الإمارات في المركز التاسع عالمياً: لماذا يقضي سكانُ هذه الدول نحو تسع ساعات يومياً على الإنترنت؟

-- دقائق
تقنية ومجتمع

بينما يبلغ المتوسط العالمي ستّ ساعات ونصف، تتجاوز دول عشرٌ — منها دولة عربية واحدة — هذا المعدل بساعتين كاملتين أو أكثر، فيما يُحذّر الأطباء من ارتباط «الوقت المفرط» أمام الشاشات بالضغط النفسي واضطرابات النوم

الإمارات في المركز التاسع عالمياً: لماذا يقضي سكانُ هذه الدول نحو تسع ساعات يومياً على الإنترنت؟إنفوجرافيك: أكثر عشر دول قضاءً للوقت على الإنترنت يومياً — المصدر: سبوتنيك/DemandSage (2026)

يُمثّل التسع ساعات و24 دقيقة التي يقضيها المواطن في جنوب أفريقيا يومياً على الإنترنت، وفق بيانات منصة DemandSage ووكالة سبوتنيك، رقماً يتجاوز المتوسط العالمي بما يقارب الساعتين والثلث؛ لكنه ليس استثناءً، بل هو قمة هرمٍ تضمُّ عشر دولٍ تتجاوز جميعها المعدل العالمي بساعتين على الأقل. وفي هذا التصنيف، تبرز الإمارات العربية المتحدة — الدولة العربية الوحيدة — في المركز التاسع بـ 8 ساعات و11 دقيقة يومياً. السؤال ليس مَن يتصدر فحسب، بل لماذا تتقارب هذه الدول تحديداً في سلوكٍ يستهلك نحو 40% من ساعات اليقظة؟

المعطيات المتوفرة حتى يونيو 2026؛ التطورات اللاحقة قد تُعدّل التحليل.

9:24 أعلى متوسط يومي (جنوب أفريقيا)
6:38 المتوسط العالمي للاستخدام اليومي
8:11 متوسط الإمارات العربية المتحدة
+2:46 الفجوة بين المتوسط العالمي والقمة

لماذا يتجاوز مواطنو هذه الدول المتوسط العالمي بساعتين كاملتين؟

لا يكفي وصفُ الرقم؛ فالتحليل يبدأ من مقارنةٍ كمية. وفقاً لأحدث بيانات DataReportal وStatista، يبلغ المتوسط العالمي للوقت المستهلك على الإنترنت 6 ساعات و38 دقيقة يومياً. هذا يعني أن مواطني جنوب أفريقيا والبرازيل والفلبين — الثلاثة الأوائل في التصنيف — يضيفون فوق هذا المعدل ما يتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات إضافية. لكن الأمر لا يقتصر على «الكثرة»، بل على «الكيفية».

الوقت اليومي على الإنترنت (بالدقيقة) — تصنيف DemandSage 2026

المصدر: DemandSage / سبوتنيك — يونيو 2026. يُحوّل الوقت إلى دقائق لدقة المقارنة.

تتشارك الدول العشر في ملامح بنيوية: غالبيتها دولٌ ناميةٌ أو متوسطة الدخل، تتمتع بانتشارٍ واسع للهواتف الذكية وشبكات الجيل الرابع والخامس، لكنها تفتقر — في جزءٍ منها — إلى البدائل الترفيهية غير الرقمية. ففي جنوب أفريقيا والبرازيل والفلبين، يُشكّل الهاتف المحمول البوابة الرئيسية للإنترنت لنحو 98% من المستخدمين، وهو ما يُسهّل «الانغماس» المستمر في المحتوى الرقمي دون حواجز مكانية أو زمنية.

في المقابل، تظهر اليابان في الطرف الآخر من المنحنى بـ 3 ساعات و57 دقيقة فقط يومياً، رغم تقدمها التكنولوجي. الفارق لا يكمن في توفر التقنية، بل في ثقافة الاستخدام وكثافة البدائل: النقل العام المكثف، أماكن العمل المنفصلة عن المنزل، والحياة الاجتماعية خارجية. هذا يطرح فرضيةً مفادها أن «الوقت على الإنترنت» لا يقاس بعدد الساعات فقط، بل بـ الفراغ البديل الذي يملأه.

الإمارات العربية: بين البنية التحتية الرقمية والسلوك الاستهلاكي

تتموضع الإمارات العربية المتحدة في المركز التاسع بـ 8 ساعات و11 دقيقة، وهو رقمٌ يكتسب دلالته من سياقه المحلي. فالدولة تتصدر عالمياً في سرعة الإنترنت المحمول — بمعدل يتجاوز 600 ميغابت في الثانية — ويبلغ انتشار الإنترنت 99% من السكان، بينما يستخدم 85% منهم فيسبوك. لكن هذا التفوق التقني يحمل في طياته مفارقة: كلما كانت البنية التحتية أسرع وأرخص، زادت «الاحتكاكية» الرقمية، وبالتالي زاد الوقت المستغرق.

الفجوة الزمنية: المتوسط العالمي مقابل الإمارات وجنوب أفريقيا (بالدقيقة)

المصدر: DataReportal (Q3 2024) و DemandSage (يونيو 2026)

تُظهر بيانات DataReportal أن المستخدم الإماراتي يقضي نحو ساعتين و23 دقيقة يومياً على منصات التواصل الاجتماعي وحده. هذا يعني أن نحو 30% من الوقت الرقمي الإجمالي يذهب إلى تطبيقاتٍ تُصمَّم خصيصاً لاستغلال آليات المكافأة العصبية والتمرّد على الملل. في ظل المناخ الحار لأجزاءٍ كبيرة من العام، وارتفاع نسبة العمالة الوافدة التي تعتمد على الاتصال الرقمي مع الأهل في بلدانهم، يتحول الإنترنت من «أداة» إلى «بيئة معيشية».

ℹ️

تنويه تحريري

بيانات DemandSage تُحصّل «الوقت على الإنترنت» عبر جميع الأجهزة، بما في ذلك استخدام العمل عن بُعد والتعليم الرقمي. هذا يعني أن الرقم لا يُمثّل «الترفيه» فقط، بل يتضمن الأنشطة الإنتاجية أيضاً.

ما ثمن التسع ساعات؟ الصحة والإنتاجية على المحك

تتقاطع البيانات الكمية هنا مع البروتوكول الإنساني. فبعد عتبة معينة، يتوقف الاستخدام الرقمي عن كونه «تقدماً» ويتحول إلى عبء صحي. دراسةٌ نُشرت في Frontiers in Psychiatry عام 2025 وجدت أن 48.4% من الطلاب الجامعيين يتجاوزون الحد «المفرط» من وقت الشاشة، وأن 61.9% منهم يعانون جودة نومٍ منخفضة. وفي تحليلٍ منشور في PMC، ارتبطت الشاشات الممتدة لأكثر من خمس ساعات يومياً بزيادة احتمالية الاضطرابات النفسية بنسبة 70% مقارنةً بمن يقضون أقل من ساعة.

توزيع حركة الإنترنت العالمية حسب الفئة (2026)

المصدر: DataReportal — تقديرات مبنية على نسب حركة المرور. الأنشطة غير حصرية (المستخدم يمكن أن يمارس أكثر من نشاط).

لكن التحذيرات لا تعني أن كل ساعةٍ على الإنترنت «ضارة». فدراسةٌ فرنسية واسعة النطاق (2023) على 14 ألف طفل خلصت إلى أن السياق — لا الوقت وحده — هو ما يحدد الأثر. مشاهدة التلفاز مع العائلة أثناء الوجبات، مثلاً، أقل ضرراً من الانعزال الفردي أمام الهاتف. هذا يعني أن التسع ساعات في جنوب أفريقيا قد تكون «أقل خطورة» من ست ساعات في اليابان إذا كانت الأولى تتضمن تفاعلاً اجتماعياً، بينما الثانية انعزالاً.

✅ عوامل الحماية

  • الاستخدام الجماعي (العائلة/الأصدقاء) بدلاً الفردي
  • الأنشطة التفاعلية (تعلم، عمل) مقابل السلبية
  • الانقطاع الليلي: إيقاف الشاشات قبل النوم بساعة
  • التنوع: مزج الوقت الرقمي بالأنشطة البدنية

⚠️ مؤشرات الخطر

  • الاستخدام فوق 8 ساعات يومياً بشكلٍ فردي
  • الانقطاع عن النوم بسبب الإشعارات
  • التراجع في التفاعلات الوجاهية
  • الاعتماد على الشاشات كمنفّذ وحيد للضغط النفسي

من المستفيد ومن يدفع الفاتورة؟

على مستوى الاقتصاد الرقمي، المستفيد الأوضح هو قطاع الإعلانات والتجارة الإلكترونية. فكل دقيقةٍ إضافيةٍ على الإنترنت تُترجم إلى بياناتٍ استهلاكية وفرصةٍ لاستهدافٍ إعلاني. لكن الفاتورة — على المدى المتوسط — تُدفعها أنظمة الصحة العامة. فالاضطرابات النفسية المرتبطة بالاستخدام المفرط للشاشات تُكلّف الاقتصاد العالمي، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، مليارات الدولارات سنوياً في فقدان الإنتاجية والعلاج.

في الإمارات وجنوب أفريقيا تحديداً، يتزامن ارتفاع الاستخدام مع بنية تحتية رقمية متقدمة ومؤشرات صحية نفسية في صعود. هذا لا يعني علاقةً سببيةً حتمية، لكنه يستدعي سياساتٍ وقائية: برامج «الصحة الرقمية» في المدارس، وتشريعاتٍ تحدّ من التصميم المُدمن للتطبيقات، وحملاتٍ توعوية لا تُجرّم التقنية بل تُعلّم التوازن.

هل نتجه نحو سقف زمني للإنترنت؟

ثلاثة سيناريوهات تلوح في الأفق:

سيناريوهات التطور المستقبلي

السيناريوالشرطالنتيجة المتوقعة
التصحيح التنظيميتشريعاتٌ تُقيّد التصميم المُدمن (مثل الاتحاد الأوروبي)انخفاض تدريجي بـ 10–15% في الوقت المستغرق
الاستمرار التصاعديغياب تدخلٍ ودخول الأجيال الرقمية الأصلية سوق العملتجاوز 10 ساعات يومياً في الدول المتصدرة
الاستقرار النسبيتشبعٌ في الانتشار + وعيٌ صحي متزايدثباتٌ عند 8–9 ساعات مع تغيير في طبيعة الاستخدام

السيناريو الأرجح هو «الاستقرار النسبي» مع تغيير في الجودة لا الكمية: الذكاء الاصطناعي التوليدي يُقلّل الوقت المستغرق في البحث، لكنه يزيد الوقت في «الإنشاء» الرقمي. الفيديو القصير (TikTok/Reels) يستمر في احتكار الوقت، لكنه يواجه — لأول مرة — مقاومةً من جيلٍ يعيد اكتشاف «الانفصال الرقمي» كمظهرٍ من مظاهر الرفاهية.

ماذا يعني هذا للقارئ؟

إذا كنت تقرأ هذا المقال على هاتفك — وهو الأرجح — فقد تكون قد أمضيتَ اليوم نحو ساعتين ونصف على الإنترنت قبل الوصول إلى هذه السطور. الرقم ليس «حكماً»، بل مرآة. الفارق بين 6 ساعات و9 ساعات ليس دائماً فارق «إدمان»، بل قد يكون فارق «عمل عن بُعد» أو «دراسة رقمية» أو «تواصل مع أهلٍ في بلدٍ آخر». لكن العتبة الحرجة تبدأ عندما يتحول الإنترنت من أداةٍ تخدمك إلى بيئةٍ تستغلك.

الخطوة العملية: لا تبدأ بـ «تقليل الوقت»، بل بـ تدوينه. معظم المستخدمين يُقدّرون وقتهم الرقمي بأقلّ من نصفه الحقيقي. والخطوة الثانية: افحص «السياق» لا «الساعة». هل الوقت على الإنترنت يُضيف معرفة أو دخلاً أو تواصلاً؟ أم يُضيف قلقاً وارتهاناً وعزلة؟

القائمة التي تتصدرها جنوب أفريقيا وتضم الإمارات في ذيلها العشرة الأوائل، ليست ترتيباً للتفوق أو التخلّف الرقمي. هي لقطةٌ في زمنٍ يُعيد فيه الإنترنت تشكيل الحياة اليومية بشكلٍ أعمق من أي تقنيةٍ سابقة. السؤال المفتوح: ليس كم ساعةً نقضيها على الشبكة، بل كم ساعةً نحتفظ بها لأنفسنا خارجها.

المصادر:

  1. وكالة سبوتنيك / منصة DemandSage — إنفوجرافيك أكثر الدول استخداماً للإنترنت (يونيو 2026) — مصدر أولي
  2. DataReportal — Digital 2026: United Arab Emirates (نوفمبر 2025) — مصدر أولي (بيانات ITU وGSMA)
  3. DataReportal — Digital Around the World (2026) — مصدر أولي (المتوسط العالمي 33h 13m أسبوعياً)
  4. Frontiers in Psychiatry — Digital screen time and mental health (مارس 2025) — مصدر علمي أولي (Peer-reviewed)
  5. PMC — The hazards of excessive screen time (2018) — مصدر علمي أولي (Meta-analysis)

 

الوسوم

استخدام الإنترنت | وقت الشاشة | الإمارات العربية المتحدة | Digital 2026 | الصحة الرقمية

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

رياح "حرب إيران" تعصف بالجنيه: البنوك المصرية ترفع "سياج الحماية" بتشديد شروط الاستيراد

الدولار يكسر حاجز التوقعات في مصر: هل هي قفزة عابرة أم واقع جديد؟

أزمة الوقود العالمية: طوابير البنزين تجتاح العالم وسط حرب إيران