لماذا يُهدّد اتفاق واشنطن وطهران المشروع الإسرائيلي برمته؟

-- دقائق
جيوسياسة

الخلاف بين نتنياهو وترامب ليس مجرد صدام شخصي، بل انكشاف لخلل بنيوي في العلاقة بين دولة تسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وقوة عظمى تُقدّر حساباتها الاقتصادية والانتخابية أولاً

لماذا يُهدّد اتفاق واشنطن وطهران المشروع الإسرائيلي برمته؟تصاعد التوتر بين تل أبيب وواشنطن على خلفية الاتفاق النووي الإيراني — سبوتنيك عربي

لم يكن بنيامين نتنياهو يتوقع أن يصل إليه خبر الاتفاق الأمريكي الإيراني عبر وسائل الإعلام. لكن هذا ما حدث بالفعل. ففي لحظةٍ واحدة، تبدّدت أسطورة التنسيق الاستراتيجي بين تل أبيب وواشنطن، وانكشف عمق الهوة بين مصالح إسرائيل الأمنية وحسابات ترامب الانتخابية. لم يعد السؤال هو ما إذا كان الاتفاق سيئاً لإسرائيل، بل لماذا اختارت الولايات المتحدة التفاوض مع عدوّها التاريخي دون استشارة حليفها الأقرب.

هذا التحول لا يُفسّر بالعواطف أو الشخصيات. إنه نتاج تضاربٍ بين مشروعين: مشروع إسرائيلي يرى في إيران تهديداً وجودياً يجب إزالته، ومشروع أمريكي يرى في استمرار المواجهة تهديداً لأسواق الطاقة ولفرص الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة. هنا تكمن المشكلة الحقيقية لنتنياهو: ليس أن الاتفاق سيئ، بل أنه يُبرهن أن إسرائيل لم تعد تملك الفيتو الاستراتيجي على قرارات واشنطن.

76 سنة على إقامة إسرائيل
46 سنة من العلاقات الأمريكية الإسرائيلية
2025 عام بدء الحرب على إيران
يونيو 2026 تاريخ الإعلان عن الاتفاق

لماذا يُعتبر الاتفاق كارثة في عيون الإسرائيليين؟

وصف رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» المعارض أفيغدور ليبرمان الاتفاق بأنه «الكارثة السياسية الأكبر منذ إقامة الدولة». هذا التصنيف ليس مجرد مبالغة انتخابية، بل انعكاس لإدراكٍ عميق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: الاتفاق لم يتضمن أي إشارة إلى برنامج الصواريخ البالستية أو دعم إيران للفصائل المسلحة في المنطقة، وهما الملفان اللذان تُراهن إسرائيل عليهما لتبرير ضرباتها الاستباقية.

🚨

الثغرة الاستراتيجية

الصواريخ البالستية الإيرانية ودعم الميليشيات المسلحة في لبنان واليمن والعراق لم تُدرجا في نص الاتفاق، مما يعني أن إيران تحتفظ بأوراق ضغطها العسكرية كاملة.

في هذا السياق، يبدو ليبرمان محقاً حين يقول إن الحكومة «ملزمة بالعمل وفقاً للمصلحة الإسرائيلية، وليس بناءً على أسعار الوقود في بورصات العالم». هذه العبارة تكشف عن شعورٍ بالخيانة: إسرائيل تُدرك أن ترامب يتفاوض مع إيران لأسبابٍ اقتصادية محضة، لا لأنها تُشاطره رؤيته الأمنية.

لكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل كانت إسرائيل تتوقع غير ذلك؟ تاريخياً، لم تكن واشنطن تل أبيب أبداً. ففي كل أزمة، اختارت الولايات المتحدة مصالحها الوطنية على مصالح حليفها. الفرق هذه المرة هو أن الانكشاف كان علنياً ومُهيناً.

أين تتقاطع المصالح وتبدأ الخلافات؟

توازن المصالح: إسرائيل مقابل الولايات المتحدة

المصدر: تحليل مبني على تصريحات مسؤولين وتقارير إعلامية (يونيو 2026)

التضارب في المصالح ليس ظاهرة جديدة، لكنه يتجلى اليوم بشكلٍ حاد. بينما تسعى إسرائيل إلى تدمير مقدرات الدولة الإيرانية وإخراجها من المعادلة الإقليمية لتلعب دور «شرطي الشرق الأوسط»، ترى الولايات المتحدة أن استمرار الحرب يضر بالاقتصاد العالمي ويهدد استقرارها الداخلي.

هذا التباين يعود إلى اختلافٍ جوهري في الرؤية: إسرائيل تعيش في بيئة إقليمية تُرى فيها التهديدات وجودية، بينما تعيش أمريكا في بيئة عالمية تُرى فيها التهديدات اقتصادية وسياسية. الحرب على إيران تُكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات يومياً في اضطرابات أسواق النفط، وهو ما يُضعف فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة.

🇺🇸 رؤية واشنطن

  • خفض أسعار النفط واستقرار الأسواق العالمية
  • تجنب التورط العسكري المباشر المُكلف
  • تعزيز فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات
  • إعادة تموضع استراتيجي نحو آسيا

🇮🇱 رؤية تل أبيب

  • إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه بشكل حاسم
  • إنهاء البرنامج النووي والصاروخي
  • قطع دعم إيران للميليشيات المسلحة
  • الحفاظ على التفوق العسكري الإقليمي

لماذا فشلت إسرائيل في تحقيق أهدافها؟

منذ تأسيسها، قامت إسرائيل على عقيدة عدوانية لا تستقيم إلا بخلق عدوٍ دائم. لعقود، كان هذا العدو يتبدل: مصر، ثم سوريا، ثم العراق، وأخيراً إيران. لكن المفارقة أن إسرائيل، رغم تفوقها العسكري الهائل، لم تنجح في تحقيق أيٍ من أهدافها الاستراتيجية الكبرى.

في لبنان، فشلت في القضاء على حزب الله رغم التهجير الواسع للسكان والدمار الهائل. في غزة، لم تحقق أهدافها العسكرية رغم أكثر من عامٍ من الحرب. وفي الملف الإيراني، فشلت في إسقاط النظام وإنهاء البرنامج النووي. هذه السلسلة من الفشلات الاستراتيجي تُضعف موقف نتنياهو داخلياً وتُبرهن أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإعادة رسم الخرائط الإقليمية.

⚠️

مأزق نتنياهو المزدوج

رئيس الحكومة الإسرائيلية يواجه ضغوطاً داخلية متصاعدة من المعارضة واليمين المتطرف معاً، فيما يفقد تدريجياً غطاء واشنطن الذي كان يُمثّل خطاً أحمر في السياسة الإسرائيلية.

هذا الفشل ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً أيضاً. فقد أصبح نتنياهو في مأزقٍ داخلي وخارجي: داخلياً، يواجه غضباً شعبياً متصاعداً على خلفية فشل الحرب وارتفاع التكاليف الاقتصادية. خارجياً، يخسر غطاء واشنطن الذي كان يُمثّل خطاً أحمر في السياسة الإسرائيلية.

كيف يُعيد هذا القرار تشكيل المشهد الإقليمي؟

الاتفاق الأمريكي الإيراني ليس مجرد وثيقة دبلوماسية، بل إعلانٌ عن نهاية حقبة. حقبة كانت فيها إسرائيل تتمتع بـ فيتو ضمني على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. هذا الفيتو لم يكن مكتوباً، لكنه كان واقعاً: أي رئيس أمريكي يتجرأ على مخالفة تل أبيب كان يواجه ضغوطاً سياسية هائلة.

ترامب، بأسلوبه المباشر، كسر هذه القاعدة. ليس لأنه يكره إسرائيل، بل لأنه يُقدّر مصالحه الانتخابية والاقتصادية أولاً. هذا التحول يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة: هل ستسعى إسرائيل إلى التصرف منفردة؟ وهل تملك القدرة على ذلك؟

🔴

الحرب على إيران

شنّت إسرائيل ضربات جوية على أهداف إيرانية

🟡

تصاعد التوتر

اضطراب أسواق النفط وضغوط اقتصادية عالمية

🔵

تدخل أمريكي

ترامب يُفضّل التفاوض على المواجهة

🟢

الاتفاق النووي

إعلان الاتفاق دون تنسيق مع تل أبيب

الإجابة على السؤال الأخير ليست واضحة. إسرائيل تملك قوة عسكرية هائلة، لكنها تفتقر إلى العمق الاستراتيجي. أي عملية عسكرية منفردة ضد إيران ستكون مغامرةً خطيرة، خاصةً أن الاتفاق يعني أن واشنطن لن تُغطّي تل أبيب دبلوماسياً أو عسكرياً.

ما الذي يعنيه هذا للمنطقة برمتها؟

الاتفاق يُرسي معادلةً جديدة في الشرق الأوسط: إيران تبقى لاعباً إقليمياً رئيسياً، وإسرائيل تفقد احتكار التفوق الاستراتيجي، والولايات المتحدة تُعيد حساباتها بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط. هذه المعادلة ليست مؤقتة، بل تُشير إلى تحولٍ بنيوي في السياسة الأمريكية.

للدول العربية، هذا التحول يحمل فرصاً ومخاطر في آنٍ معاً. من جهة، تخفيف التوتر مع إيران قد يُفضي إلى استقرارٍ إقليمي. من جهة أخرى، فقدان إسرائيل لغطاء واشنطن قد يدفعها إلى تصرفاتٍ اندفاعية وخطيرة. التوازن الدقيق الذي تحتاجه المنطقة يتطلب قياداتٍ عربية تفهم أن اللعبة تغيّرت، وأن القواعد القديمة لم تعد صالحة.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة

السيناريوالشرطالنتيجة المحتملة
تصعيد إسرائيلي منفردانهيار نتنياهو داخلياًضربات استباقية تُفضي إلى حرب إقليمية واسعة
تسوية أمريكية إيرانية مستدامةالتزام الطرفين بالاتفاقتخفيف التوتر وإعادة تموضع إقليمي
تفاهم إقليمي جديدتدخل دول عربية ودولية فاعلةإطار أمني إقليمي يُقلّل من دور إسرائيل

هل انتهى عصر «الفيتو الإسرائيلي» على واشنطن؟

السؤال الذي يُراوح العقل الإسرائيلي اليوم ليس ما إذا كان الاتفاق سيئاً، بل ما إذا كان قد فات الأوان لإصلاح العلاقة مع واشنطن. الإجابة تعتمد على عدة عوامل: هل يستطيع نتنياهو البقاء في السلطة؟ وهل ستُجرى انتخابات أمريكية تُغيّر المعادلة؟ وهل تملك إسرائيل بديلاً استراتيجياً عن الولايات المتحدة؟

الجواب على السؤال الأخير هو «لا». إسرائيل لا تملك بديلاً استراتيجياً حقيقياً. الصين ليست مهتمة، وروسيا تتعامل مع إيران كحليف، والاتحاد الأوروبي منقسم. هذا يعني أن تل أبيب مضطرة للتعامل مع واقعٍ جديد: أمريكا ليست ملكاً لإسرائيل، وإن كانت إسرائيل حليفاً مهماً، فهي ليست أولوية مطلقة.

"الاتفاق لم يتضمن أي إشارة إلى برنامج إيران للصواريخ البالستية أو دعمها للفصائل المسلحة في المنطقة، رغم المطالب الإسرائيلية المستمرة بإدراج هذين الملفين ضمن أي اتفاق."

الاتفاق الأمريكي الإيراني ليس كارثةً لإسرائيل لأنه يُضعفها عسكرياً، بل لأنه يُفضح عجزها الاستراتيجي: دولة بنت هويتها على تهديد العدو ولم تنجح في هزيمته. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان نتنياهو سيُقيل، بل ما إذا كانت إسرائيل قادرة على إعادة اختراع نفسها في عالمٍ لم يعد يُقدّر القوة العسكرية وحدها.

المصادر:

  1. سبوتنيك عربي — 23 يونيو 2026 — تقرير صحافي
  2. تصريحات أفيغدور ليبرمان — حزب إسرائيل بيتنا — 23 يونيو 2026
  3. تحليل د. عدنان نعيم — باحث في الشؤون الإقليمية — سبوتنيك عرب
  4. تحليل د. سيد مكاوي — أستاذ العلاقات الدولية — سبوتنيك عربي

الوسوم

اتفاق أمريكا إيران | نتنياهو ترامب | الصواريخ البالستية الإيرانية | أفيغدور ليبرمان | الشرق الأوسط 2026

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

من فتح الأبواب المالية إلى "سور عظيم" جديد: لماذا تُغلق بكين على نفسها ما فتحته قبل أشهر؟

حرب إيران تُربك خريطة النمو العالمي: صندوق النقد يُعيد رسم أرقام 2026 من القاهرة إلى أبوجا

حين يُحرج الحليف حليفه علناً: ماذا يكشف وصف ترامب لنتنياهو بـ"غير العقلاني" عن ميزان القوى الجديد بين واشنطن وتل أبيب؟