صندوق النقد يُسكت الضجيج: "نحن راسخون بقوة في عالم متمحور حول الدولار" — والذهب عند 4083 دولاراً لا يغيّر المعادلة
في آخر مقابلة له قبيل مغادرة صندوق النقد الدولي، يُطفئ كبير اقتصادييه بيير-أوليفييه جورينشاس (Pierre-Olivier Gourinchas) جدلاً محتدماً: التعريفات الجمركية تعيد رسم خرائط التجارة، لكنها لا تُزعزع عرش الدولار
ثمة أسئلة تطرحها الأسواق منذ سنوات بنبرة تصاعدية: هل تُهدّد الحروب التجارية هيمنة الدولار؟ هل يُشير ارتفاع الذهب إلى عزوف البنوك المركزية عن العملة الأمريكية؟ وهل تُفرز حمى التعريفات الجمركية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب نظاماً مالياً جديداً؟ جاء الجواب من أرفع مرجعية اقتصادية دولية، وبصياغة لا تقبل التأويل.
أكد كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي بيير-أوليفييه جورينشاس (Pierre-Olivier Gourinchas) في مقابلة مع رويترز أن الاقتصاد العالمي لا يزال "راسخاً بقوة في عالم متمحور حول الدولار"، مشيراً إلى أن العشر سنوات الماضية أفرزت تغييرات طفيفة جداً في هذا الاتجاه، دون مؤشرات قوية على أن العملة الأمريكية تُفسح المجال لمنافسين.
الرجل الذي يغادر والكلمة التي تبقى
للسياق أهميته هنا. جورينشاس يُجري هذه المقابلة على عتبة مغادرته منصب المستشار الاقتصادي ومدير إدارة الأبحاث في الصندوق، عائداً إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي (University of California, Berkeley) الأسبوع المقبل. وهذا يُعطي كلامه بُعداً إضافياً: فهو لا يُدار بضغوط الديبلوماسية المؤسسية، بل يُلخّص خلاصة قراءة أكاديمية وعملية لملف واحد من أكثر الملفات سخونة في الاقتصاد الدولي.
وتأتي تصريحاته في خضم مشهد مزدوج الوجه: فمن جهة، تتسارع إعادة رسم خرائط التجارة العالمية في أعقاب التعريفات الجمركية الأمريكية الشاملة، إذ أبرم الاتحاد الأوروبي في أقل من عام اتفاقيتين تجاريتين مع أمريكا اللاتينية والهند بعد عقود من التعثر — وهو ما وصفه جورينشاس بأنه "ليس مصادفة". ومن جهة أخرى، بلغ الذهب مستوى 4083 دولاراً للأونصة ليرتفع 1.4% في جلسة الجمعة وحدها.
الذهب يرتفع — لكن ليس بسبب تخلّي البنوك المركزية عن الدولار
التفسير الذي يُقدمه جورينشاس لارتفاع أسعار الذهب يستحق التوقف عنده، لأنه يُعاكس السردية الشائعة في كثير من التعليقات المالية. فبينما يربط كثيرون بين طفرة الذهب وادعاءات "تنويع الاحتياطيات" بعيداً عن الدولار، يُشير كبير اقتصاديي الصندوق إلى أن ما يُحرّك السوق في جوهره عاملان مختلفان تماماً.
"نرى القليل جداً جداً من المؤشرات على ابتعادنا عن عالم متمحور حول الدولار. نحن راسخون بقوة في هذا العالم. لا يعني ذلك أن الأمر لن يتغير في وقت ما، لكن مجموع التطورات التي رأيناها خلال السنوات العشر الماضية طفيف جداً." — بيير-أوليفييه جورينشاس، كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي، 26 يونيو 2026
العامل الأول هو صناديق الاستثمار المتداولة في الذهب (ETFs)، التي أتاحت للمستثمرين شراء الذهب دون الحاجة إلى امتلاكه مادياً، فوسّعت قاعدة الطلب توسيعاً هائلاً. والعامل الثاني هو مُصدرو العملات المستقرة (Stablecoins) الذين باتوا يحتفظون بالذهب كأصل داعم، ما أضاف طلباً جديداً من مصدر لم يكن قائماً قبل سنوات. أما البنوك المركزية — وهي الطرف الذي تتحدث عنه نظريات تراجع الدولار — فلم تكن تُقبل بشكل ملحوظ على شراء الذهب وفق تقييمه.
توزيع احتياطيات النقد الأجنبي العالمية 2025 — نسب تقريبية
المصدر: مورجان ستانلي (مايو 2026) / صندوق النقد الدولي — بيانات COFER
التعريفات تُعيد رسم التجارة — لكن ليس عملتها
التمييز الذي يُرسيه جورينشاس بين "إعادة رسم خرائط التجارة" و"تغيير عملتها" هو مفتاح الفهم الصحيح لما يجري. التعريفات الجمركية قادرة على تحويل مسارات البضائع، وتوجيه علاقات التحالف التجاري، وتسريع ترتيبات إقليمية بديلة. لكن الدولار لم يُهيمن على التجارة العالمية لأن أمريكا كانت أكبر مُصدّر أو مستورد — فحصتها لا تتجاوز 10% من التجارة العالمية — بل لأنه يُوفّر عمقاً في السيولة وإمكانية وصول إلى الأسواق المالية وثقة مؤسسية لا بديل عنها في الأفق المنظور.
| المؤشر | حصة الدولار | الملاحظة |
|---|---|---|
| احتياطيات النقد الأجنبي العالمية | ~56% (2025) | تراجع من 75% قبل 25 عاماً — بطيء لا متسارع |
| فوترة التجارة الدولية (آسيا-أمريكتين) | 74 - 96% | اليورو لا يتجاوز 66% حتى داخل أوروبا نفسها |
| مدفوعات SWIFT الدولية | ~50% | أعلى بكثير من حصة الولايات المتحدة من التجارة (10%) |
| إصدارات الديون الدولية | ~60% | ارتفعت 20 نقطة مئوية منذ الأزمة المالية 2008 |
| عمليات مقايضة العملات العالمية | ~85% | المؤشر الأقوى دلالةً على الحضور الفعلي في الأسواق |
لكن غورينشاس لا يتجاهل مؤشرات التحوّل في بنية التجارة. التعريفات دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إبرام اتفاقيتين تجاريتين لم تكن لتُبصر النور لولا الضغط الأمريكي. وهذا يكشف ديناميكية لافتة: الولايات المتحدة بتعريفاتها تُسرّع فعلياً تنويع شراكات التجارة العالمية — غير أن المعاملات في هذه الشراكات الجديدة ذاتها ستظل إلى حد بعيد مُسعَّرة بالدولار.
الخطر الحقيقي: من داخل واشنطن لا من خارجها
ثمة مفارقة تستحق الإشارة في هذا السياق. الضغوط الأكثر جدية على هيمنة الدولار لا تنبع من المنافسين الخارجيين — لا من الرنمينبي الصيني الذي يحتل نحو 3% فقط من احتياطيات البنوك المركزية، ولا من اليورو الذي يُراوح قرب الـ20% منذ سنوات دون تقدم. المصدر هو واشنطن نفسها: دين فيدرالي يتجاوز 120% من الناتج المحلي الإجمالي، وعبء فوائد يقترب من تريليون دولار سنوياً، واستخدام متزايد للعقوبات المالية كأداة سياسية يُذكّر دول العالم بمخاطر الاعتماد المفرط على نظام يديره طرف واحد.
✅ ما يُعزز بقاء هيمنة الدولار
- لا بديل يمتلك عمق السيولة ذاته
- الرنمينبي مقيّد بضوابط رأس المال الصينية
- التحولات التجارية تُبقي التسعير بالدولار
- سوق سندات الخزانة الأكبر والأكثر سيولة عالمياً
⚠️ ما قد يُسرّع التآكل التدريجي
- الدين الأمريكي يتجاوز 120% من الناتج المحلي
- الإفراط في العقوبات المالية يُقلّص الثقة
- تساؤلات حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي
- نمو الرنمينبي في أنظمة التسوية الإقليمية
وعلى الصعيد الأقرب، يُرقب الأسواقُ توقعاتِ الفائدة الأمريكية باهتمام بالغ عقب بيانات التضخم الأخيرة التي خفّضت من توقعات الرفع. ما أسهم في تراجع الدولار جزئياً ودعم ارتفاع الذهب خلال جلسة الجمعة — وإن ظل المعدن متجهاً لتسجيل تراجع أسبوعي للمرة الرابعة على التوالي، في ما يُشبه تصحيحاً طبيعياً بعد موجة الصعود الكبيرة.
ماذا قال جورينشاس أيضاً — الصورة الأشمل للمقابلة
| الملف | الموقف |
|---|---|
| هيمنة الدولار | راسخة — التغييرات طفيفة جداً في العشر سنوات الماضية |
| ارتفاع الذهب | مدفوع بصناديق ETF والعملات المستقرة — لا بتخلي البنوك المركزية عن الدولار |
| التعريفات الجمركية وخرائط التجارة | تُعيد التوجيه — لكن "نقاط الخنق" تتجاوزها الأسواق بسرعة |
| مخاطر الاقتصاد العالمي | هشة كبيرة إذا انهار وقف إطلاق النار الأمريكي-الإيراني — الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية مُستنفَدة |
| توجيهات الاحتياطي الفيدرالي | يُساند التحول بعيداً عن التوجيه المستقبلي الصارم الذي ثبت "غير قابل للاستمرار" |
ما يُقدمه جورينشاس في مقابلته الأخيرة ليس دفاعاً عن الدولار كعقيدة، بل توصيفاً براجماتياً للواقع: تراجع حصة الدولار من 75% إلى 56% في احتياطيات البنوك المركزية خلال ربع قرن يكشف تآكلاً تدريجياً حقيقياً — لكنه لا يرقى إلى "تحول نظامي". المخاطر الأخطر تقبع في واشنطن نفسها: في الدين المتصاعد، وفي الإفراط بتسليح العقوبات المالية، وفي أي إخلال باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي. إذا ظلت هذه العوامل تحت السيطرة، فإن سؤال "متى ينتهي عصر الدولار؟" سيبقى سؤالاً أكاديمياً لا تشغيلياً في أي أفق زمني منظور.
المصادر:
- رويترز / ياهو فاينانس — كبير اقتصاديي صندوق النقد غورينشاس: الاقتصاد العالمي لا يزال متمحوراً بقوة حول الدولار — 26 يونيو 2026
- رويترز / إنفستينج — غورينشاس المغادر يرصد مخاطر التجارة وهشاشة وقف النار الإيراني — 26 يونيو 2026
- جريدة المال / مورجان ستانلي — حصة الدولار في الاحتياطيات 56% بنهاية 2025 — مايو 2026
- الجزيرة نت — محلل اقتصادي: الدولار لن ينهار لكن حصته تتراجع — يونيو 2026
- صندوق النقد الدولي — هيمنة الدولار في نظام الاحتياطيات الدولية: تحديث
الوسوم
صندوق النقد الدولي | هيمنة الدولار | احتياطيات نقد أجنبي | غورينشاس | ذهب

تعليقات
إرسال تعليق
اترك تعليقك إذا كان لديك أى إستفسار