها. المحلل العسكري يواف ليمور في "إسرائيل هيوم" لخّص المأزق بدقة: "يسود شعور في طهران ليس بلا أساس، بأن إيران خرجت من الحملة أكثر قوة من الناحية الاستراتيجية، في حين أُضعفت إسرائيل والولايات المتحدة".
تآكل التفاؤل بالأمن القومي الإسرائيلي — يونيو 2026
المصدر: استطلاع معهد الديمقراطية الإسرائيلي، 9 يونيو 2026
فجوة واشنطن-تل أبيب: من "الشريك الاستراتيجي" إلى "التابع المسلوب الإرادة"
التحول الأعمق يكمن في طبيعة العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية. ففي الأسابيع الأخيرة، وصف ترامب نتنياهو بـ"المجنون" في مكالمة هاتفية، وفق تقارير إعلامية أمريكية. ثم صرّح علناً: "لولاي لما كانت إسرائيل موجودة" — تصريح يُقرأ في سياق إعادة تعريف العلاقة من شراكة استراتيجية بين دولتين إلى علاقة حماية-تابع يملك فيها الرئيس الأمريكي حق النقض الفوقي.
هذا التحول لم يأتِ فجأة. فقد لاحظ المحللون أن نتنياهو "جعل نفسه تابعاً لترامب"، وفق تعبير بن كاسبيت، عندما "تجرأ على تجنيده للجهاد ضد القضاء الإسرائيلي هرباً من المحاكمة". النتيجة: "من يستعبد نفسه لكيان أجنبي لن يطالب لاحقاً، حين يدرك أنه مستعبد".
✅ ما حققه الاتفاق (من منظور أمريكي)
- إنهاء التصعيد العسكري الإقليمي
- تفادي حرب إيرانية-إسرائيلية شاملة
- تقليص الانخراط العسكري الأمريكي المباشر
- تعزيز نفوذ الوساطة الباكستانية
⚠️ ما خسرته إسرائيل
- الردع الاستراتيجي التقليدي
- الحصانة من الضغوط الأمريكية
- القدرة على فرض أجندتها العسكرية
- التماسك الاجتماعي الداخلي
السيناريوهات المستقبلية: ما بعد جنيف
مع اقتراب موعد التوقيع الرسمي في 19 يونيو، تتبلور ثلاثة مسارات محتملة:
الأرجح: إسرائيل تبتلع الاتفاق رغماً عنها، وتسعى لتعويض خسارتها الاستراتيجية بتصعيد محدود في الضفة الغربية أو توسيع الاستيطان — المجال الوحيد الذي لا تزال فيه تتمتع بـ"حرية عمليات". لكن هذا المسار يعمّق العزلة الدولية ويُسرّع تآكل الشرعية.
الأخطر: نتنياهو يُقدم على "مغامرة عسكرية منفردة" ضد أهداف إيرانية، رهاناً على إعادة جرّ واشنطن إلى المواجهة. لكن ترامب حذّره صراحةً من هذه الاحتمالية، والعواقب قد تكون انهياراً كاملاً للعلاقة الثنائية.
البديل: ضغط إسرائيلي داخلي يُجبر نتنياهو على الاستقالة أو الدعوة لانتخابات مبكرة قبل موعدها المقرر في أكتوبر 2026. لكن استطلاعات الرأي تظهر أن 61% من الإسرائيليين يرفضون ترشحه مجدداً، بينما يفكر 17% من عامة الجمهور في الهجرة.
-
نوفمبر 2024
اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان
إسرائيل تواصل عملياتها رغم الاتفاق، ممهّدة لمعادلة "غير ملزم"
-
يونيو 2025
تصعيد عسكري إسرائيلي-إيراني
ضربات متبادلة تُظهر سقف الردع الإسرائيلي المحدود
-
يونيو 2026
إعلان الاتفاق الأمريكي-الإيراني
ترامب يُبلغ نتنياهو أنه "لن يكون أمامه أي خيار"
-
19 يونيو 2026
موعد التوقيع المتوقع في جنيف
مذكرة التفاهم النهائية برعاية باكستانية
ماذا يعني هذا للمنطقة العربية؟
للقارئ العربي، المشهد الإسرائيلي ليس مجرد فضول إعلامي. فالانهيار الاستراتيجي لإسرائيل يُعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية. إيران التي خرجت "أكثر قوة" من مواجهة ثلاث سنوات، وحزب الله الذي "تعافى" وفق اعتراف "هآرتس" وشرع في "حرب عصابات"، يمثلان تحولاً في ميزان القوى لا يمكن تجاهله.
لكن التحذير الأهم يكمن في أن الانهيار الاستراتيجي للخصم لا يعني الانتصار التلقائي. فالكيان الذي يشعر بأنه محاصر ومُذلّ قد يلجأ إلى تصعيف غير محسوب. وإسرائيل التي بات 17% من مواطنيها يفكرون في الهجرة، هي إسرائيل أكثر خطورةً وأقل قابلية للتنبؤ.
سيناريوهات الرد الإسرائيلي المحتمل
| السيناريو | الشرط | النتيجة المتوقعة |
|---|---|---|
| قبول ضمني | ضغط أمريكي مستمر | تآكل بطيء لقدرة نتنياهو على البقاء |
| تصعيد منفرد | محاولة إعادة جرّ واشنطن | عزلة دولية وتفكك تحالفات |
| انهيار داخلي | استقالات حكومية أو انتخابات مبكرة | فترة فراغ سياسي وعسكري |
لم يعد السؤال "هل تفشل إسرائيل استراتيجياً؟" بل "من سيملأ الفراغ الذي تتركه؟". الاتفاق الأمريكي-الإيراني ليس نهاية المشهد، بل بداية لمرحلة جديدة تتسابق فيها القوى الإقليمية لإعادة رسم حدود النفوذ. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل يمكن لكيان بني على فكرة "الردع" أن يبقى حياً بعد أن فقدها؟
المصادر:
الوسوم
نتنياهو | إيران | ترامب | اتفاق جنيف | الردع الإسرائيلي
تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار