النفط فوق 80 دولاراً والذهب يتهاوى: مفارقة الأسواق وسط هدنة هرمز الهشة

-- دقائق
اقتصاد وطاقة

تصريح أمريكي واحد عن لبنان أعاد علاوة المخاطر إلى خام برنت، بينما يتجه الذهب لثالث خسارة أسبوعية تحت ضغط الدولار — وخلف الأرقام، السعودية وحدها تتحمل كلفة خفض إنتاجها أكثر من 3 ملايين برميل يومياً

النفط فوق 80 دولاراً والذهب يتهاوى: مفارقة الأسواق وسط هدنة هرمز الهشةمضخات نفط تعمل بالقرب من إحدى منشآت الطاقة (غيتي عبر الجزيرة نت)

جملة واحدة من نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس كانت كفيلة، صباح الجمعة، بإعادة خلط أوراق سوق النفط العالمية. حذّر فانس إسرائيل من توسيع هجماتها على حزب الله في لبنان، فارتفع خام برنت 0.55% إلى 80.29 دولاراً للبرميل، وصعد خام غرب تكساس الوسيط 1.75% إلى 77.94 دولاراً، في إشارة إلى أن الأسواق ما زالت تتعامل مع الهدوء الحالي في الشرق الأوسط باعتباره هدنة قابلة للانكسار، لا سلاماً مستقراً.

في الجهة المقابلة من المشهد، كان الذهب يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. تراجع المعدن النفيس نحو ثالث خسارة أسبوعية متتالية، مدفوعاً بقوة الدولار الذي يقترب من أعلى مستوياته في عام كامل، وبإشارات تشديد نقدي من الاحتياطي الفدرالي الأمريكي. والمفارقة أن الذهب — الذي عادة ما يرتفع مع تصاعد المخاوف الجيوسياسية — يهبط في اللحظة نفسها التي يصعد فيها النفط بفعل مخاوف جيوسياسية مشابهة؛ وهو ما يكشف أن المحرك الحقيقي للأسواق هذا الأسبوع ليس الخوف من الحرب، بل حسابات الفائدة والدولار.

80.29$ سعر برميل برنت
4,139$ أوقية الذهب الفوري
3M+ برميل يومياً خفضتها السعودية
60 يوماً مهلة تفاوض اتفاق هرمز

اتفاق هرمز: هدنة من 14 بنداً لا تزال تحت الاختبار

يقوم الهدوء النسبي الحالي في أسواق الطاقة على مذكرة تفاهم من 14 بنداً بين الولايات المتحدة وإيران، تفتح نافذة تفاوض مدتها 60 يوماً يسمح خلالها بمرور السفن عبر مضيق هرمز دون رسوم. ويدعو الاتفاق إلى إعادة حركة الملاحة فيه إلى كامل طاقتها خلال 30 يوماً، بينما يُؤجَّل الملف الأكثر تعقيداً — البرنامج النووي الإيراني — إلى مراحل لاحقة. بعبارة أخرى: الأسواق لا تتعامل مع نهاية أزمة، بل مع هدنة فنية قابلة للتعثر في أي محطة من محطاتها الستين.

وقد أثبتت تصريحات فانس هذا الافتراض في الحال. فبحسب جون كيلدوف، الشريك في شركة أيغن كابيتال، فإن أي اضطراب في الملف اللبناني، ولو كان محدوداً، ينعكس مباشرة على تسعير المخاطر في سوق النفط.

مسار خام برنت — من ما قبل الحرب إلى توقعات 2027 (دولار/برميل)

المصدر: الجزيرة نت + رويترز، تقديرات Goldman Sachs وCiti — أرقام ذروة الإغلاق وتوقعات البنوك تقريبية لأغراض التوضيح

تتوقع غولدمان ساكس أن تعود صادرات الخليج إلى مستويات ما قبل الحرب بنهاية يوليو/تموز، على أن يتعافى الإنتاج بحلول أكتوبر/تشرين الأول، مشترطة ذلك بزيادة نحو 13 مليون برميل يومياً في تدفقات هرمز من مستوياتها الحالية. في المقابل، يرى بنك بي إن بي باريبا أن العودة الكاملة لأسعار ما قبل الحرب غير مرجحة، ويضع 75 دولاراً للبرميل كأرضية للأسعار في المستقبل المنظور بسبب الخسائر القائمة في الإمدادات.

"أي تراجع جديد في تدفقات هرمز، ولو كان طفيفاً، سيشكل مشكلة للسوق بعدما استوعبت الأسعار عودة الملاحة بالكامل." — جون كيلدوف، الشريك في أيغن كابيتال

الذهب يدفع ثمن قوة الدولار لا ضعف الجغرافيا السياسية

بينما يتمسك النفط بعلاوة المخاطر، يبدو الذهب في موقع مختلف تماماً. انخفض الذهب الفوري إلى نحو 4,139.62 دولاراً للأوقية، فيما تراجعت العقود الأمريكية الآجلة بنسبة 2% إلى 4,160.82 دولاراً، بعدما ظل الدولار قرب أعلى مستوى له في عام كامل. وامتدت الخسائر إلى بقية المعادن النفيسة: الفضة إلى 64.06 دولاراً، والبلاتين إلى 1,661.03 دولاراً، والبلاديوم إلى 1,241 دولاراً.

التغير اليومي في أسعار المعادن النفيسة — العقود الآجلة

المصدر: الجزيرة نت + رويترز — عقود التسليم الآجلة، 19 يونيو 2026

المنطق وراء هذا التراجع مزدوج: ارتفاع الدولار يرفع كلفة شراء الذهب على حائزي العملات الأخرى، بينما تضغط توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية على المعدن الذي لا يدر عائداً دورياً. وهذا تحديداً ما يفسر المفارقة المركزية في عنوان هذا المقال: الذهب، الذي يُفترض أن يكون "ملاذاً آمناً" وقت التوتر، يخسر الآن لأن المتعاملين يراهنون على أن التصعيد الجيوسياسي محدود وقابل للاحتواء، فيما تتولى حسابات الفائدة والدولار قيادة المشهد.

الكلفة الخفية: السعودية تدفع الفاتورة على الأرض

خلف لغة المؤشرات والعقود الآجلة، هناك واقع إنتاجي أكثر صرامة. اضطرت السعودية، أكبر مصدّر للنفط في العالم، إلى خفض إنتاجها بأكثر من 3 ملايين برميل يومياً، بعدما عطّل الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز صادرات الخام من ميناء رأس تنورة، وتسبب في تراجع إنتاج الغاز المصاحب للنفط. والنتيجة العملية أن المملكة تتجه لاستخدام كميات أكبر من زيت الوقود المستورد — وهو وقود أكثر كلفة وتلويثاً — لتوليد الكهرباء خلال ذروة الطلب الصيفي، في انتكاسة مؤقتة لجهودها للتحول نحو مصادر طاقة أنظف.

⚠️ نقاط الهشاشة المستمرة

  • خفض إنتاج سعودي يتجاوز 3 ملايين برميل يومياً
  • تعطل الغاز المصاحب يرفع كلفة توليد الكهرباء صيفاً
  • الملف النووي الإيراني لم يُحسم بعد ويبقى مؤجلاً
  • تصريح أمريكي واحد كافٍ لإعادة تسعير المخاطر

✅ مؤشرات الاحتواء النسبي

  • عودة ناقلات النفط للإبحار عبر هرمز فعلياً
  • غولدمان ساكس يتوقع تعافي الصادرات الخليجية بنهاية يوليو
  • أسعار النفط لم تسجل القفزات الحادة المتوقعة أولاً
  • اتفاق إطاري موقّع يمنح مساراً تفاوضياً واضحاً لأول مرة

سيناريوهات أسعار النفط حتى مطلع 2027

الجهةالتقديرالأفق الزمني
غولدمان ساكستعافي الصادرات الخليجية لمستويات ما قبل الحربنهاية يوليو 2026
بي إن بي باريباأرضية سعرية عند 75 دولاراً للبرميلالمستقبل المنظور
سيتيتراجع إلى 60-65 دولاراً للبرميلالربع الأول 2027

على جانب الطلب العالمي، تشير بيانات وحدة الأبحاث التابعة لشركة بتروتشاينا الصينية إلى أن الصين، ثاني أكبر مستهلك للنفط عالمياً، قد تستهلك نحو 753 مليون طن من النفط خلال 2026، بانخفاض 4.9% عن العام السابق، وسط تحول متزايد نحو مصادر الطاقة الجديدة وضغط استمرار ارتفاع الأسعار — وهو عامل إضافي يفسر لماذا لا تتوقع البنوك الكبرى عودة الأسعار إلى ذروتها رغم استمرار هشاشة هرمز.

خط زمني الأزمة

  • 28 فبراير 2026

    اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران

    بداية إغلاق فعلي لمضيق هرمز أمام الملاحة وتعطل صادرات الخليج النفطية.

  • أبريل 2026

    السعودية تخفض إنتاجها أكثر من 3 ملايين برميل يومياً

    تعطل صادرات رأس تنورة وتراجع إنتاج الغاز المصاحب يدفعان المملكة لاستيراد زيت وقود أعلى كلفة.

  • منتصف يونيو 2026

    توقيع مذكرة تفاهم من 14 بنداً

    فتح نافذة تفاوض 60 يوماً وعودة جزئية لحركة الملاحة عبر هرمز دون رسوم.

  • 19 يونيو 2026

    تحذير فانس وعودة علاوة المخاطر

    برنت يصعد فوق 80 دولاراً فيما يواصل الذهب هبوطه نحو ثالث خسارة أسبوعية.

الأسواق هذا الأسبوع لا تروي قصة حرب أو سلام، بل قصة هدنة مشروطة تُعاد كتابة شروطها كل أسبوع. النفط يرتفع لأن المخاطر الجيوسياسية لا تزال حية على الورق، والذهب يهبط لأن المتعاملين يراهنون عملياً على أن هذه المخاطر لن تتحول إلى مواجهة شاملة جديدة. وبين الرهانين، تبقى السعودية والخليج هما من يدفعان الفاتورة الحقيقية على الأرض: إنتاج مخفّض، وقود أعلى كلفة، وانتظار طويل حتى تثبت الأسابيع الستون المقبلة هل كان اتفاق هرمز بداية تعافٍ فعلي أم مجرد هدنة مؤجلة الانهيار.

المصادر:

  1. الجزيرة نت + رويترز — برنت فوق 80 دولاراً والذهب يهبط مع اختبار اتفاق هرمز (19 يونيو 2026)
  2. النفط يرتفع.. ومضيق هرمز يعمّق أزمة الإمدادات — خفض الإنتاج السعودي (مايو 2026)
  3. المصري اليوم — أسعار الذهب اليوم الجمعة 19-6-2026 (19 يونيو 2026)
  4. الجزيرة نت — موسوعة: حرب إيران بالحقائق والأرقام من الغارة
  5. الوطن الخليجية — أسعار النفط مهددة بموجة ارتفاع حادة حال استمرار أزمة هرمز

الوسوم

النفط | الذهب | مضيق هرمز | السعودية | اتفاق هرمز

النشرة البريدية

تعليقات

الموضوعات الأكثر قراءة في" علىّْ الدين الإخباري"

300 مليار دولار مقابل النووي: هل تُعيد "الصفقة الأمريكية" رسم خريطة النفوذ الإيراني؟

«شغّلوا محركاتكم»: جملة واحدة من ترامب أعادت فتح هرمز... فهل تكفي لإنهاء أطول أزمة طاقة منذ عقدين؟

عندما يُبرم ترامب "فوق رأس" نتنياهو: كيف حولت إسرائيل "الردع" إلى استنزاف ذاتي؟